الفتن: جمع فتنة، وهي الابتلاء والامتحان والاختبار، ثمّ كثُرَ استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه، ثمّ أُطلِقت على كلّ مكروهٍ أو آيِلٍ إليه؛ كالإِثم، والكفر، والقتل، والتَّحريق، وغير ذلك من الأمور المكروهة (^١).
وقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أن من أشراط السّاعة ظهور الفتن العظيمة الّتي يلتبس فيها الحق بالباطل، فتزلزل الإِيمان، حتّى يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، كلما ظهرت فتنةٌ؛ قال المؤمّن: هذه مُهْلِكَتي. ثمّ تنكشف، ويظهر غيرها، فيقول: هذه، هذه. ولا تزال الفتن تظهرُ في النَّاس إلى أن تقوم السّاعة.
ففي الحديث عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن بين يدي السّاعة فتنًا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرَّجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساير، فكسِّروا قسِّيكُم، وقطِّعوا أوتارَكُم، واضْرِبوا بسيوفِكُمُ الحِجارَةَ؛ فإن دُخِل على أحدِكُم؛ فليَكُنْ كخيرِ ابني آدم".
رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في "المستدرك" (^٢).
_________________
(١) انظر: "لسان العرب" (١٣/ ٣١٧ - ٣٢١)، و"النهاية" (٣/ ٤١٠ - ٤١١)، و"فتح الباري" (١٣/ ٣).
(٢) "مسند الإمام أحمد" (٤/ ٤٠٨ - بهامشه منتخب كنز العمال)، و"سنن أبي =
[ ٩٠ ]
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "بادِروا بالأعمال فتنًا كقطع اللّيل المظلم؛ يصبح الرَّجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يُمْسي مؤمنًا ويُصبحُ كافرًا، يبيع دينَه بعَرَضٍ مِن الدُّنيا" (^١).
وعن أم سلمة زوجِ النبيِّ - ﷺ - ﵂، قالت: استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلةً فَزِعًا؛ يقول: "سبحان الله! ما أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل الله من الفتن؟ مَنْ يوقظ صواحب الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلّين؟ ربَّ كاسية في الدُّنيا عارية في الآخرة".
رواه البخاريّ (^٢).
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: نادى منادي رسول الله - ﷺ -: الصّلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: "إنّه لم يكن نبيٌّ قبلي إِلَّا كان حقًّا عليه أن يدلُّ أمَّتَهُ على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم، وإن أمَّتَكُم هذه جُعِل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاءٌ وأُمورٌ تُنْكِرونها، وتجيء الفتنة، فيرقَّق بعضها
_________________
(١) = داود" (١١/ ٣٣٧ - مع عون المعبود)، و"سنن ابن ماجه" (٢/ ١٣١٠)، و"مستدرك الحاكم" (٤/ ٤٤٠)، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي. والحديث صححه الألباني. انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٢/ ١٩٣) (ح٢٠٤٥).
(٢) "صحيح مسلم"، كتاب الإِيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، (٢/ ١٣٣ - مع شرح النووي).
(٣) "صحيح البخاريّ"، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إِلَّا الّذي بعده شر منه، (١٣/ ٢٠ - مع شرح النووي).
[ ٩١ ]
بعضًا، وتجيء الفتنة، فيقول المؤمّن: هذه، هذه فمَن أحبَّ أن يُزَحْزح عن النّار ويدخل الجنَّة؛ فلتأته منيَّتُه، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر".
رواه مسلم (^١).
وأحاديث الفتن كثيرة جدًّا، فقد حذَّر النّبيّ - ﷺ - أمَّته من الفتن، وأمر بالتعوُّذ منها، وأخبر أن آخر هذه الأمة سيصيبها بلاءٌ وفِتَنٌ عظيمة، وليس هنالك عاصمٌ منها، إِلَّا الإِيمان بالله واليوم الآخر، ولزوم جماعة المسلمين، وهم أهل السنة - وإن قلُّوا -، والابتعاد عن الفتن، والتعوُّذ منها، فقد قال ﵊: "تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن".
رواه مسلم (^٢) عن زيد بن ثابت ﵁.