ومن العلّامات الّتي ظهرت: خروج الكذَّابين الذين يدَّعون النيوَّة، وهم قريبٌ من ثلاثين كذَّابًا، وقد خرج بعضُهم في الزمن النبويَّ وفي عهد الصّحابة، ولا يزالون يظهرون.
وليس التحديد في الأحاديث مرادًا به كلّ من ادَّعى النبوَّة مطلقًا؛ فإنهم كثيرٌ لا يُحْصَوْنَ، وإنّما المراد مَنْ قامت له شوكة، وكَثُر أتباعه، واشتُهِرَ بين النَّاس (^٣).
ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁ عن النّبيّ - ﷺ - قال: "لا تقوم السّاعة حتّى يبعث دجَّالون كذَّابون قريبٌ من ثلاثين؛ كلهم يزعم أنّه رسول الله" (^٤).
_________________
(١) مر تخريجه في الصفحة الّتي قبل هذه.
(٢) "شرح النووي لمسلم" (١٦/ ٢١٩ - ٢٢٠).
(٣) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦١٧).
(٤) "صحيح البخاريّ"، كتاب المناقب، باب علامات النبوة، (٦/ ٦١٦ - مع =
[ ١١٣ ]
وعن ثوبان ﵁؛ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تقوم السّاعة حتّى تلحق قبائل من أمَّتي بالمشركين، وحتى يعبدوا الأوثان، وإنه سيكون في أمَّتي ثلاثون كذَّابون، كلهم يزعم أنّه نبيٌّ، وأنا خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي" (^١).
والأحاديث في ظهور هؤلاء الدَّجاجلة كثيرة، وفي بعضها وقع أنّهم ثلاثون بالجزم؛ كما في حديث ثوبان، وفي بعضها أنّهم قريبٌ من الثلاثين؛ كما في حديث "الصحيحين"، ولعلّ رواية ثوبان على طريقة جبر الكسر (^٢).
وممَّن ظهر من هؤلاء الثلاثين مسيلمة الكذَّاب، فادَّعى النبوَّة في آخر زمن النّبيّ - ﷺ -، وكاتَبَهُ رسول الله - ﷺ -، وسماه مسيلمة الكذاب، وقد كثر أتباعه، وعَظُم شرُه على المسلمين، حتّى قضى عليه الصّحابة في عهد أبي بكر الصدِّيق ﵁، في معركة اليمامة المشهورة.
وظهر كذلك الأسود العَنَسي في اليمن، وادَّعى النبوَّة، فقتله الصّحابة قبل موت النّبيّ - ﷺ -.
_________________
(١) = الفتح)، و"صحيح مسلم"، كتاب الفتن وأشراط السّاعة، (١٨/ ٤٥ - ٤٦ - مع شرح النووي).
(٢) "سنن أبي دواد" (١١/ ٣٢٤ - مع عون المعبود)، و"التّرمذيّ" (٦/ ٤٦٦ - مع تحفة الأحوذي)، وقال: "هذا حديث صحيح". وقال الألباني: "صحيح". انظر: "صحيح الجامع الصغير" (٦/ ١٧٤) (ح ٧٢٩٥).
(٣) انظر: "فتح الباري" (١٣/ ٨٧).
[ ١١٤ ]
وظهرت سَجاح، وادَّعت النبوة، وتزوَّجها مسيلمة، ثمّ لما قُتِل؛ رجعت إلى الإسلام.
وتنبأ أيضًا طليحة بن خويلد الأسدي، ثمّ تاب ورجع إلى الإسلام، وحسن إسلامه.
ثمّ ظهر المختار بن أبي عُبيد الثقفي، وأظهر محبَّة أهل البيت، والمطالبة بدم الحسين، وكَثُر أتباعه، فتغلَّب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، ثمّ أغواه الشيطان، فادَّعى النبوَّة ونزول جبريل عليه (^١).
والذي يقَّوي أنّه من الدَّجالين ما رواه أبو داود بعد سياقه لحديث أبي هريرة الّذي في "الصحيحين" في ذكر الكذابين: "عن إبراهيم النخعي أنّه قال لعُبيدة السلماني (^٢): أترى هذا منهم- يعني: المختار-؟ قال: فقال عُبيدة: أمّا إنّه من الرؤوس" (^٣).
ومنهم الحارث الكذَّاب، خرج في خلافة عبد الملك بن مروان، فقُتِل. وخرج في خلافة بني العباس جماعةٌ (^٤).
وظهر في العصر الحديث ميرزا أحمد القادياني بالهند، وادَّعى
_________________
(١) انظر: "فتح الباري" (٦/ ٦١٧).
(٢) عبيدة السلماني المرادي الكوفي الفقيه المفتي، أسلم في حياة النّبيّ - ﷺ -، ولقي عليًّا وابن مسعود. قال فيه الشّعبيّ: "كان يوازي شريحًا في القضاء". انظر: ترجمته في "شذرات الذهب" (١/ ٧٨ - ٧٩).
(٣) "سنن أبي داود" (١١/ ٤٨٦ - مع عون المعبود).
(٤) "فتح الباري" (٦/ ٦١٧).
[ ١١٥ ]
النبوة، وأنّه المسيح المنتظر، وأن عيسى ليس بحيٍّ في السَّماء إلى غير ذلك من الادعاءات الباطلة، وصار له أتباعٌ وأنصارٌ، وانبرى له كثيرٌ من العلماء، فردُّوا عليه، وبيَّنوا أنّه أحد الدَّجالين.
ولا يزال خروج هؤلاء الكذابين واحدًا بعد الآخر، حتي يظهرآخرهم الأعور الدجَّال، فقد روى الإمام أحمد عن سَمُرة بن جُنْدَب ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال في خطبته يوم كسفت الشّمس على عهده: "وإنه - والله- لا تقوم السّاعة حتّى يخرج ثلاثون كذَّابًا، آخرهم الأعور الكذَّاب" (^١).
ومن هؤلاء الكذَّابين أربع نسوة، فقد روى الإمام أحمد عن حذيفة ﵁ أن نبي الله - ﷺ - قال: "في أمتي كذابون ودجَّالون سبعة وعشرون، منهم أربع نسوة، وإني خاتم النبيِّين، لا نبيَّ بعدي" (^٢).