الفصل الخامس
وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة
وأدلة وجوبه وفيه ثلاثة مباحث
المبحث الأول: معنى الاعتصام بالكتاب والسنة وأدلة وجوبه.
المبحث الثاني: التحذير من البدع.
المبحث الثالث: ذم التفرق والاختلاف.
[ ٢٩١ ]
المبحث الأول
معنى الاعتصام بالكتاب والسنة وأدلة وجوبه لقد أمر الله الأمة بالاجتماع واتحاد الكلمة وجمع الصف على أن يكون أساس هذا الاجتماع الاعتصام بالكتاب والسنة، ونهى عن التفرق وبين خطورته على الأمة في الدارين. ولتحقيق ذلك أمرنا بالتحاكم إلى كتاب الله تعالى في الأصول والفروع ونهينا عن كل سبب يؤدي إلى التفرق.
فالطريق الصحيح إلى النجاة هو التمسك بكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ فإنهما حصن حصين وحرز متين لمن وفقه الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣] (آل عمران: ١٠٣) . فقد أمر الله تعالى بالاعتصام بحبل الله، وحبل الله هو عهد الله أو هو القرآن كما قال المفسرون، إذ العهد الذي أخذه الله على المسلمين هو الاعتصام بالقرآن والسنة. فقد أمر الله تعالى بالجماعة ونهى عن التفرق والاختلاف. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: ٧) . وهذا شامل لأصول الدين وفروعه الظاهرة والباطنة.
وأن ما جاء به الرسول يتعين على العباد الأخذ به واتباعه ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول على حكم الشيء كنص الله تعالى لا رخصة لأحد ولا
[ ٢٩٣ ]
عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] (الأنفال: ٢٠) . فقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله، وزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له. ولهذا قال: ﴿وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الأنفال: ٢٠] أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (النساء: ٥٩) .
قال الحافظ ابن كثير: (أطيعوا الله، أي اتبعوا كتابه، وأطيعوا الرسول أي خذوا سنته، وأولي الأمر منكم أي فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله) . وقوله ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] قال مجاهد: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وهذا أمر من الله ﷿ بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠] (الشورى: ١٠) . فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] أي ردوا الفصل في الخصومات والجهالات إلى الكتاب والسنة ومن لا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا اليوم الآخر. وقوله ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩] أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خير ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] أي وأحسن عاقبة ومآلا كما قال السدي وقال مجاهد: (وأحسن
[ ٢٩٤ ]
جزاء وهو قريب) (١) . وفي كتاب الله آيات كثيرة وردت في وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إليهما في كل الأمور.
وأما الأدلة من السنة على وجوب التمسك بالكتاب والسنة فمنها ما رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويسخط لكم ثلاثًا، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم. ويسخط لكم ثلاثًا، قيل وقال، وكثرة السؤال وإضاعة المال» (٢) . وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله وسنتي» (٣) . وقال ﷺ: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعد إلا هالك» (٤) . وجاء في حديث العرباض بن سارية قوله ﷺ: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» (٥) .
وقد بشر النبي ﷺ المتمسكين بسنته من أمته بأعظم بشارة وأشرف مقصد يطلبه كل مؤمن ويسعى إلى تحقيقه من كان في قلبه أدنى مسكة من إيمان ألا وهو الفوز بدخول الجنة. جاءت هذه البشرى في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢ / ٣٠٤) .
(٢) صحيح مسلم برقم (١٧١٥) .
(٣) رواه مالك في الموطأ (٢ / ٨٩٩) .
(٤) سنن ابن ماجه (١ / ١٦) المقدمة. وصحيح ابن ماجه للألباني (١ / ٦) .
(٥) سنن أبي داود (٥ / ١٣) والترمذي مع تحفة الأحوذي (٧ / ٤٣٨) .
[ ٢٩٥ ]
أبى» (١) . وأي إباء ورفض للسنة أعظم من مخالفة أمره ﷺ؟ وذلك بالإحداث والابتداع في الدين.
ومعلوم أن الفرقة الناجية هي التي كانت على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، وهي الجماعة. قال أبي بن كعب ﵁: «عليكم بالسبيل والسنة فإنه ليس من عبد على سبيل وسنة ذكر الرحمن ففاضت عيناه من خشية الله فتمسه النار أبدًا وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة» .
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٧٢٨٠) .
[ ٢٩٦ ]