المبحث الثامن
الإسراء بالرسول ﷺ حقيقته وأدلته تعريف الإسراء لغة وشرعا: الإسراء في اللغة: من السرى وهو: سير الليل أو عامته. وقيل: سير الليل كله.
ويقال: سريت، وأسريت. ومنه قول حسان:
أسرت إليك ولم تكن تسري
والإسراء إذا أطلق في الشرع يراد به: الإسراء برسول الله ﷺ من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيليا ورجوعه من ليلته.
حقيقة الإسراء وأدلته: والإسراء آية عظيمة أيد الله بها النبي ﷺ قبل الهجرة حيث أسري به ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى راكبا على البراق بصحبة جبريل ﵇ حتى وصل بيت المقدس، فربط البراق بحلقة باب المسجد، ثم دخل المسجد وصلى فيه بالأنبياء إماما، ثم جاءه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاختار اللبن على الخمر فقال له جبريل: هديت للفطرة. وقد دل على الإسراء الكتاب والسنة.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] (الإسراء: ١) .
[ ١٨٧ ]
ومن السنة حديث أنس بن مالك الذي أخرجه مسلم في صحيحه من طريق ثابت البناني عن النبي ﷺ قال: «أتيت بالبراق " وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه " قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس. قال: فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن. فقال جبريل ﷺ: اخترت الفطرة» (١) . ثم ذكر بقية الحديث وعروجه إلى السماء. وقد دل على الإسراء برسول الله ﷺ عدة أحاديث منها ما جاء في الصحيحين ومنها ما جاء في السنن وغيرها وقد رواه عن رسول الله ﷺ، جمع من الصحابة نحو الثلاثين رجلا ثم تناقلها عنهم مالا يحصي عدهم إلا الله من رواة السنة وأئمة الدين.
وقد اتفقت كلمة علماء المسلمين سلفا وخلفا وانعقد إجماعهم على صحة الإسراء برسول الله ﷺ وأنه حق. نقل الإجماع على ذلك القاضي عياض في (الشفاء) والسفاريني في (لوامع الأنوار) . والإسراء كان بروح النبي ﷺ وجسده، يقظة لا مناما. فهذا هو الذي دلت عليه النصوص الصحيحة وعليه عامة الصحابة وأئمة أهل السنة والمحققين من أهل العلم.
قال ابن أبي العز الحنفي: (وكان من حديث الإسراء: أنه أسري بجسده في اليقظة على الصحيح من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. .) . وقال القاضي عياض مقررا أن هذا هو الذي عليه عامة أهل العلم من الصحابة
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٦٢) .
[ ١٨٨ ]
فمن بعدهم: (وذهب معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة، وهذا هو الحق، وهو قول ابن عباس وجابر، وأنس، وحذيفة، وعمر، وأبي هريرة، ومالك بن صعصعة، وأبي حبة البدري، وابن مسعود، والضحاك، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن المسيب، وابن شهاب، وابن زيد، والحسن، وإبراهيم، ومسروق، ومجاهد، وعكرمة، وابن جريج، وهو دليل قول عائشة، وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين، وقول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين) .
وقال أحد المحققين الأفذاذ في نقده لقول من زعم أن الإسراء مرتان: (والصواب الذي عليه أئمة النقل أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة. ويا عجبا لهؤلاء الذين زعموا أنه مرارا كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمسا ثم يقول: (أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي) ثم يعيدها في المرة الثانية إلى خمسين، ثم يحطها عشرا عشرا) .
المعراج وحقيقته: الحديث عن المعراج هو قرين الحديث عن الإسراء في النصوص وكلام أهل العلم ولذا كان من المناسب التعريف به تتميما للفائدة.
والمعراج: مفعال من العروج. أي الآلة التي يعرج فيها، أي يصعد. وهو منزلة السلم لكن لا نعلم كيفيته. والمقصود بالمعراج عند الإطلاق في الشرع: هو صعود النبي ﷺ بصحبة جبريل ﵇ من بيت المقدس
[ ١٨٩ ]
إلى السماء الدنيا ثم باقي السماوات إلى السماء السابعة ورؤية الأنبياء في السماوات على منازلهم وتسليمه عليهم وترحيبهم به، ثم صعوده إلى سدرة المنتهى، ورؤيته جبريل عندها على الصورة التي خلقه الله عليها، ثم فرض الله عليه الصلوات الخمس تلك الليلة وتكليم الله له بذلك ثم نزوله إلى الأرض. وكان المعراج ليلة الإسراء على الصحيح.
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على المعراج. أما الكتاب فقد جاء فيه ذكر بعض الآيات العظيمة التي حصلت للنبي ﷺ ليلة المعراج كقوله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى - إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى - مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى - لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٢ - ١٨] (النجم: ١٢-١٨) . فذكر الله تعالى في هذا السياق الآيات العظيمة التي أكرم بها رسوله ﷺ ليلة المعراج كرؤيته جبريل ﵇ عند سدرة المنتهى، ورؤيته سدرة المنتهى وقد غشاها ما غشاها من أمر الله. قال ابن عباس ومسروق " غشيها فراش من ذهب ".
وقد جاء في السنة خبر المعراج مفصلا في أكثر من حديث منها حديث أنس المتقدم في قصة الإسراء والذي سبق نقل ما يتعلق بالإسراء منه ثم قال النبي ﷺ: «ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير» . (ثم ذكر عروجه إلى السماوات وملاقاته الأنبياء إلى أن قال): «ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، إذا ثمارها كالقلال. قال: فلما غشيها من الله ما
[ ١٩٠ ]
غشيها تغيرت. فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إلي ما أوحى. ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﷺ. فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم. قال: فرجعت إلى ربي. فقلت: يا رب خفف على أمتي. فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى. فقلت: حط عني خمسا. قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف. قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇ حتى قال: يا محمد. إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة» . .) (١) الحديث. أخرجه مسلم وقد جاء خبر المعراج بألفاظ متقاربة من حديث مالك بن صعصعة وأبي ذر وابن عباس في الصحيحين وغيرهما.
تنبيه: الإسراء والمعراج من الآيات العظيمة التي أكرم الله بها نبيه ﷺ والواجب على المسلم اعتقاد صحتهما وأنهما منقبتان عظيمتان اختص الله بهما نبينا ﷺ من بين الرسل ولا يشرع للمسلم الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج كما لا تشرع لهما صلاة خاصة كما يفعله بعض عوام المسلمين، بل كل ذلك بدع منكرة لم يشرعها النبي ﷺ ولم يفعلها أحد من السلف ولم يقل بها أحد ممن يقتدي به في العلم.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٦٢) .
[ ١٩١ ]
وقد بين العلماء من أهل السنة أن صلاة ليلة سبع وعشرين من شهر رجب وأمثالها: (من البدع التي أحدثت في دين الله، وأنه عمل غير مشروع باتفاق أئمة الإسلام ولا ينشئ مثل هذا إلا جاهل مبتدع) . وقد قال ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (١) أي مردود عليه.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٢٦٩٧) .
[ ١٩٢ ]