المطلب الخامس: النهي عن أعمال تتعلق بالقبور. لقد كان الأمر في صدر الإسلام على منع زيارة القبور لقرب عهدهم بالجاهلية حماية لحمى التوحيد وصيانة لجنابه، ولما حسن الإيمان وعظم شأنه في الناس ورسخ في القلوب واتضحت براهين التوحيد وانكشفت شبهة الشرك جاءت مشروعية زيارة القبور محددة أهدافها موضحة مقاصدها.
فعن بريدة بن الحصيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، رواه مسلم (٢) .
_________________
(١) سنن الترمذي برقم (٢١٨٠) .
(٢) صحيح مسلم برقم (٩٧٧) .
[ ٤١ ]
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «زوروا القبور فإنها تذكر الموت» (١) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: «إني نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإن فيها عبرة» (٢) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها؛ فإنها ترق القلب وتدمع العين وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرا» (٣) .
وعن بريدة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية»، رواه مسلم (٤) .
فهذه الأحاديث وما جاء في معناها تدل على أن مشروعية زيارة القبور بعد المنع من ذلك إنما كانت لهدفين عظيمين وغايتين جليلتين:
الأولى: التزهيد في الدنيا بتذكر الآخرة والموت والبلى، والاعتبار بأهل القبور مما يزيد في إيمان الشخص ويقوي يقينه ويعظم صلته بالله، ويذهب عنه الإعراض والغفلة.
الثانية: الإحسان إلى الموتى بالدعاء لهم والترحم عليهم وطلب المغفرة لهم وسؤال الله العفو عنهم.
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٩٧٥) .
(٢) مسند أحمد (٣ / ٣٨)، ومستدرك الحاكم (١ / ٥٣١) .
(٣) مستدرك الحاكم (١ / ٥٣٢) .
(٤) صحيح مسلم برقم (٩٧٥) .
[ ٤٢ ]
هذا الذي دل عليه الدليل، ومن ادعى غير ذلك طولب بالحجة والبرهان.
ثم إن السنة قد جاءت بالنهي عن أمور عديدة متعلقة بالقبور وزيارتها، صيانة للتوحيد وحماية لجنابه، يجب على كل مسلم تعلمها ليكون في أمنة من الباطل وسلامة من الضلال، ومن ذلك:
١ - النهي عن قول الهجر عند زيارة القبور. وقد تقدم قوله ﷺ: «ولا تقولوا هجرا»، والمراد بالهجر كل أمر محظور شرعا، ويأتي في مقدمة ذلك الشرك بالله بدعاء المقبورين وسؤالهم من دون الله والاستغاثة بهم وطلب المدد والعافية منهم، فكل ذلك من الشرك البواح والكفر الصراح، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث عديدة صريحة في المنع من ذلك والنهي عنه ولعن فاعله، ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس يقول: «ألا إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إنِّي أنهاكم عن ذلك» (١) . فدعاء الأموات وسؤالهم الحاجات وصرف شيء من العبادة لهم شرك أكبر، أما العكوف عند القبور وتحري إجابة الدعاء عندها ومثله الصلاة في المساجد التي فيها القبور فهو من البدع المنكرة.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أنه ﷺ قال في مرضه الذي
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (٥٣٢) .
[ ٤٣ ]
لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» (١) .
٢ - الذبح والنحر عند القبور. فإن كان ذلك تقربا إلى المقبورين ليقضوا حاجة للشخص فهو شرك أكبر وإن كان لغير ذلك فهو من البدع الخطيرة التي هي من أعظم وسائل الشرك لقوله ﷺ: «لا عقر في الإسلام»، قال عبد الرزاق: «كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة» (٢) .
٣ -، ٤، ٥، ٦، ٧- رفعها زيادة على التراب الخارج منها، وتجصيصها، والكتابة عليها، والبناء عليها، والقعود عليها. فكل ذلك من البدع التي ضلت بها اليهود والنصارى وكانت من أعظم ذرائع الشرك، فعن جابر ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه، وأن يزاد عليه، أو يكتب عليه» . رواه مسلم، وأبو داود، والحاكم (٣) .
٨ - الصلاة إلى القبور وعندها. فعن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها»، رواه مسلم (٤) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الأرض كلها
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (١٣٣٠)، وصحيح مسلم برقم (٥٣١) .
(٢) سنن أبي داود لرقم (٣٢٢٢) .
(٣) صحيح مسلم برقم (٩٧٠)، وسنن أبي داود برقم (٣٢٢٥)، ورقم (٣٢٢٦)، ومستدرك الحاكم (١ / ٥٢٥) .
(٤) صحيح مسلم برقم (٩٧٢) .
[ ٤٤ ]
مسجد، إلا المقبرة والحمام» . رواه أبو داود والترمذي (١) .
٩ - بناء المساجد عليها. وهو بدعة من ضلالات اليهود والنصارى وتقدم حديث عائشة: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» .
١٠ - اتخاذها عيدا. وهو من البدع التي جاء النهي الصريح عنها لعظم ضررها، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتخذوا قبري عيدا (٢) ولا تجعلوا بيوتكم قبورا، وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني»، رواه أبو داود وأحمد (٣) .
١١ - شد الرحال إليها. وهو أمر منهي عنه لأنه من وسائل الشرك فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول ﷺ، ومسجد الأقصى» . رواه البخاري ومسلم (٤) .
_________________
(١) سنن أبي داود برقم (٤٩٢)، وسنن الترمذي برقم (٣١٧)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) العيد هو الذي يعود ويتكرر مثل عيد الفطر وعيد الأضحى، فكون الإنسان يكرر الزيارة لقبر الرسول ﷺ كل يوم من أجل السلام فكأنه يتخذه عيدا، فنهى الرسول ﷺ عن ذلك، أمر المسلم أن يصلي ويسلم عليه وهو في أي مكان كان لأن لله ملائكة سياحين يبلغون الرسول السلام وهذا من يسر هذا الدين إذ ليس باستطاعة كل مسلم أن يأتي إلى المدينة.
(٣) سنن أبي داود برقم (٢٠٤٢)، ومسند أحمد (٢ / ٣٦٧) .
(٤) صحيح البخاري برقم (١١٨٩)، وصحيح مسلم (١٣٩٧) .
[ ٤٥ ]