المطلب الرابع: التبرك بالأشجار والأحجار ونحوها. التبرك هو طلب البركة، وطلب البركة لا يخلو من أمرين:
١ - أن يكون التبرك بأمر شرعي معلوم، مثل القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] (الأنعام: ٩٢، ١٥٥)، فمن بركته هدايته للقلوب وشفاؤه للصدور وإصلاحه للنفوس وتهذيبه للأخلاق، إلى غير ذلك من بركاته الكثيرة.
٢ - أن يكون التبرك بأمر غير مشروع، كالتبرك بالأشجار والأحجار والقبور والقباب والبقاع ونحو ذلك، فهذا كله من الشرك.
فعن أبي واقد الليثي قال: «خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة (١) يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله ﷺ اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] (الأعراف: ١٣٨)،
_________________
(١) السدرة: شجرة ذات شوك.
[ ٤٠ ]
لتركبن سنن من كان قبلكم»، رواه الترمذي وصححه (١) .
فقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار ونحوها من التبرك بها والعكوف عندها والذبح لها هو الشرك، ولهذا أخبر في الحديث أن طلبهم كطلب بني إسرائيل لما قالوا لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهؤلاء طلبوا سدرة يتبركون بها كما يتبرك المشركون، وأولئك طلبوا إلها كما لهم آلهة، فيكون في كلا الطلبين منافاة للتوحيد؛ لأن التبرك بالشجر نوع من الشرك، واتخاذ إله غير الله شرك واضح.
وفي قوله ﷺ في الحديث: «لتركبن سنن من كان قبلكم» إشارة إلى أن شيئا من ذلك سيقع في أمته ﷺ، وقد قال ذلك ﵊ ناهيا ومحذرا.