المطلب السادس: الشفاعة، تعريفها وأنواعها وأدلتها: الشفاعة في اللغة: الوسيلة والطلب. وفي العرف: سؤال الخير للغير.
والشفاعة عند اللهّ: سؤال الله التجاوز عن الذنوب والآثام للغير.
وحقيقتها أن الله تعالى بلطفه وكرمه يأذن يوم القيامة لبعض الصالحين من خلقه من الملائكة والمرسلين والمؤمنين أن يشفعوا عنده في بعض أصحاب الذنوب من أهل التوحيد إظهارًا لكرامة الشافعين عنده ورحمة بالمشفوع فيهم.
ولا تصح الشفاعة عند الله تعالى إلا بشرطين:
أحدهما: إذن الله تعالى للشافع أن يشفع، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] (البقَرة: ٢٥٥) . وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] (سبأ: ٢٣) .
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٢ / ٢١٣ وقوله (بسم الله) أي مع اسم الله، والترمذي في السنن ٥ / ٢٤-٢٥، برقم (٢٦٣٩) والحاكم في المستدرك ١ / ٦، ٥٢٩ وصححه ووافقه الذهبي.
[ ٢٣٤ ]
الثاني: رضا الله عن المشفوع له أن يشفع فيه، وقد دل على هذا الشرط قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] (الأنبياء: ٢٨) . وقد دلت النصوص أن الله لا يرضى أن يشفع إلا في أهل التوحيد لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (١) . وقال تعالى في الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] (المدثر: ٤٨) .
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الشفاعة عند الله يوم القيامة. أما الكتاب فقد تقدم ذكر بعضها، وأما من السنة فالأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة منها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (. . «فيقول الله ﵎ شفعت الملائكة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط» (٢) .
والأحاديث في إثبات الشفاعة كثيرة جدًّا وقد صرح الأئمة المحققون بتواترها واشتهارها في كتب الصحاح والمسانيد. ففي الصحيحين: «يُخرج من النار من كان في قلبه حبة من خردل من إيمان» (٣) .
_________________
(١) صحيح مسلم برقم (١٩٩) .
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ٣ / ٩٤، وعبد الرزاق في المصنف ١١ / ٤١٠ برقم (٢٠٨٥٧) .
(٣) صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩)، في حديث طويل، وصحيح مسلم برقم (١٨٤) .
[ ٢٣٥ ]
أقسام الشفاعة: والشفاعة تنقسم من حيث القبول والرد إلى قسمين: مردودة وهي ما فقدت أحد شروط الشفاعة السابقة، ومقبولة وهي ما تحققت فيها شروط الشفاعة. وقد ثبت لنبينا محمد ﷺ منها ثمانية أنواع، وهي:
١ - الشفاعة العظمى وهي شفاعته ﷺ في أهل الموقف أن يقضي الله بينهم وهي المقام المحمود وهذه الشفاعة مما اختص بها نبينا ﷺ على غيره من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين.
٢ - شفاعته ﷺ في قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم فيشفع فيهم أن يدخلوا الجنة.
٣ - شفاعته في أقوام استحقوا النار أن لا يدخلوها.
٤ - شفاعته ﷺ رفع درجات أهل الجنة في الجنة.
٥ - شفاعته ﷺ في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب.
٦ - شفاعته ﷺ في تخفيف العذاب عمن كان يستحقه كشفاعته في عمه أبي طالب.
٧ - شفاعته ﷺ في أهل الجنة أن يؤذن لهم بدخول الجنة.
٨ - شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرج منها.
وقد دلت النصوص الصحيحة على هذه الأنواع كلها وهي مبسوطة في مواضعها من كتب السنة والاعتقاد. وهذه الأنواع منها ما هو خاص بالنبي ﷺ كالشفاعة العظمى وشفاعته في عمه أبي طالب وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها ومنها ما يشاركه فيها غيره من الأنبياء والصالحين كالشفاعة في أهل الكبائر وغيرها من الأنواع الأخرى على اختلاف بين أهل العلم في
[ ٢٣٦ ]
اختصاصه ببعضها من عدمه، والله تعالى أعلم.