الفصل الثاني: الإيمان بالكتب المنزلة وفيه تمهيد وأربعة مباحث:
التمهيد في تعريف الوحي لغة وشرعا وبيان أنواعه.
المبحث الأول: حكم الإيمان بالكتب وأدلته.
المبحث الثاني: كيفية الإيمان بالكتب.
المبحث الثالث: بيان أن التوراة والإنجيل وبعض الكتب الأخرى دخلها التحريف وسلامة القرآن من ذلك.
المبحث الرابع: الإيمان بالقرآن وخصائصه.
[ ١٢١ ]
تمهيد في تعريف الوحي لغة وشرعا وبيان أنواعه التعريف اللغوي: الوحي في اللغة: هو الإعلام السريع الخفي.
ويطلق الوحي على: الإشارة، والكتابة، والرسالة، والإلهام. وكل ما ألقيته على غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان وهو لا يختص بالأنبياء ولا بكونه من عند الله تعالى.
والوحي بمعناه اللغوي يتناول:
١ - الإلهام الفطري للإنسان كالوحي لأم موسى. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] (القصص: ٧) .
٢ - الإلهام الغريزي للحيوان كالوحي إلى النحل. قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨] (النحل: ٦٨) .
٣ - الإشارة السريعة على سبيل الرمز والإيحاء، كإيحاء زكريا لقومه. قال تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١] (مريم: ١١) .
٤ - وسوسة الشيطان وتزيين الشر في نفوس أوليائه. قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] (الأنعام: ١٢١) .
٥ - ما يلقيه الله تعالى إلى ملائكته من أمر ليفعلوه. قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢] (الأنفال: ١٢) .
[ ١٢٣ ]
التعريف الشرعي: هو " إعلام الله أنبياءه بما يريد أن يبلغه إليهم من شرع أو كتاب بواسطة أو غير واسطة ".
أنواع الوحي: لتلقي الوحي من الله تعالى طرق بينها الله تعالى بقوله في سورة الشورى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) . فأخبر الله تعالى أن تكليمه ووحيه للبشر يقع على ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى: الوحي المجرد وهو ما يقذفه الله في قلب الموحى إليه مما أراد بحيث لا يشك فيه أنه من الله. ودليله قوله تعالى: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) . ومثال ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك وصححه ووافقه الذهبي وابن ماجه في سننه وغيرهم (١) . وألحق بعض أهل العلم بهذا القسم رؤى الأنبياء في المنام كرؤيا إبراهيم ﵇ على ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢] (الصافات: ١٠٢) . وكرؤى النبي ﷺ في بداية البعثة على ما روى
_________________
(١) موارد الظمآن (١٠٨٤، ١٠٨٥)، والمستدرك (٢ / ٤)، وسنن ابن ماجه (٢١٤٤)، وابن أبي الدنيا في القناعة، والبيهقي في شعب الإيمان (المغني عن حمل الأسفار: ٤١٩، ٨٩٥) والبغوي ج١٤ / ٣٠٤ برقم (٤١١٢) .
[ ١٢٤ ]
الشيخان من حديث عائشة ﵂ قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح» (١) .
المرتبة الثانية: التكليم من وراء حجاب بلا واسطة كما ثبت ذلك لبعض الرسل والأنبياء كتكليم الله تعالى لموسى على ما أخبر الله به في أكثر من موضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] (النساء: ١٦٤) . وقال: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] (الأعراف: ١٤٣) . وكتكليم الله لآدم. قال تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] (البقَرة: ٣٧) . وكتكليم الله تعالى لنبينا محمد ﷺ ليلة الإسراء على ما هو ثابت في السنة. ودليل هذه المرتبة من الآية قوله تعالى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) .
المرتبة الثالثة: الوحي بواسطة الملك. ودليله قوله تعالى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] (الشورى: ٥١) . وهذا كنزول جبريل ﵇ بالوحي من الله على الأنبياء والرسل.
والقرآن كله نزل بهذه الطريقة تكلم الله به، وسمعه جبريل ﵇ من الله ﷿، وبلغه جبريل لمحمد ﷺ. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ - عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤] (الشعراء: ١٩٢- ١٩٤) . وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] (النحل: ١٠٢) .
ولجبريل ﵇ في تبليغه الوحي لنبينا ﷺ ثلاثة أحوال:
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣)، وبنحوه في صحيح مسلم برقم (١٦٠) .
[ ١٢٥ ]
١ - أن يراه الرسول ﷺ على صورته التي خلق عليها ولم يحصل هذا إلا مرتين كما تقدم تقريره في الفصل السابق (١) .
٢ - أن يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس فيذهب عنه وقد وعى الرسول ﷺ ما قال.
٣ - أن يتمثل له جبريل في صورة رجل ويخاطبه بالوحي كما مر في حديث جبريل السابق في سؤاله النبي ﷺ عن مراتب الدين (٢) .
وقد أخبر النبي ﷺ عن الحالتين الأخيرتين في إجابته للحارث بن هشام لما سأل رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: (أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال. وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» (٣) متفق عليه. ومعنى فصم: أي أقلع وانكشف.
_________________
(١) انظر ص١١٣.
(٢) انظر ص١٠٦.
(٣) صحيح البخاري برقم (٢)، ومسلم برقم (٢٣٣٣) .
[ ١٢٦ ]