ثانيا: حقوق النبي ﷺ على أمته: حقوق النبي ﷺ على أمته كثيرة وقد تقدم ذكر بعضها فيما يجب على الأمة من حقوق عامة تجاه الرسل قاطبة. وفيما يلي عرض لبعض حقوقه الخاصة على أمته، وهي: ١- الإيمان المفصل بنبوته ورسالته واعتقاد نسخ رسالته لجميع الرسالات السابقة. ومقتضى ذلك: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما
_________________
(١) أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، سنن الترمذي ٥ / ٥٨٧، برقم (٣٦١٥)، وبنحوه الإمام أحمد في المسند: ٣ / ٢.
(٢) رواه مسلم برقم (٣٨٤) .
[ ١٧٣ ]
نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. وقد دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ [التغابن: ٨] (التغابن: ٨) . وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] (الأعراف: ١٥٨) . وقال ﷿: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] (الحشر: ٧) . وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» (١) .
٢ - وجوب الإيمان بأن الرسول ﷺ بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، فما من خير إلا ودل الأمة عليه ورغبها فيه، وما من شر إلا ونهى الأمة عنه وحذرها منه. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] (المائدة: ٣) . وعن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (. . «وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء، ليلها ونهارها سواء» (٢) . وقد شهد للنبي بالبلاغ أصحابه في أكبر مجمع لهم يوم أن خطبهم في حجة الوداع خطبته البليغة فبين لهم ما أوجب الله عليهم وما حرم عليهم وأوصاهم بكتاب الله إلى أن قال لهم: «وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون» . قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٢٥)، ومسلم برقم (٢٢) .
(٢) سنن ابن ماجه (المقدمة): ١ / ٤، برقم (٥) .
[ ١٧٤ ]
بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: «اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات» (١) . وقال أبو ذر ﵁: (لقد تركنا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علما) (٢) . والآثار في هذا كثيرة عن السلف ﵏.
٣ - محبته ﷺ وتقديم محبته على النفس وسائر الخلق. والمحبة وإن كانت واجبة لعموم الأنبياء والرسل إلا أن لنبينا ﷺ مزيد اختصاص بها ولذا وجب أن تكون محبته مقدمة على محبة الناس كلهم من الأبناء والآباء وسائر الأقارب بل مقدمة على محبة المرء لنفسه. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] (التوبة: ٢٤) . فقرن الله محبة رسوله ﷺ بمحبته ﷿ وتوعد من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله - توعدهم بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] وفي الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: قال النبي ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (٣) . وعن عمر ﵁ أنه قال للنبي ﷺ: يا رسول الله أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال النبي ﷺ: «لا
_________________
(١) أخرجه مسلم من حديث جابر عبد الله في حجة النبي ﷺ، برقم (١٢١٨) .
(٢) أخرجه أحمد في المسند: ٥ / ١٥٣.
(٣) صحيح البخاري برقم (١٥)، ومسلم برقم (٤٤) .
[ ١٧٥ ]
والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك» . فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي ﷺ: «الآن يا عمر» (١) .
٤ - تعظيم النبي ﷺ وتوقيره وإجلاله. فإن هذا من حقوق النبي ﷺ التي أوجبها الله في كتابه. قال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] (الفتح: ٩) . وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] (الأعراف: ١٥٧) . قال ابن عباس: " تعزروه: تجلوه. وتوقروه: تعظموه ". وقال قتادة: " تعزروه: تنصروه. وتوقروه: أمر الله بتسويده ". وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] (الحجرات: ١) . وقال ﷿: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (النور: ٦٣) . قال مجاهد: " أمرهم أن يدعوه يا رسول الله في لين وتواضع ولا يقولوا يا محمد في تجهم ". وقد ضرب أصحاب النبي ﷺ أروع الأمثال في تعظيم النبي ﷺ. قال أسامة بن شريك: " أتيت النبي ﷺ وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير ". وتعظيم النبي ﷺ واجب بعد موته كتعظيمه في حياته. قال القاضي عياض: " واعلم أن حرمة النبي ﷺ بعد موته، وتوقيره وتعظيمه، لازم كما كان حال حياته، وذلك عند ذكره ﷺ، وذكر حديثه وسنته، وسماع اسمه وسيرته، ومعاملة آله وعترته، وتعظيم أهل بيته وصحابته ".
_________________
(١) رواه البخاري من حديث عبد الله بن هشام برقم (٦٦٣٢) .
[ ١٧٦ ]
٥ - والصلاة والتسليم على النبي ﷺ والإكثار من ذلك كما أمر الله بذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] (الأحزاب: ٥٦) . قال المبرد: " أصل الصلاة: الترحم. فهي من الله رحمة. ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله ". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا» (١) . وعن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «البخيل الذي من ذكرت عنده فلم يصل علي» (٢) . والصلاة والسلام وإن كانت مشروعة في حق الأنبياء كلهم كما تقدم فهي متأكدة في حق نبينا ﷺ ومن أعظم حقوقه على أمته وهي واجبة عليهم ولذا ذكرناها هنا من جملة حقوقه الخاصة على أمته. وقد صرح العلماء بوجوب الصلاة على النبي ﷺ ونقل بعضهم الإجماع على ذلك. قال القاضي عياض: " اعلم أن الصلاة على النبي ﷺ فرض على الجملة، غير محدد بوقت لأمر الله تعالى بالصلاة عليه، وحمله الأئمة والعلماء على الوجوب وأجمعوا عليه ".
٦ - الإقرار له بما ثبت في حقه من المناقب الجليلة والخصائص السامية والدرجات العالية الرفيعة على ما تقدم بيان بعضها في أول هذا المبحث وغير ذلك مما دلت عليه النصوص. والتصديق بكل ذلك والثناء عليه به ونشره في الناس، وتعليمه للصغار وتنشئتهم على محبته وتعظيمه ومعرفة قدره الجليل عند ربه ﷿.
_________________
(١) رواه مسلم برقم (٣٨٤) .
(٢) رواه الترمذي ٥ / ٥٥١ رقم (٣٥٤٦) وقال حديث حسن صحيح وأحمد في المسند: ١ / ٢٠١.
[ ١٧٧ ]
٧ - تجنب الغلو فيه والحذر من ذلك فإن في ذلك أعظم الأذية له ﷺ. قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يخاطب الأمة بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] (الكهف: ١١٠) . وبقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠] (الأنعام: ٥٠) .
فأمر اللهّ نبيه ﷺ أن يقرر للأمة أنه مرسل من الله ليس له من مقام الربوبية شيء وليس هو بمَلَك إنما يتبع أمر ربه ووحيه. كما حذر النبي ﷺ أمته من الغلو فيه والتجاوز في إطرائه ومدحه. ففي صحيح البخاري من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» (١) . والإطراء: هو المدح بالباطل ومجاوزة الحد في المدح ذكره ابن الأثير. وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فراجعه في بعض الكلام فقال: ما شاء الله وشئت! فقال رسول الله ﷺ: «أجعلتني لله ندًّا بل ما شاء الله وحده» (٢) . فحذر النبي ﷺ من الغلو فيه وإنزاله فوق منزلته، مما يختص به الرب ﷿. وفي هذا تنبيه إلى غير ما ذكر من أنواع الغلو فإن الغلو في النبي ﷺ محرم بشتى صوره وأشكاله.
ومن صور الغلو في النبي ﷺ التي تصل إلى حدّ الشرك، التوجه له بالدعاء فيقول القائل: يا رسول الله افعل لي كذا وكذا. فإن هذا دعاء والدعاء عبادة
_________________
(١) صحيح البخاري برقم (٣٤٤٥)، وبنحوه الإمام أحمد في المسند: ١ / ٢٣.
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند: ١ / ٢١٤، وبنحوه ابن ماجه في السنن برقم (٢١١٧) .
[ ١٧٨ ]
لا يصح صرفها لغير الله. ومن صور الغلو فيه ﷺ الذبح له أو النذر له أو الطواف بقبره أو استقبال قبره بصلاة أو عبادة فكل هذا محرم لأنه عبادة وقد نهى الله عن صرف شيء من أنواع العبادة لأحد من المخلوقين فقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (الأنعام: ١٦٢، ١٦٣) .
٨ - ومن حقوق النبي ﷺ محبة أصحابه وأهل بيته وأزواجه وموالاتهم جميعًا والحذر من تنقصهم أو سبهم أو الطعن فيهم بشيء فإن الله قد أوجب على هذه الأمة موالاة أصحاب نبيه وندب من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم وسؤال الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم. فقال بعد أن ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (الحشر: ١٠) . وقال تعالى في حق قرابة رسوله ﷺ وأهل بيته: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] (الشورى: ٢٣) . جاء في تفسير الآية: " قل لمن اتبعك من المؤمنين لا أسألكم على ما جئتكم به أجرًا إلا أن تودوا قرابتي ". وأخرج مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قام خطيبًا في الناس فقال: «أما بعد ألا أيها الناس. فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب فيه الهدى والنور. فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» . فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في
[ ١٧٩ ]
أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (١) . فأمر النبي ﷺ بالإحسان إلى أهل بيته وأن يعرف لهم قدرهم وحقهم، لقربهم منه وشرفهم. كما أوصى النبي ﷺ بأصحابه خيرًا ونهى عن سبّهم وتنقصهم فعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (٢) أخرجه الشيخان. وقد كان من أعظم أصول أهل السنة التي اجتمعت عليه كلمتهم محبة أصحاب رسول الله ﷺ وقرابته وأزواجه وما كانوا يعدون الطعن فيهم إلا علامة الزيغ والضلال. قال أبو زرعة: " إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله فاعلم أنه زنديق ". وقال الإمام أحمد: " إذا رأيت رجلًا يذكر أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ (أي بسوء) فاتهمه على الإسلام ".
فهذه بعض حقوق النبي ﷺ على أمته على سبيل الإيجاز والاختصار والله تعالى الهادي لنا ولإخواننا على تأديتها والعمل بها.