باب تحريضه ﷺ على لزوم السنة والترغيب في ذلك، وترك البدع والتفرق والاختلاف والتحذير من ذلك
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ٢.
وعن العرباض بن سارية ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال: قائل يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فما تعهده إلينا؟ فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن كان عبدا حبشيا؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ٣ رواه أبو داود والترمذي وصححه. وابن ماجه وفي رواية له٤:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية: ٢١. ٢ سورة الشورى آية: ١٣. ٣ أبو داود: السنة (٤٦٠٧)، والدارمي: المقدمة (٩٥) . ٤ لفظه (له) في المخطوطتين.
[ ٢٦٢ ]
"تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك. من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا" ١ ثم ذكره بمعناه.
ولمسلم عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أما بعد، فخير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " ٢ وللبخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "كل أمتي يدخلون الجنة إلا مَن أَبَى. قيل: ومن أبى؟ قال: مَن أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبَى" ٣. ولهما عن أنس ﵁ قال: "جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ. فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أ، بدا وقال الآخر: أنا أصوم النهار أبدا ٤ ولا أفطر، وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء النبي ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" ٥ رواه مسلم.
وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به" رواه
_________________
(١) ١ الترمذي: العلم (٢٦٧٦)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٧)، وابن ماجه: المقدمة (٤٤)، وأحمد (٤/١٢٦)، والدارمي: المقدمة (٩٥) . ٢ مسلم: الجمعة (٨٦٧)، والنسائي: صلاة العيدين (١٥٧٨)، وابن ماجه: المقدمة (٤٥)، والدارمي: المقدمة (٢٠٦) . ٣ البخاري: الاعتصام بالكتاب والسنة (٧٢٨٠)، وأحمد (٢/٣٦١) . ٤ لفظ (أبدا) من مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي. ٥ مسلم: الإيمان (١٤٥)، وابن ماجه: الفتن (٣٩٨٦)، وأحمد (٢/٣٨٩) .
[ ٢٦٣ ]
البغوي في شرح السنة وصححه النووي. وعنه أيضا قال: قال رسول الله ﷺ: "ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال ما أنا عليه وأصحابي" ١ ٢. رواه التّرمذي. ولمسلم عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا"٣. وله عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: إنه أبدع ٤ بي فاحملني. فقال: ما عندي. فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله. فقال رسول الله ﷺ: مَن دل على خير فله مثل أجر فاعله" ٥.
وعن عمرو بن عوف ﵁ مرفوعا: "من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجور من عمل بها، لا ينقص من أجور الناس شيئا. ومن ابتدع بدعة لا يرضي بها الله ورسوله فإن عليه أثم من عمل بها من الناس، لا ينقص من آثام الناس شيئا" ٦. رواه الترمذي وحسنه، وابن ماجه وهذا لفظه.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، وتؤخذ سنة يجري الناس عليها فإذا غير منها
_________________
(١) ١ الترمذي: الإيمان (٢٦٤١) . ٢ نسبة الحديث إلى الترمذي في المخطوطتين، وهو الصواب. ٣ مسلم: العلم (٢٦٧٤)، والترمذي: العلم (٢٦٧٤)، وأبو داود: السنة (٤٦٠٩)، وأحمد (٢/٣٩٧)، والدارمي: المقدمة (٥١٣) . ٤ أبدع بي أي انقطع بي لكلال راحلتي يقال أبدع وأبدع به: كلت راحلته أو عطبت وبقي منقطعا. انظر لسان العرب مادة بدع. ٥ مسلم: الإمارة (١٨٩٣)، والترمذي: العلم (٢٦٧١)، وأبو داود: الأدب (٥١٢٩)، وأحمد (٤/١٢٠،٥/٢٧٢) . ٦ الترمذي: العلم (٢٦٧٧)، وابن ماجه: المقدمة (٢١٠) .
[ ٢٦٤ ]
شيء قيل غيرت السنة: قيل: متى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال إذا كثر قراؤكم، وقل فقهاؤكم، وكثرت أموالكم، وقل أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين" رواه الدارمي.
وعن زياد بن حُدَيْر قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين" رواه الدارمي.
وعن حذيفة قال: "كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها، فإن الأول لم يدع للآخر مقالا. فاتقوا الله يا معشر القراء، وخذوا ممن كان قبلكم" رواه أبو داود.
وعن ابن مسعود ﵁ قال: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا. اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، ولإقامة دينه. فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم " رواه رزين.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "سمع النبي ﷺ قوما يتدارؤون في القرآن. فقال: إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض. وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضا، فلا تكذبوا بعضه ببعض؛ فما علمتم منه فقولوه، وما جهلتم فكلوه إلى عالمه " ١ رواه أحمد وابن ماجه.
_________________
(١) ١ أحمد (٢/١٨٥) .
[ ٢٦٥ ]