القاعدة الرابعة أن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة، ومشركوا زماننا شركهم دائمًا في الرخاء والشدة والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] (٢) .
[لذا نرى كثيرًا ممن يعبدون الأولياء وأضرحة المشايخ والسادة يخلصون في الشرك بدعائهم والاستغاثة بهم في
_________________
(١) الحديث أخرجه الترمذي وصححه، وقوله حدثاء عهد بكفر " أي قريب عهدهم بالكفر والخروج منه والدخول في دين الإسلام، فلم يتمكن الإسلام من قلوبهم، وقوله ينوطون أي يعلقون بها أسلحتهم تبركًا بها وتعظيمًا لها، وقوله " ذات أنواط " هو جمع نوط مصدر سمي به المنوط، أي المعلق، ظنوا أن هذا الأمر محبوب عند الله فقصدوا التقرب به إليه سبحانه وإلا فهم أجل قدرًا من أن يقصدوا مخالفة النبي ﷺ، وباقي الحديث مع شرحه لنا مذكور في كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، فارجع إليه فإنك تجد ما يسرك، والله أعلم. وعلقه الشيخ محمد منير الدمشقي.
(٢) سورة العنكبوت آية: ٦٥.
[ ٣٤ ]
حال الشدة والرخاء، بل ربما أن بعضهم ليزداد في الشرك كلما اشتد بهم البلاء، بخلاف المشركين الأولين فإنهم كانوا يشركون بالله في حال الرخاء والسرور، وفي حال الشدة كانوا يخلصون الدعاء والتضرع إلى الله نطق بذلك القرآن الكريم، ومشركو زماننا شركهم في الرخاء والشدة دائم يدعون الأولياء ويستغيثون بهم في كل وقت، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. ويقول ﷿ ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨] (١) ويقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] (٢) ويقول: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٣ - ١٤]
_________________
(١) سورة الزمر آية: ٣٨.
(٢) سورة النمل آية: ٦٢.
[ ٣٥ ]
(١) ويقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ - وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٥ - ٦] (٢) .
والله الموفق وهو الهادي إلى الصراط المستقيم ولا حول ولا قوة إلا بالله (٣)
_________________
(١) سورة فاطر آية: ١٣ - ١٤.
(٢) سورة الأحقاف آية: ٥ - ٦.
(٣) من زيادة الناشر السابق.
[ ٣٦ ]