الإيمان في اللغة:
مادة أَمِنَ معناها في اللغة وثِق واطمأنَّ، والأمانة الوثوق ١.
قال أبو زيد: "ما أمنت أن أجد صاحبَه أي ما وثِقْت" ٢.
أما معنى الإيمان: فهو التصديق مع الانقياد. وهو تارة يتعدّى بالباء وتارة باللام. فمن الأول يقال: آمن به قوم٣ وكذّب به قومٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ "سورة البقرة: الآية٣".
أي يصدقون بأخبار الله عن الجنة والنار ٤.
ومن الثاني قوله تعالى حكاية عن اليهود: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ "سورة آل عمران: الآية٧٣".
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط ١/١٨٢؛ والمعجم الوسيط ١/٢٨. ٢ كتاب الأفعال للمعافر ي ١/٧٦؛ واللسان ١٣/٢١. ٣ مفردات القرآن ص٢٥. ٤ انظر مادة أمن في الصحاح ٥/٢٠٧١؛ ومجمل اللغة ١/١٠٢؛ والقاموس المحيط ٤/١٩٧؛ ولسان العرب ١٣/٢١؛ وكتاب الأفعال للمعافري ١/٧٥.
[ ٣٥٣ ]
أي لا تقروا ولا تصدقوا ١.
ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ "سورة يوسف: الآية١٧".
أي بمصدق لنا ٢.
والفرق بينهما أن المتعدي بالباء هو تصديق المخبر به والمعتدي باللام هو تصديق المُخْبِر ٣.
قال الحليمي: "فمن الناس من قال: آمنت به وآمنت له لغتان يعبَّر بهما عن معنى واحد. والصحيح ما خالف هذا وهو قولهم آمنت به: يراد إثباته وتحقيقه والتصديق بكونه ووجوده، وقوله آمنت له: إنما يراد اتباعه وموافقته والإيمان له القبول عنه والطاعة له" ٤.
الإيمان عند أبي حنيفة:
أما معنى الإيمان عند الإمام أبي حنيفة فهو إقرار باللسان وتصديق بالجَنان ٥، والأعمال ليست داخلة فيه. قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: "والإيمان هو الإقرار والتصديق" ٦.
وقال في كتابه الوصية: "الإيمان إقرار باللسان وتصديق بالجنان، والإقرار وحده لا يكون إيمانا" ٧.
_________________
(١) ١ انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/٩٧؛ ومعاني القرآن للفراء ١/٢٢٢. ٢ تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص٢١٣؛ ومعجم مقاييس اللغة ١/١٢٥. ٣ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٨-٢٩٢. ٤ المنهاج في شعب الإيمان ١/٢١. ٥ الفصل ٢/١١١؛ التمهيد ٩/٢٣٨. ٦ الفقه الأكبر ص٣٠٤. ٧ كتاب الوصية مع شرحها ص٢.
[ ٣٥٤ ]
وقرَّر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "والإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجَنان" ١.
أدلة الإمام أبي حنيفة:
استدل الإمام أبي حنيفة على مذهبه بما يلي:
أولا: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن، ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان ٢.
ثانيا: أن النبي ﷺ دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق٣.
ثالثا: أن المضيِّع للعمل ليس مضيِّعا للتصديق؛ فلو كان المضيِّع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان بتضييعه للعمل ٤.
رابعا: أن الهدى في التصديق ليس كالهدى في الأعمال، قال الإمام أبو حنيفة: "إن الهدى في التصديق بالله ورسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال" ٥.
هذا ما استدل به الإمام أبو حنيفة. أما أصحابه فاستدلوا بما هو آت:
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٤٢. ٢ كتاب الوصية مع شرحها ص٦. ٣ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥. ٤ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥. ٥ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.
[ ٣٥٥ ]
أولا: أن الإيمان في اللغة التصديق؛ وعمدتهم في ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ "سورة يوسف: الآية١٧".
قال النسفي: "الإيمان معروف أنه عند أهل اللسان التصديق لا غير" ١.
وحكى الباقلاني الإجماع عليه فقال: "فإن قال وما الدليل على ما قلتم؟ قيل: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي ﷺ هو التصديق" ٢.
ثانيا: أن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من كتابه قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ "سورة العصر: الآية٣".
والعطف يقتضي المغايرة.
قال النسفي: "يدل عليه أن الله تعالى فرَّق بين الإيمان وبين كل عبادة بالاسم المعطوف عليه ما فرَّق بين العبادات بالأسماء المعطوفة المفعولة لها، على ما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ "سورة التوبة: الآية١٨".
فقد عطف إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة على الإيمان، ولا شك في ثبوت المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه"٣.
_________________
(١) ١ تبصرة الأدلة "ق-٣٤٦/أ"، وانظر التمهيد ص٩٩، ١٠٠، وانظر كتاب التوحيد للماتريدي ص٣٧٣-٣٧٧؛ والعمدة لحافظ الدين النسفي ١٧/أ؛ والبداية للصابوني ص١٥٢؛ وشرح العقائد النسفية ص١١٩-١٢٣؛ وشرح المقاصد ٥/٢١٧٦ كلاهما للتفتازاني، وانظر الطوائع ص٣٧٣، ٣٧٤. ٢ التمهيد للباقلاني ص٣٤٦، ٣٤٧.. ٣ التمهيد للنسفي ص٩٩-١٠٠؛ وتبصرة الأدلة "ص٣٣٦/أ-ب"؛ وشرح العقائد النسفية ص١٢٣-١٢٤.
[ ٣٥٦ ]
ثالثا: قول النسفي: "ويدل عليه لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل الزوال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك" ١.
رابعا: أن الله تعالى خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب الأعمال على ما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ "سورة البقرة: الآية١٨٣"٢.
خامسا: أن الله تعالى قال في الكفرة: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ "سورة الأنفال: الآية٣٨".
والانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان، ولو كانت الأعمال كلها إيمانا، لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات، وإذا ثبت الانتهاء بالتصديق وحصلت له المغفرة عما سلف دل أنه هو الإيمان" ٣.
سادسا: أن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٠٠".
"ثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، والكفر هو الذي به ترك الإيمان" ٤.
سابعا: لو قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة ٥.
_________________
(١) ١ بحر الكلام ص٣٩. ٢ تبصرة الأدلة "ق-٣٧٥/أ". ٣ تبصرة الأدلة "ق-٣٧٥/أ". ٤ تبصرة الأدلة "ق-٣٧٥/أ". ٥ تبصرة الأدلة "ق-٣٧٥/أ" بتصرف.
[ ٣٥٧ ]
ثامنا: أن النبي ﷺ لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق حيث قال: " أن تؤمن بالله وملائكته ولم يذكر فيه إلا التصديق ثم قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم " ١.
ولو كان الإيمان اسما لما وراء التصديق، لكان أتى ليلبس عليهم أمر دينهم، لا ليعلِّمهم وكان النبي ﷺ قصَّر في الجواب ٢.
تاسعا: إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود يصدِّقه أن الله تعالى قابل الكفر بالإيمان فقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٦".
ثم المراد منها التكذيب والتصديق فدلّ أن الإيمان ذلك ٣ يعني: أن الإيمان هو التصديق.
الجواب عن أدلة أبي حنيفة وأصحابه
"أ" الجواب عن أدلة أبي حنيفة:
أولا: قول أبي حنيفة: أنه في كثير من الأوقات يرتفع العمل عن المؤمن ولا يجوز أن يقال ارتفع عنه الإيمان.
هذا القول فيه نظر، إذ العمل لا يرتفع عن المؤمن كليّةً، بل قد يرتفع
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل للنبي ﷺ عن الإيمان ١/١١٤ ح٥٠ من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة. ٢ تبصرة الأدلة ق: ٣٣٦، ٣٣٧. ٣ تبصرة الأدلة ق-٣٦٦/أ.
[ ٣٥٨ ]
عمل دون عمل، وكون الحائض يرتفع عنها عمل الصلاة والصوم، ليس معناه أن جميع الأعمال التي قد كلفت بها قد ارتفعت، ثم يقول القائل: إن إيمانها قد ارتفع. كلا فإن الحائض لم تترك الصلاة ولم تترك العمل إلا استجابة لأمر الله، وهذا في حد ذاته عمل منها؛ لأن الأعمال تنقسم إلى قسمين: عملٌ تركي، وعمل مأتيٌّ. فكون الحائض قد تركت الصلاة استجابة لأمر الله فالعمل ما زال قائما في حقها، ثم إن المرأة إذا حاضت لا يرتفع عنها جميع الأعمال التي كلفت بها، بل جميع الأعمال التكليفية تؤديها كما كانت تؤديها إبَّان طهرها، إذًا العمل في حقها ما فتِئ مستمرّا لم يرتفع بحيضها ولا بطهرها.
وأيضا يقال: إن الصلاة سماها الله إيمانا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ "سورة البقرة: الآية١٤٣".
وهي من أعظم شعب الإيمان، والإيمان شعب كما قال النبي ﷺ: " الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" ١.
إذًا فقد رُفع عن الحائض بعض شعب الإيمان بحكم الشرع، ومع ذلك فهو نقص في دينها كما قال النبي ﷺ: "ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لبٍّ منكن" قالت: يا رسول الله وما نقصان العقل والدين؟ قال: "أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل فهذا نقصان العقل وتمكث الليالي ما تصلي وتفطر في رمضان فهذا نقصان الدين" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أمور الإيمان ١/٥١ ح٩ من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. ٢ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بنقص الطاعات ١/٨٦-٨١٠ ج١٣٢ من طريق عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر.
[ ٣٥٩ ]
ثانيا: قول أبي حنيفة: "إن النبي ﷺ دعا الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء به من الله تعالى، وكان الداخل في الإسلام مؤمنا بريئا من الشرك ثم نزلت الفرائض بعد ذلك على أهل التصديق" ١.
جوابه من ثلاثة أوجهٍ:
١- أنه فرضت قبل فرض الصلاة والزكاة والصوم أعمال شرعية غير الشهادتين؛ كالصدق وإيفاء الوعد وتجنُّب الحرام كارتكاب الزنى وأكل مال اليتيم وغير ذلك.
٢- إن الشهادتين مقتضاهما العمل، والعمل هو ترك عبادة ما سوى الله وإفراده وحده بالعبادة لأنه الإله الحق المحبوب المطاع الذي يستحق أن يعبد وحده فلا يعصى، ويخصّ بنهاية الحب والخضوع والذل، وأما ما عداه مما عبده الناس فآلهة زائفة باطلة صنعتها الجهالة والأوهام فيجب البراءة منها، وممن عبدها من دون الله تعالى.
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ "سورة الممتحنة: الآية٤".
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ "سورة الزخرف: الآيتان ٢٦-٢٧".
فإخلاص العبادة لله تعالى والكفر بالطواغيت والبراءة منها وممن عبدها من أعظم الأعمال، بل هذا أعظم من الفرائض العملية الظاهرة، بل التصديق بدون هذا غير معتدٍّ به.
_________________
(١) ١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.
[ ٣٦٠ ]
٣- إن رسول الله ﷺ كما دعا إلى الإقرار به وبما جاء به، دعا إلى اتباعه، والتزام طاعته؛ لأن الإقرار وحده بدون التزام متابعة الرسول ﷺ وطاعته لا يحصل به الدخول في الإسلام ولا ينجو به من العذاب، فصحّ أن العمل من مقوِّمات الإيمان وأنه لا إيمان بدون جنس العمل.
ثالثا - قول الإمام أبي حنيفة: "فلم يكن المضيع للعمل مضيعا للتصديق، وقد أصاب التصديق بغير عمل، ولو كان المضيِّع للعمل مضيعا للتصديق لانتقل من اسم الإيمان وحرمته لتضييعه العمل"١.
جوابه من وجهين:
١- أن يقال: إن أراد تضييع العمل مطلقا فقد تقدّم أن التصديق المجرَّد لا يحصل به الإيمان فلا ينفع التصديق إذًا مع تضييع العمل مطلقا، فإن من الأعمال ما يزول الإيمان بزواله مثل محبة الله ورسوله وبغض الشرك وأهله والبراءة منه وكذلك الصلاة يزول الإيمان بتركها عند كثير من المحققين من أهل العلم" ٢.
وإن أراد عملا دون عمل؛ فمعلوم أنه لا يرتفع عنه أصل الإيمان بتضييع أي عمل وليس من شرط وجود الإيمان ألا يرتكب معصية.
٢- أن المسلم لا يتصوّر منه أن يترك العمل مطلقا بل لا بد أن يعمل شيئا من الأعمال الظاهرة كالإحسان والصدق والبر وصلة الأرحام، فإذا فُرض أن شخصا لا يعمل مطلقا أي عمل كان فهذا ليس بمصدِّقٍ
_________________
(١) ١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥. ٢ كأحمد بن حنبل والأوزاعي وسفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم، انظر اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٧٦؛ وكتاب الصلاة لابن القيم ص١٦-٢٠.
[ ٣٦١ ]
تصديقا يدخله في عداد المؤمنين، بل يكون في الحقيقة من المكذبين كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ "سورة آل عمران: الآية٣٣".
رابعا: قول أبي حنيفة: قال الإمام أبو حنيفة: "إن الهدى في التصديق بالله وبرسوله ليس كالهدى في ما افترض من الأعمال" ١.
جوابه: أن التصديق له أثر والأعمال لها أثر؛ فالتصديق والأعمال جزءان من الإيمان المركب منهما والإقرار والهدى الناتج من التصديق المجرّد ليس كالهدى الناتج من التصديق والإقرار والأعمال، فإن الهدى الأول ضعيف والثاني أقوى منه.
ويقال أيضا: إن التصديق المجرد عن عمل القلب ليس فيه هدى بدليل أنه حاصل من بعض الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ "سورة آل عمران: الآية٣٣".
وإنما الهدى في التصديق المقرون بعمل القلب، من حب الله ورسوله وحب ما جاء به من الدين والانقياد لذلك وبُغْض الدين الذي يخالفه. ولا ريب أن الهدى في اعتقاد القلب وعمله أعظم من الهدى في عمل الجوارح بل هو أصله إذ لا يلزم من الاشتراك في التسمية في الاسم اتِّحاد المرتبة، وهذا لا ينفي أن يكون كلٌّ منهما عن اعتقاد القلب وعمله مع عمل الجوارح من الإيمان.
_________________
(١) ١ رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ص٣٥.
[ ٣٦٢ ]
"ب " الجواب عن أدلة أصحاب الإمام أبي حنيفة:
الدليل الأول:
قولهم: إن الإيمان في اللغة التصديق، ثم حكوا الإجماع عليه فالجواب عليه من وجوه:
١- دعوى أن الإيمان مرادف للتصديق ممنوع لما يأتي:
"أ" أنه يقال للمخبر إذا صدق: صدقت ولا يقال آمنت ١.
"ب" أن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا قيل له: صدق كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر الغائب٢.
"ج" أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه ٣.
"د" وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ "سورة يوسف: الآية١٧".
فليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة هذا المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر ٤.
٢- لو سلمنا جدلا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فالألفاظ
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٠ بتصرف. ٢ مجموع الفتاوى ٧/٢٩١. ٣ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٢ بتصرف. ٤ مجموع الفتاوى ٧/١٢٦ بتصرف.
[ ٣٦٣ ]
الشرعية الواردة في الكتاب والسنة كالإيمان والإسلام والصلاة والزكاة والحج وغيرها ليست على معانيها اللغوية المطلقة، بل زاد فيها الشرع قيودا لا تخرج بها هذه الأسماء عن معناها في اللغة، فمثلا الصلاة في اللغة الدعاء لكن في الشرع عبارة عن الأفعال والأقوال المخصوصة في أوقات مخصوصة بشروط مخصوصة؛ وإن كانت مشتملة على الدعاء. فهكذا الإيمان الشرعي مشتمل على التصديق بالجنان والعمل بالأركان والإقرار باللسان. ولا شك أن بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي مناسبة بالعموم والخصوص، لأن المعنى الشرعي أخص من المعنى اللغوي، ومعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول ﷺ، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة ١.
٣- أن دعوى الإجماع على كون الإيمان في اللغة التصديق ممنوعة وذلك لما يأتي:
"أ" نعم نقل الإجماع الباقلاني في كتابه التمهيد ص١٠٠، لكن من سلفه في هذا؟ وكيف يعلم هذا الإجماع٢؟.
"ب" إن كان يعني بالإجماع إجماع أهل اللغة فهل مراده نقلتها كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم أو مراده المتكلمون بهذا اللفظ؟.
فإن عنى الأول فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/١٢٧ بتصرف. ٢ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣ بتصرف.
[ ٣٦٤ ]
العرب، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان فضلا عن أن يكونوا أجمعوا عليه. وإن عنى المتكلمين بهذا اللفظ قبل الإسلام؛ فهؤلاء لم نشهدهم ولا نقل لنا أحد عنهم ذلك ١.
"ج" أنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم وإن قدِّر أنه قاله واحد أو اثنان فليس هذا إجماعا ٢.
"د" أن يقال: هؤلاء لا ينقلون عن العرب أنهم قالوا: معنى هذا اللفظ كذا وكذا، وإنما ينقلون الكلام المسموع من العرب، وأنه يفهم منه كذا وكذا، وحينئذ، فلو قدِّر أنهم نقلوا كلاما عن العرب يفهم أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي ﷺ. وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى ولم يرده؛ فظن هؤلاء ذلك فيما نقلوه عن العرب أولى ٣.
"هـ" أنه لو قدِّر أنهم قالوا هذا؛ فهم آحاد لا يثبت بنقلهم التواتر، والتواتر من شرطه استواء الطرفين والواسطة، وأين التواتر الموجود عن العرب قاطبة قبل نزول القرآن في أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق٤.
"و" أنه لم يذكر شاهدا من كلام العرب على ما ادعاه عليهم ٥.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣ بتصرف. ٢ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣. ٣ مجموع الفتاوى ٧/١٢٣، ١٢٤. ٤ مجموع الفتاوى ٧/١٢٤. ٥ مجموع الفتاوى ٧/١٢٥.
[ ٣٦٥ ]
الدليل الثاني:
قولهم: "إن الله فرق بين الإيمان والعمل في غير موضع من القرآن الكريم ".
الجواب عليه:
التشبث بالمغايرة في جعل الإيمان تصديقا وجعل الأعمال خارجة عنه باطل، لأن العطف يقتضي مغايرة ما، لا كلَّ المغايرة، فيكفي في العطف بين شيئين نوع من المغايرة، كالمغايرة بين الكل والجزء، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، فيجوز عطف الأعمال على الإيمان، لأن الإيمان كلٌّ والأعمال جزء منه فتتحقق المغايرة، فكيف يستدلون بالعطف على إخراج الأعمال من الإيمان، والعطف لا يقتضي ذلك فيكون تشبثهم بالعطف في غير محله ولا يتم لهم المقصود، وبمثل ما ذكرت أجاب أئمة السنة أمثال أبي يعلى وشيخ الإسلام وغيرهما وحاصل ما قالوه: أن الله عطف الأعمال الصالحة والعطف يقتضي المغايرة، فيقال لهم هذا غير صحيح فإن الله عطفها على الإيمان من باب عطف الخاص على العام كقوله ﵎: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ "سورة البقرة: الآية٢٣٨".
ومن المعلوم قطعا أن جبريل وميكال من جنس الملائكة، ولو كان العطف يقتضي المغايرة كما قالوا لكان جبريل وميكال من جنس آخر، وهذا لم يقل به أحد من السلف، إلى غير ذلك من الأمثلة التي تناقض ذلك فمن ذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ "سورة البقرة: الآية٢٣٨".
ومن المعلوم أن الصلاة الوسطى من جنس باقي الصلوات، فلو كان العطف يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه لكانت الصلاة
[ ٣٦٦ ]
الوسطى غير باقي الصلوات، وهذا خلاف المعروف والمعلوم ١.
وقال ابن أبي العز الحنفي: "والمغايرة على مراتب: أعلاها أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر ولا جزءه ولا بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ "سورة الأنعام: الآية١".
﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالأِنْجِيلَ﴾ "سورة آل عمران: الآية٣".
هذا هو الغالب.
ويليه: أن يكون بينهما تلازم كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ "سورة البقرة: الآية٤٢".
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ "سورة المائدة: الآية٩٢".
الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ "سورة البقرة: الآية٢٣٨".
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ "سورة البقرة: الآية٩٨".
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ﴾ "سورة الأحزاب: الآية٧".
وفي مثل هذا وجهان:
أحدهما: أن يكون داخلا في الأول فيكون مذكورا مرتين.
والثاني: أن عطفه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا، وإن كان داخلا فيه
_________________
(١) ١ راجع مسائل الإيمان لأبي يعلى ص٢٤١، ٢٤٢؛ ومجموع الفتاوى ٧/١٧٩-١٧٨؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص٣٧٨-٣٨٠
[ ٣٦٧ ]
منفردا كما قيل مثل ذلك في لفظ الفقراء والمساكين ونحوه مما تتنوع بالإفراد والاقتران.
الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ "سورة غافر: الآية٣".
وقد جاء في الشعر العطف لاختلاف اللفظ فقط كقوله:
فألفى قولها كذبا ومينا١"٢.
فأنت ترى أن الكذب والمَيْنَ شيء واحد. ولكن جاز العطف لأجل الاختلاف في اللفظ.
والحاصل أن عطف الأعمال على الإيمان في بعض النصوص لا يدل على خروج الأعمال عن حقيقة الإيمان ومسماه، فتشبث هؤلاء بشبهة العطف لا يفيدهم إخراج الأعمال عن مسمى الإيمان وحقيقته.
الدليل الثالث:
قول النسفي: "لو أن رجلا آمن بالله ورسوله ضحوة ومات قبل الزوال يكون من أهل الجنة، ولو كان العمل من الإيمان لا يكون من أهل الجنة؛ لأنه لم يوجد منه ذلك".
قلت: هذا لا يدل على كون الإيمان هو التصديق فقط لأن الله لا يكلف نفس إلا وسعها فمن صدق بالقلب ولم يجد فرصة للإقرار بأن كان أبكم مثلا فهو مؤمن، وكذا لو صدق وأقر ومات على الفور فهو مؤمن
_________________
(١) ١ هذا البيت لعدي بن زيد العُبادي، انظر الصحاح ٦/٢٢١٠، وصدره: فقدّمت الأديم لراهشيه، انظر طبقات فحول الشعراء لابن سلام ص١٤٠. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٨٤، ٤٨٥. وانظر مجموع الفتاوى ٧/١٧٢-١٧٨.
[ ٣٦٨ ]
لأنه التزم شرائع الإيمان وعزم على العمل بالأركان فهذا العزم يعتبر في حقه كأنه عمل بالأركان، غير أنه لم يجد فرصة. فمثل هذا كيف يكون حجة بأن الإيمان هو التصديق فقط وهذا ظاهر لمن وفقه الله للهداية.
الدليل الرابع:
قول بعضهم: "إن الله خاطب المؤمنين باسم الإيمان، ثم أوجب عليهم الأعمال". أجاب عن هذا الإشكال شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وبهذا يظهر الجواب عن قولهم: "خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال". فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا قبل أن تجب تلك الأعمال فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين ولهذا قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ "سورة آل عمران: الآية٩٧".
ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس، فكان قبل فرضه لا يدخل في الإيمان والإسلام، فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد "١.
الدليل الخامس:
قولهم: إن الله تعالى قال في الكفرة: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ "سورة الأنفال: الآية٣٨".
والانتهاء عن الكفر يكون بالإيمان ولو كانت الأعمال كلها إيمانا
_________________
(١) ١ كتاب الإيمان ط المكتب الإسلامي ص١٨٥-١٨٦ ط/ الثالثة وضمن مجموع الفتاوى ٧/١٩٦-١٩٧.
[ ٣٦٩ ]
لم يكن المنتهي عن الكفر منتهيا عنه ما لم يأت بجميع الطاعات
فالجواب عنه:
إن معنى قول الله تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ١ أن هؤلاء المشركين والكفرة إن تابوا إلى الله عن شركهم وكفرهم وقتال المؤمنين وعداوتهم ودخلوا في الإسلام والتزموا الطاعة وانقادوا لأوامر الله؛ يغفر لهم ما قد سلف من الكفر والشرك.
وليس معنى الآية: أن الله تعالى لا يغفر لهم إلا أن يأتوا بجميع الطاعات دفعة واحدة في آن واحد، لأن هذا ليس في طاقة البشر، فلا يستطيع أحد أن يأتي بطاعات جميع العمر دفعة واحدة، وإنما عليهم أن يلتزموا الطاعة وينقادوا ويتعهدوا الإتيان بالأوامر واجتناب النواهي، وهذه التوبة وهذا الالتزام هما من الأعمال وهما شرط في مغفرة ما قد سلف منهم ولا مخرج لهم من الكفر إلا بذلك، فليزم أن تكون هذه الأعمال من الإيمان وعلى هذا فالآية حجة عليهم لا لهم وهي كذلك لا تنفي تسمية سائر الأعمال إيمانا.
فالحاصل أن هذه الآية لا تدل على خروج الأعمال عن الإيمان كما أنها لا تدل على الإتيان المأمورات دفعة واحدة، وإنما فيها بيان لشرط العفو عنهم والمغفرة لهم، وهو أن يتوبوا من الشرك والكفر ويدخلوا في الإسلام ويخضعوا لأوامر الله تعالى وينقادوا لحكمه.
_________________
(١) ١ انظر تفسير هذه الآية في جامع البيان للطبري ٩/٢٤٧؛ ومعالم التنزيل ٢/٢٤٨؛ وتفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/٣٠٩؛ وتيسير الكريم المنان ٣/١٦٧، وتفسير القاسمي محاسن التأويل ٨/٥٥.
[ ٣٧٠ ]
الدليل السادس:
قولهم: "إن الله تعالى قال: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٠٠".
ثبت أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر "
فالجواب عنه:
أن الله تعالى نهى المؤمنين عن طاعة الكفار، وحذرهم من موالاتهم وحبهم، لأن هذا سبيل لارتدادهم عن الإسلام ١.
ولا شك أن الإيمان هو الذي به ترك الكفر، وأن الكفر هو الذي به ترك الإيمان وكلاهما لا يجتمعان.
ولكن أين في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن الإيمان تصديق بالقلب فقط، وأن الأعمال ليست من حقيقة الإيمان، وأنها خارجة عن مسماه؟ بل الآية تدل على خلاف ما زعموه، لأن طاعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى وطاعة غيرهم من الكفرة قد تتحقق في الأعمال فيكون بذلك مرتدا عن دين الإسلام، وإن كان يعتقد أن دين الإسلام حق كما وقع من أمثال أبي طالب وهرقل وغيرهما فهؤلاء قد أطاعوا الكفار، وصاروا بذلك كافرين مع بقاء تصديقهم بقلوبهم بل وبألسنتهم، فكان كفرهم بالأعمال فكيف يقال: إن الإيمان هو التصديق وأن الأعمال ليست من مسماه.
الدليل السابع:
قولهم: " إذا قلنا: إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان؛ لزم أن يزول
_________________
(١) ١ انظر تفسير هذه الآية في جامع البيان ص٢٤، ٢٥؛ وتفسير القرآن العظيم ٢/٨١؛ وزاد المسير ١/٤٣٠؛ وتيسير الكلام المنان ١/٤٠٤؛ والمنار ٤/١٧.
[ ٣٧١ ]
الإيمان بزوال بعض الأعمال ولزم تكفير مرتكب الكبيرة "
فالجواب عنه: من وجهين:
١- أن الأعمال جزء من حقيقة الإيمان، والإيمان كل له أجزاء ثلاثة فهو مركب منها:
الأول: التصديق بالجنان.
الثاني: الإقرار باللسان.
الثالثة: والعمل بالأركان.
ولا شك أن العمل يتفاوت ويتجزأ، ويزيد وينقص، وبحسب الأعمال يتفاوت التصديق ويتجزأ، ويزيد وينقص.
قال ابن أبي العز: "الإيمان أصل له شعب متعددة، وكل شعبة منها تسمى إيمانا. فالصلاة من الإيمان، وكذلك الزكاة والصوم والحج والأعمال الباطنة كالحياء والتوكل والخشية من الله والإنابة إليه حتى تنتهي هذه الشعب إلى إماطة الأذى عن الطريق، فإنها من شعب الإيمان. وهذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزوالها كشعبة الشهادتين ومنها ما لا يزول بزوالها كترك إماطة الأذى عن الطريق، وبينهما شعب متفاوتة تفاوتا عظيما" ١.
وإذا كان الأمر كذلك فمن المعلوم أن الكل المركب من أجزاء تتفاوت وتتجزأ وتزيد وتنقص، فلا يزول بزوال بعض أجزاء أجزائه. فالذي ارتكب معصية فقد نقص من عمله جزء وبذلك قد نقص من إيمانه شيء مع بقاء شيء منه، حيث نقص إيمانه بنقص بعض عمله، وبذلك قد زال جزء من إيمانه ولم يزل كل إيمانه.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ٢/٤٧٦.
[ ٣٧٢ ]
مثال ذلك أن الشجرة كل مركبة من أغصان ومع ذلك لا تزول الشجرة بزوال بعض أغصانها، وكذا الإنسان كل مركب من أجزاء لكن لا يزول الإنسان بزوال بعض أجزائه١.
وهكذا في باب الإيمان فهو لا يزول بالكلية بزوال بعض الأعمال، وإذا تحقق هذا ثبت أنه لا يلزم تكفير مرتكب الكبيرة، كما لا يلزم مخالفة الإجماع، وظهر بطلان القول بعدم دخول الأعمال في مسمى الإيمان.
٢- أن لفظ الإيمان ذكر في نصوص الكتاب والسنة على نوعين: مقيد ومطلق.
فإذا ورد مطلقا دخل في مفهومه الأعمال كما تدخل الأعمال، في مفهوم البر والتقوى والدين إذا وردت هذه الكلمات مطلقة.
وإذا ورد مقيدا فيغاير الأعمال وعلى هذا يقال: "إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا".
فالإيمان له مرتبتان:
مرتبة الشيء المطلق، وهي مرتبة الإيمان المطلق أي الكامل، ومرتبة مطلق الشيء، وهي مرتبة مطلق الإيمان أي ما يصدق عليه الإيمان في الجملة سواء كان كاملا أو ناقصا، فمن وفّقه الله تعالى للعمل وقوي تصديقه بالقلب وعمل ما يقتضيه إقراره باللسان فإيمانه كامل في مرتبة الشيء المطلق، أي الإيمان المطلق أي الكامل، وأما من أخل بالعمل فقد نقص إيمانه وضعف تصديقه بقلبه بقدر ما أخل به من العمل؛ ولم يستوف ما يقتضي إقراره بلسانه، فإيمانه ناقص في مرتبة "مطلق الشيء"، أي "مطلق
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٤٠٣-٤٠٥ بتصرف. وانظر فتح الملهم بشرح صحيح مسلم ١/١٥٧، والسنة لعبد الله بن أحمد ص٧٦؛ وجامع العلوم والحكم ص٤٣؛ والإيمان لأبي يعلى ص٢٦٤.
[ ٣٧٣ ]
الإيمان"، أي الإيمان الناقص، فتارك العمل، ومرتكب الكبيرة لا يستحق اسم "الإيمان المطلق" الكامل لإخلاله بالعمل وضعف تصديقه ونقص إيمانه؛ ولنعم ما قال شيخ الإسلام في رده على هؤلاء بعدما حكى شبهتهم هذه حيث قال:
"وجواب هذا أن يقال: الذين قالوا من السلف إنهم خرجوا من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء، بل هذا قول الخوارج والمعتزلة وأهل السنة الذين قالوا هذا، يقولون: الفساق يخرجون من النار بالشفاعة، وإن معهم إيمان يخرجون به من النار، لكن لا يطلق عليهم اسم الإيمان ١ لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، وهؤلاء ليسوا من أهله وهم يدخلون في الخطاب بالإيمان " ثم قال شيخ الإسلام: " والتحقيق أن يقال: أنه مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يعطى اسم الإيمان المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق واسم الإيمان٢ يتناوله " ٣.
الدليل الثامن:
قولهم: أن النبي ﷺ لما سأله جبريل صلوات الله عليه عن الإيمان، ما أجاب عنه إلا بالتصديق"
فالجواب عنه:
أن يقال: إن النصوص التي ذكر فيها لفظ الإيمان والإسلام على ثلاثة أنواع:
_________________
(١) ١ يعني اسم "الإيمان الكامل" وهو الإيمان المطلق. ٢ يعني مطلق الإيمان وهو الإيمان الناقص. ٣ مجموع الفتاوى ٧/٢٤٠-٢٤١.
[ ٣٧٤ ]
النوع الأول: نصوص فيها ذكر الإيمان وحده كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ "سورة الأنفال: الآية٢".
النوع الثاني: نصوص فيها ذكر الإسلام وحده كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ﴾ "سورة آل عمران: الآية٨٥".
النوع الثالث: نصوص فيها ذكر الإيمان والإسلام كقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ "سورة الحجرات: الآية١٤".
فإذا عرف هذا عرف أيضا أنه إذا ذكر الإيمان وحده فهو يشمل الإسلام وكذا إذا ذكر الإسلام وحده فإنه يشمل الإيمان، وإذا ذكر الإيمان والإسلام معا فهما يتغايران ويختلفان، فيراد بالإيمان غير ما يراد بالإسلام، فيختص الأول يما يتعلق بالقلوب، ويختص الثاني بما يتعلق بالجوارح مع ملازمة كل منهما الآخر بحيث لا ينفك أحدهما عن الآخر وإن كانا يتفاوتان مفهوما ومصداقا، وهذا كما يقال: "إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا" أي إذا ذكر أحدهما فقط يراد به الآخر أيضا، وإذا ذكرا معا يراد من أحدهما غير ما يراد من الآخر مثل البر والتقوى والمسكين والفقير" ١.
فالبر إن ذكر وحده دخل فيه التقوى، وهكذا التقوى يدخل فيه البر ولكن إذا اجتمعا يراد بالبر فعل الخير ويراد بالتقوى تجنب الشر ٢.
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ١٠/٢٧٥. ٢ انظر كتاب الإيمان ص١٥٦، ١٥٧، ط المكتب الإسلامي، الطبعة الثالثة ١٤٠٨هـ.
[ ٣٧٥ ]
وهكذا الحال في المسكين والفقير إذا اجتمعا أو افترقا ١.
ومن هنا يتبين لنا خطأ من قال: إن الإيمان غير الإسلام مطلقا وكذا خطأ من قال مطلقا: إن الإيمان هو الإسلام والصحيح: أن الإيمان إذا ذكر وحده يشمل الإسلام وكذا الإسلام إذا ذكر وحده يشمل الإيمان، وإذا ذكرا معا يراد من الإيمان العقائد، ويراد من الإسلام الأعمال كما في حديث جبريل ٢.
وإذا عرف هذا تبين لك بطلان كلامهم هذا ٣.
أما إلزامهم أن الأعمال لو كانت من الإيمان، لكان جبريل أتى لتلبيس الدين وكان النبي ﷺ قاصرا في الجواب.
فنقول: إن جبريل ﵇ لم يأت لتلبيس الدين، ولم يكن النبي ﷺ قاصرا في الجواب، بل كان جبريل أتى لتعليم الدين وكان جواب النبي ﷺ في غاية الصواب والله المستعان.
الدليل التاسع:
قولهم: "إن ضد الإيمان هو الكفر، والكفر هو التكذيب والجحود ".
_________________
(١) ١ الفقير والمسكين إذا افترقا فهما بمعنى واحد وهو المحتاج، وأما إذا اجتمعا فالفقير هو الذي له ما يأكله وله بعض ما يقيمه، وأما المسكين فهو الذي لا شيء له فهو أسوأ حالا من الفقير وقيل العكس. انظر تهذيب اللغة ٩/١١٣، ١١٤؛ والمصباح المنير ص١٠٨. ٢ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان ١/١١٤ ح٣٧ من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة. ٣ انظر تفصيل هذا في كتاب الإيمان ضمن مجموع الفتاوى ٧/١٥٤-١٨٦، وشرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٧-٣٩٥.
[ ٣٧٦ ]
فالجواب عنه:
قوله: "الكفر هو التكذيب والجحود" فيه نظر: لأنه لا شك أن التكذيب والجحود نوعان من الكفر، لكنهما ليسا جميع الكفر، والكفر أعم من التكذيب والجحود فلا يتحقق الكفر في صورة التكذيب والجحود فقط، بل الإعراض والمخالفة والمعاداة بلا تكذيب وجحود، مثل كفر أبي طالب فإنه لم يكذب ولم يجحد، ومع ذلك فهو كافر حيث أعرض عن الاعتراف بالحق، ولم يظهره. وأما قوله: "إن التكذيب والجحود يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما وهو الإيمان يكون بالقلب".
فأول من عرف عنه هذا القول هو الجهم بن صفوان فقد قال: "إن الإيمان والكفر لا يكونان إلا بالقلب دون غيره من الجوارح" ١. وهذا قول فاسد، والحق أن الكفر كما يكون بالقلب، كذلك يكون باللسان والجوارح، لأن كثيرا من صناديد الكفار من مشركي قريش كانوا يكفرون ويكذبون باللسان فقط مع تصديقهم للرسول ﷺ بقلوبهم، عنادا منهم وجحودا واستكبارا بل لو قيل: إن الجحود لا يكون بالقلب فقط بل وباللسان لكان هو الصواب؛ فإن فرعون وأمثاله كانوا مستيقنين في أنفسهم وإن جحدوا بألسنتهم، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ "سورة النمل: الآية١٤".
وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية٣٣".
فالمؤمنون يصدقون بالقلوب واللسان وبالجوارح، والكفار يكذبون
_________________
(١) ١ مقالات الإسلاميين ص١٣٢.
[ ٣٧٧ ]
باللسان، والمنافقون يصدقون بالألسنة ويكذبون بالقلوب.
ثم إن لفظ الإيمان لا يقابل التكذيب فقط، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، لكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط علم أن الإيمان ليس هو التصديق فقط بل إذا كان الكفر يكون تكذيبا ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعا بلا تكذيب فلا بد أن يكون الإيمان تصديقا مع موافقة وموالاة وانقياد، لا يكفى مجرد التصديق فيكون الإسلام جزء مسمى الإيمان كما كان الامتناع من الانقياد مع التصديق جزء مسمى الكفر فيجب أن يكون كل مؤمن مسلما منقادا للأمر وهذا هو العمل" ١.
أما موقفهم من النصوص الدالة على أن العمل من مسمى الإيمان، فموقف القدح والتأويل كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ "سورة البقرة: الآية١٤٣".
فحملوها على المجاز ٢، ومثل قول النبي ﷺ: "الإيمان بضع وستون شعبة".
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٢٩٢، وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٠. ٢ انظر تبصرة الأدلة "٣٣٧/ب".
[ ٣٧٨ ]
وفي رواية: " بضع وسبعون " فقد قدحوا فيه بأنه مخالف للكتاب وبغفلة الراوي حيث تردد بين الستين والسبعين فشهد بغفلة نفسه" ١.
الجواب عن تلك التأويلات:
أولا: حملهم قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ على المجاز الجواب عنه ما يأتي:
١- الأصل في كتاب الله تعالى الحقيقة، والمجاز يحتاج إلى دليل ٢.
٢- أن الحقيقة عند القائلين بالمجاز هي اللفظ الذي يدل بإطلاقه بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرينة. وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنة دخلت فيه الأعمال، وإنما يدَّعى خروجها منه عند التقييد وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: "الإيمان بضع وسبعون شعبة" ٣.
٣- أن المجاز ثبت أنه اصطلاح حادث فلم يتكلم به العرب ولا الصحابة ولا الأئمة؛ فهو شبيه بمصطلحات النحو، ولكن النحو جاء اصطلاحا مستقيما وليس فيه مفسدة، أما المجاز فهو اصطلاح غير مستقيم، وفيه مفاسد عقلية وشرعية ولغوية. أما المفسدة العقلية فهي عدم تمييزه تمييزا ظاهرا صحيحا، أما الشرعية ففيها مفاسد يوجب الشرع إزالتها ألا وهي تحريف كلام الله ﷿ وكلام رسوله ﷺ عن حقيقته وحمل الألفاظ على معان ورد النهي عن حملها عليها وأنها يصح نفيها وكلام الله
_________________
(١) ١ انظر تبصرة الأدلة "٣٣٧/ب". ٢ مسائل الإيمان للقاضي أبي يعلى ص١٦٤. ٣ مجموع الفتاوى ٧/١١٦.
[ ٣٧٩ ]
﷿ وكلام رسوله ﷺ أرفع شأنا من ذلك، وأنه كلام غير حقيقي والله ﷿ كلامه حق وعدل وصدق.
أما اللغوية فهي تغيير للأوضاع اللغوية لغير مصلحة راجحة، بل لمفسدة ١.
ثانيا: أما قدحهم في قول النبي ﷺ: "الإيمان بضع وستون "، وفي رواية: " بضع وسبعون ". بمخالفته للكتاب وبغفلة الراوي، فالجواب عليه من وجوه:
الأول: أن ما يدل عليه هذا الحديث من تسمية الأعمال إيمانا فأين في القرآن نفي اسم الإيمان عن شرائع الإسلام الواردة فيه، بل القرآن سمى بعض الأعمال إيمانا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم.
فالحديث موافق للقرآن لا مخالف، ولا تأتي السنة بما يخالف القرآن البتة، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتضافرها.
ثانيها: أن تكون بيانا لما أريد بالقرآن وتفسيرا له.
ثالثها: أن تكون موجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو محرمة لما سكت عن تحريمه ولا تخرج عن هذه الأقسام فلا تعارض القرآن بوجه ما" ٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٢٠/٤٥١-٤٥٨ بتصرف. ٢ أعلام الموقعين ٢/٣٠٧-٣٠٩
[ ٣٨٠ ]
الثاني: أن هذا الحديث متفق عليه مخرج في الصحيحين، والأحاديث التي في الصحيحين قطعية الثبوت، تفيد العلم القطعي باتفاق أئمة الإسلام واعتراف بعض الحنيفة ١. فمن استجرأ الطعن في حديث هو في الصحيحين فهو لا يؤذي إلا نفسه، فلا ينبغي لمسلم أن يطعن في الثقات أو يسيء الظن بهم. قال الشاه ولي الله الدهلوي إمام الحنفية في عصره: "أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع صحيح بالقطع فإنهما متواتران إلى مصنفيهما وأن كل من يهوّن أمرهما مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين، فإن الشيخين لا يذكران إلا حديثا قد تناظرا فيه مشايخهما وأجمعوا على القول به والتصحيح له" ٢.
ثم إننا لا نسلم أن هذا الاختلاف في العدد يوجب الاضطراب في الحديث؛ لأن العدد الأقل لا يعارض العدد الأكثر، ولأن العدد الأقل داخل في العدد الأكثر. فرواية صحيح مسلم لا تعارض رواية صحيح البخاري، لأن رواية مسلم مشتملة على ما في رواية البخاري وزيادة، وهذه الزيادة من ثقة، وزيادة الثقة مقبولة، هذا ما اختاره بعض العلماء فأخذوا لفظ: "بضع وسبعون" كالحليمي ٣ والقاضي عياض ٤ والألباني ٥، وأخذ بعض المحدثين بلفظ "بضع وستون" كابن الصلاح ٦ والبيهقي ٧ وابن حجر٨
_________________
(١) ١ انظر فيض الباري ١/٤٥. ٢ حجة الله البالغة ١/٤٩. ٣ فتح الباري ١/٥١. ٤ فتح الباري ٥١. ٥ سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/٣٩٦-٣٧١. ٦ فتح الباري ١/٥١. ٧ فتح الباري ١/٥١. ٨ فتح الباري ١/٥١.
[ ٣٨١ ]
وبهذا يتبين لنا ضعف اتسدلالاتهم وتهافتها، والقول الحق في هذه المسألة هو ما دل عليه الكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة من أن الإيمان: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآيات من٢-٤".
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة آل عمران: الآية١٧٥".
وقال تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة المائدة: الآية٢٣".
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة الأنفال: الآية ١".
وقال تعالى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَأُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة التوبة: الآية١٣".
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٧٨".
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إن الله بالناس لرءوف رحيم﴾ "سورة البقرة: الآية١٤٣".
[ ٣٨٢ ]
"فمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾: على ما تظاهرت به الرواية من أنه الصلاة وما كان الله ليضيع تصديق رسوله ﵊ بصلاتكم التي صليتموها نحو بيت المقدس عن أمره، لأن ذلك كان منكم تصديقا لرسوله" ١.
وقال الحليمي: "أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس، فثبت أن الصلاة إيمان. وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقا فرّق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات" ٢.
وقد أورد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "الإيمان" قوله تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ "سورة العنكبوت: الآيات من ١-٣".
وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ "سورة العنكبوت: الآية١٠".
أوردها مستدلا بها على أن العمل من الإيمان ثم قال: "أفلست تراه ﵎ قد امتحن صدق القول بالفعل، ولم يكتف منهم بالإقرار دون العمل، حتى جعل أحدهم من الآخر؟ فأي شيء يُتَّبع بعد كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ومنهاج السلف بعده هم موضوع القدوة والإمامة"٣.
وأما الأدلة من السنة فكثيرة جدا:
من ذلك قوله ﷺ لوفد عبد القيس: "أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا:
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢/١٨. ٢ كتاب المنهاج في شعب الإيمان "٣٧٩١". ٣ كتاب الإيمان ومعالمه وسننه للقاسم بن سلام ص٦٦.
[ ٣٨٣ ]
الله ورسوله أعلم قال: شهادة أن لا إله الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمس ما غنمتم" ١.
قال ابن أبي العز بعد سوقه لهذا الحديث: " ومعلوم أنه لم يرد أن هذه الأعمال تكون إيمانا بالله بدون إيمان القلب لما قد أخبر في مواضع أنه لا بد من إيمان القلب فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان وأي دليل على أن الأعمال داخلة في مسمى الإيمان فوق هذا الدليل؟ فإنه فسر الإيمان بالأعمال ولم يذكر التصديق للعلم بأن هذه الأعمال لا تفيد مع الجحود"٢.
وقوله ﷺ: "الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" ٣، زاد مسلم في رواية: "فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق " ٤.
قال ابن مندة: "فجعل الإيمان شُعَبا بعضها باللسان بالشفتين، وبعضها بالقلب وبعضها بسائر الجوارح"٥.
وقوله ﷺ: حين سئل أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان ١/١٢٩ ح"٣٥"، ومسلم كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ١/٤٧ ح"٢٤" كلاهما من طريق أبي جمرة عن ابن عباس. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٨١. ٣ تقدم تخريجه ص٤٢٤. ٤ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان ١/٦٣ ح"٥٨" من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. ٥ الإيمان ١/٣٣٢.
[ ٣٨٤ ]
ورسوله" ١ فأطلق العمل على الإيمان كما أطلق الإيمان على العمل.
وحكى اتفاق السلف على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، غيرُ واحد من أهل العلم كالشافعي ٢ وأحمد٣ والبخاري ٤ وابن عبد البر ٥ والبغوي ٦.
قال عبد الرزاق الصنعاني: "سمعت من أدركت من شيوخنا وأصحابنا - ثم سردهم - يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" ٧.
وقال الوليد بن مسلم: "سمعت الأوزاعي، ومالك بن أنس، وسعيد بن عبد العزيز ٨ ينكرون قول من يقول إن الإيمان إقرار بلا عمل، ويقولون: لا إيمان إلا بعمل ولا عمل إلا بإيمان" ٩.
وقال الإمام أحمد: "أجمع سبعون رجلا من التابعين وأئمة المسلمين
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الإيمان باب من قال إن الإيمان هو العمل ١/٧٧ ح"٢٦". ومسلم كتاب الإيمان باب: بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال "١/٨٨-ف١٣٥". كلاهما من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة. ٢ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٨٨٦، ٨٨٧. ٣ مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص٢٢٨. ٤ فتح الباري ١/٤٧. ٥ كتاب التمهيد ٩٢٣٨. ٦ شرح السنة ١/٣٨، ٣٩. ٧ شرح صحيح مسلم ١/١٤٦. ٨ هو سعيد بن عبد العزيز التنوخي بفتح التاء وضم النون الدمشقي قال عنه الحافظ ابن حجر: "ثقة، إمام، ساواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر ولكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة مات سنة سبع وستين ومائة وقيل بعدها" تقريب التهذيب ١/٣٠١؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٤/٦٩. ٩ عقيدة ابن جرير ١٠ ضمن المجموعة العلمية.
[ ٣٨٥ ]
وفقهاء الأمصار على أن السنة التي توفي عليها الله ﷺ فذكر منها: والإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" ١.
وقال البخاري: "لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص" ٢.
وقال ابن أبي حاتم: "سألت أبي وأبا زرعة عن مذهب أهل السنة، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار وما يعتقدان من ذلك، فقالا:
أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازا وعراقا ومصرا وشاما ويمنا؛ فكان من مذهبهم أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص" ٣.
وقال البغوي: "اتفقت الصحابة والتابعون، ومن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان" ٤.
وقال الآجري: "باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنا إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث:
ثم قال: اعلموا - رحمنا الله تعالى وإياكم - أن الذي عليه علماء المسلمين أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح. ثم اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق، إلا أن يكون معهما الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة
_________________
(١) ١ مناقب الإمام أحمد ص٢٢٨. ٢ شرح أصول الاعتقاد للالكائي ١/١٧٣، ١٧٤. ٣ أصل السنة لابن أبي حاتم ص٢٢٥-٢٢٦، طبع ضمن كتاب "أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة" لسعدي الهاشمي ط/ الجامعة الإسلامية. ٤ شرح السنة ١/٣٨، ٣٩.
[ ٣٨٦ ]
بالقلب ونطق باللسان حتى يكون عمل بالجوارح فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنا دل على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين " ١.
والأدلة من الكتاب والسنة والآثار الواردة عن سلف هذه الأمة في أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل كثيرة جدا. وأحب أن أختم هذا الفصل برد سفيان بن عيينة على من يقول الإيمان قول بلا عمل، فقد سأله رجل فقال: "كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ فقال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تنزل أحكام الإيمان وحدوده، إن الله ﷿ بعث محمدا ﷺ إلى الناس كافة على أن يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا قالوها حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله، فلما علم صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالصلاة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة فيقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا كقولهم ويصلوا بصلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه فقال: يا رسول الله هذه رأس الشيخ الكافر، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم، فلما علم الله تعالى صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبدا وأن يحلقوا رؤوسهم تذللا ففعلوا، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة تطرهم فأمرهم ففعلوا حتى
_________________
(١) ١ كتاب الشريعة ص١١٩.
[ ٣٨٧ ]
أتوا قليلها وكثيرها، والله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا مهاجرهم ولا قتل آبائهم ولا طوافهم، فلما علم الله تعالى الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده. قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا﴾ "ٍسورة المائدة: الآية٣".
فمن ترك خلة من خلال الإيمان جحودا بها كان عندنا كافرا ومن تركها كسلا ومجونا أدبناه وكان ناقصا، هكذا السنة أبلِغها عني من سألك من الناس" ١.
رزقنا الله الصدق في القول والإخلاص في العمل والله أعلم.
_________________
(١) ١ الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية لابن بطة ٢/٦٣٠.
[ ٣٨٨ ]