[ ٦١١ ]
الفصل الثاني: مدى التزام الحنفية بعقيدة الإمام أبي حنيفة في التوحيد
انتسب إلى مذهب أبي حنيفة في القديم والحديث أناس كثيرون، منهم من وافقه في الأصول والفروع، ومن من وافقه في الفروع فحسب، وهم في الأصول على طريقة المتكلمين وهذا أمر اعترف به أحد علماء الحنفيّة فقد قال اللكنوي الحنفي ما نصه:
:"وتوضيحه أن الحنفية عبارة عن فرقة تقّلد الإمام أبا حنيفة في المسائل الفرعية سواء وافقته في أصول العقائد أم خالفته، فإن وافقته يقال لها "الحنفية الكاملة" وإن لم توافقه يقال له "الحنفية" مع قيد، يوضّح مسلكه في العقائد الكلامية، فكم من حنفيٍ حنفيٌّ في الفروع معتزلي عقيدةً وكم من حنفي حنفيٌّ فرعا مرجئ أو زيدي أصلا وبالجملة فالحنفية لها فروع باعتبار اختلاف العقيدة فمنهم الشيعة ومنهم المعتزلة ومنهم المرجئة "١.
ثم بيّن النسبة بين الحنفية وبين أهل السنة فيذكر: أن النسبة بين الحنفية - بمعنى المتابعين له أصلا وفرعا - وبين أهل السنة عموما
_________________
(١) ١ الرفع والتكميل ص٣٨٥ بتصرف، وأقره محقق الكتاب ص٣٨٧.
[ ٦١٣ ]
وخصوصا، فكل حنفي بهذا المعنى من أهل السنة ولا عكس لأنه قد يكون من أهل السنة ولم يكن حنفيا كأهل السنة من المالكية والشافعية وغيرهم. فأهل السنة أعم مطلقا، والحنفية الكاملة أخص مطلقا، والنسبة بين أهل السنة وبين الحنفية - التابعة للإمام أبي حنيفة في الفروع بدون اشتراط موافقة العقيدة - عموم وخصوص من وجه، فمادة الافتراق من يكون حنفيا ولا يكون من أهل السنة - كالمرجئة الحنفية والمعتزلة الحنفية - أو يكون من أهل السنة وليس حنفيا أصلا كأهل السنة من الشافعية ونحوهم فهاتان المادتان مادتا الافتراق، أما مادة الاجتماع فمن يكون حنفيا فرعا وأصلا فهو من هل السنة أيضا.
والنسبة بين أهل السنة وبين الحنفية الناقصة - التابعة للإمام أبي حنيفة في الفروع فقط مع اختلاف في العقيدة نسبة تباين كلِّي كالحنفية المرجئة والحنفية المعتزلة ونحوهم ليسوا من أهل السنة" ١.
قلت: لقد ذكر العلامة عبد الحي اللكنوي في كلامه هذا خمس فرق تنتسب للحنفية وهي:
أولا – الحنفية الكاملة.
ثانيا – الحنفية من الشيعة.
ثالثا – الحنفية من الزيدية.
رابعا – الحنفية من المعتزلة.
خامسا – الحنفية من المرجئة.
وإليك بيان ذلك:
_________________
(١) ١ انظر الرفع والتكميل ص٣٨٧. بتصرف
[ ٦١٤ ]
أولا - الحنفية الكاملة:
ويعني بها اللكنوي من وافق الإمام أبا حنيفة في الفروع وأصول العقيدة وهذه أسماء ١ طائفة ٢ ممن انتسب ٣ إلى أبي حنيفة ممن وافقه ٤ في الاعتقاد سواء من تلامذته أو ممن جاء بعده وانتسب إلى مذهبه في الفروع.
١- زفر بن الهديل ٥ المتوفى سنة ١٥٨هـ:
كان من أصحاب الحديث ثم غلب عليه الرأي، وقفت له على كلام
_________________
(١) ١ اكتفيت بذكر أسماء الموافقين لأبي حنيفة في الاعتقاد إلى القرن الرابع الهجري إذ في هذا القرن وبعده ظهر التقليد لأبي منصور الماتريدي وأبي الحسن الأشعري في الأصول ثم استحكمت أطنابه فيما بعد ذلك إذ مشى غالب الحنفية على عقيدة أبي منصور الماتريدي وذلك لانتشار علم الكلام في نواحي بلاد المسلمين في تلك الحقبة الزمنية وتغلب المتكلمين وتصدرهم في أماكن حسّاسة كالمدارس والقضاء والإفتاء والخطابة فزاحمت العقيدة الكلامية الماتريدية العقيدة السلفية التي عليها الإمام أبو حنيفة حتى أزالتها فلا يعرف حنفي إلا هو ماتريدي في الاعتقاد. هذا في الجملة وإلا فإنه يوجد فئات من الحنفية سلكت ما قرّره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه كابن أبي العز الحنفي شارح عقيدة الإمام الطحاوي. ٢ رتبوا على حسب الوفيات. ٣ ليعلم أن نسبة هؤلاء لأبي حنيفة نسبة التلميذ إلى شيخه لا نسبة المقلد إلى من يقلّده إذ التقليد لأبي حنيفة في الفروع لم ينشأ إلا في القرن الرابع فما بعد كما ذكر ذلك شاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة ١/١٥٢-١٥٣. ٤ الموافقة في الجملة إذ لا يمنع أن تكون هناك مخالفة مع الإمام في قضية من قضايا الاعتقاد، ثم لا يمكن في هذا المقام الإحاطة بجميع عقيدة كل رجل لذا سأذكر موقفا واحدا له إن وجد أو كلاما له بين منهجه في الاعتقاد في الجملة أو كلام غيره فيه. ٥ تقدم التعريف به في ص٨٨.
[ ٦١٥ ]
حسن في الاتباع وذك الرأي وهو قوله: "لا نأخذ بالرأي ما دام الأثر وإذا جاء الأثر تركنا الرأي" ١.
٢- إبراهيم بن طهمان المتوفى سنة ١٦٣هـ٢:
كان شديدا على الجهمية ٣ حتى إنه أخر رحلته إلى الحج للردّ على الجهمية ٤ وألف في الرد عليهم كتابا بعنوان "سنن ابن طهمان" المطبوع باسم مشيخة ابن طهمان وهو أول كتاب وصل إلينا في الرد على الجهمية ٥، وذكره اللالكائي فيما أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن ٦، ورُمي بشيء من الإرجاء وذكر ابن حجر أنه رجع عنه ٧. ٣- القاسم بن معن المسعودي المتوفى سنة ١٧٥هـ ٨:
روى له أصحاب السنن، وثقه أحمد وأبو حاتم وقال عنه أبوداود: "كان ثقة يذهب إلى شيء من الإرجاء" ٩.
وقال عنه ياقوت: "كان فقيها على رأي أبي حنيفة ولقيه وكان عالما بالحديث والفقه والشعر والنسب وأيام الناس" ١٠.
_________________
(١) ١ الفوائد البهية ص٧٦. ٢ انظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/١٣١؛ وتاريخ بغداد ٦/١٠٧؛ والجواهر المضية ١/٨٦؛ والطبقات السنية ١/١٩٨-٢٠٠. ٣ الجواهر المضية ١/٨٦؛ والطبقات السنية ١/١٩٨. ٤ تاريخ بغداد ٦/١٠٧. ٥ انظر مقدمة محقق كتاب مشيخة ابن طهمان ص٤٦٠٦. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٦. ٧ تهذيب التهذيب ١/١٣١. ٨ انظر ترجمته في معجم الأدباء ١٧/٦؛ والجواهر المضيئة ٢/٧٠٩؛ والفوائد البهية ص١٥٤. ٩ الفوائد البهية ص١٥٤. ١٠ معجم الأدباء ١٧/٦.
[ ٦١٦ ]
٤- يعقوب بن إبراهيم القاضي "أبو يوسف" المتوفى سنة ١٨٢هـ ١:
قرّر الطحاوي عقيدة أبي يوسف وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، أبي جعفر في الرسالة التي كتبها في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، ومن جملة ما قرره اعتقادهم في الإيمان أنه إقرار باللسان وتصديق بالجنان ٢ غير أن ابن حبان ذكر أنه يباين صاحبيه في الإيمان ٣.
وذكره اللالكائي ٤ فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن وروى اللالكائي عن أبي يوسف: "من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه وفرض مباينته" ٥ وذكره اللالكائي فيمن منع الصلاة خلف القدرية ٦.
وقال: "لا أصلي خلف جهمي ولا رافضي ولا قدري" ٧.
٥- يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ٨ المتوفى سنة ١٨٣هـ:
روى له الجماعة، وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل
_________________
(١) ١ تقدم التعريف به ض٩٣. ٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٤٢. ٣ الثقات ٧/٣٤٥. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٧. ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٠. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٧٣٠. ٧ رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد ٤/٧٣٣. ٨ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/١٨٥؛ والفوائد البهية ٢٢٤.
[ ٦١٧ ]
بخلق القرآن١، وأقرّ قول مالك فيمن قال القرآن مخلوق بأنه كافر زنديق ٢.
٦- محمد بن الحسن الشيباني ٣ المتوفى سنة ١٨٩هـ:
قرر عقيدة محمد بن الحسن وأبي حنيفة وأبي يوسف، أبو جعفر الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، وذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن ٤ وكان لا يرى الصلاة خلف من قال القرآن مخلوق ٥، ويأمر من صلى خلف من يقول: القرآن مخلوق، بالإعادة ٦.
وروى اللالكائي ٧ عن محمد بن الحسن أنه ذكر اتفاق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفات الرب ﷿.
٨- حفص بن غياث القاضي ٨ المتوفى سنة ١٩٤هـ:
روى له الجماعة، وذكره البخاري في علماء الأمصار الذين يقولون: إن القرآن كلام الله ٩، وكذا اللالكائي ذكره فيمن أجمعوا على تكفير
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٧. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٤٩-٢٥٠ ٣ تقدم التعريف به ص٩١. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٧. ٥ العلو ص١١٣؛ ومختصر العلو ص١٥٨. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧١؛ والعلو ص١١٣. ٧ تقدم تخريجه في ص٦٥٧ من هذه الرسالة. ٨ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٢/١٣٨-١٤١؛ والطبقات ٣/١٧٣، ١٧٧؛ والفوائد البهية ص٦٨. ٩ خلق أفعال العباد ص٦٨-٦٩.
[ ٦١٨ ]
القائل بخلق القرآن ١، فمن قال: القرآن مخلوق فهم عنده جهمية لا يناكحون ولا تجوز شهادتهم ٢، روى عنه البخاري حديث الصوت في صحيحه ٣.
٩- أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني ٤ المتوفى سنة ٢٠٠هـ:
روى اللالكائي عن القاسم بن أبي رجاء قال: "كنت عند أبي سليمان الجوزجاني وجاءه رجل فقال: مسألة بلوى فإن رجلين البارحة حلف أحدهما فقال: امرأتي طالق ثلاثا البتّة إن كان القرآن مخلوقا، وقال الآخر: امرأتي طالق ثلاثا إن لم يكن القرآن مخلوقا فقال: إن الذي حلف إن امرأته طالق إن لم يكن القرآن مخلوقا قد بانت منه امرأته"٥.
وروى اللالكائي عن محمد بن عبد الله الظاهراني قال: "سمعت الجوزجاني - يعني موسى بن سليمان" وسأله رجل عن مسألة فأفتى ثم قال له: إن المريسي يقول بخلاف هذا فقال الجوزجاني لمن حضره: أعجب من هذا سألني عن مسألة فأجبته، ثم حكى لي عن كافر" ٦.
١٠- معلَّى بن منصور الرازي٧ المتوفى سنة ٢١١هـ:
روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه ووثقه ابن معين قال الذهبي
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧٠. ٢ خلق أفعال العباد ص٢٨. ٣ انظر فتح الباري ١٣/٤٥٣؛ ولفظه: "يقول الله: يا آدم فيقول لبيك وسعديك فينادي بصوت إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار". ٤ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/٥١٨؛ والفوائد البهية ص٢١٦. ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧١. ٦ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٣٨٤. ٧ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/٤٩٣؛ والفوائد البهية ص٢١٥.
[ ٦١٩ ]
في الكاشف: "قال العجلي: هو ثقة نبيل صاحب سنة طلبوه غير مرة للقضاء فأبى وكان من كبار أصحاب أبي يوسف ومحمد" ١.
وذكره اللالكائي فيمن كفر القائل بخلق القرآن ٢.
١١- شداد بن حكيم القاضي ٣ البلخي المتوفى سنة ٢١٢هـ:
ذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن ٤.
١٢- عبد الله بن دواد الخريبي٥ المتوفى سنة ٢١٣هـ:
روى له الجماعة غير مسلم، وكان شديدا على الجهمية، فقد نقل عنه البخاري قوله: "لو كان لي على المثنَّى الأنماطي سبيل لنزعت لسانه من قفاه وكان جهميا" ٦.
١٣- هشام بن عبيد الله الرازي٧ المتوفى سنة ٢٢١هـ:
من تلاميذ محمد بن الحسن وكان ليِّنا في الرواية قال عبد الرحمن بن حاتم: "وجدت في كتاب عند أبي مما وضعه هشام في الرد على الجهمية قال هشام:"وكان فيما سألتم في كتابكم عن أهل الجنة أنهم يرون ربهم قال هشام: ورد علينا في تفسير القرآن ومحكم الحديث أن الله جل ثناؤه يُرى في الآخرة ثم ذكر الروايات في تفسير القرآن والأخبار عن رسول الله ﷺ"٨.
_________________
(١) ١ الكاشف ٣/١٤٥؛ والفوائد البهية ص٢١٥. ٢ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٨٨. ٣ انظر ترجمته في الجرح والتعديل ٤/٣٣١؛ ومشايخ بلخ من الحنفية ١/٦٣. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٨. ٥ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٢/٣٠٨؛ فقه أهل العراق ٦٣. ٦ خلق أفعال العباد ص٢٣. ٧ انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/٥٦٩-٥٧٠؛ والفوائد البهية ص٣١. ٨ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٠٦.
[ ٦٢٠ ]
ونقل اللالكائي عن هشام قوله: "الجهمية من زعم أن القرآن مخلوق"١، وحبس رجل بتهمة التجهم حتى تاب ٢. وقال عن بشر المريسي: "المريسي عندنا خليفة جهم بن صفوان الضال وهو ولي عهده ومثله عندنا مثل بلعم بن باعورا الذي قال الله فيه: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ "سورة الأعراف: الآية١٧٥"٣.
١٤- الليث بن مساور البلخي٤ المتوفى سنة ٢٢٦هـ:
ذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائلين بخلق القرآن ٥ وكان قاضيا ببلخ ولما ورد كتاب الخلافة بوجوب القول بخلق القرآن قال: "الله أكبر ظهر الكفر كل من يقول بخلق القرآن فهو كافر ثم رمى عمامته على الأرض وخلع نفسه من القضاء" ٦.
١٥- إبراهيم بن يوسف ٧ الباهلي البلخي الماكياني المتوفى سنة ٢٣٩هـ:
قال عنه ابن حبان: "كان ظاهر مذهبه الإرجاء واعتقاده في الباطن السنة سمعت أحمد بن محمد بن الفضل يقول سمعت محمد بن داود الفوعي يقول: حلفت أن لا أكتب إلا ممن يقول الإيمان قول وعمل فأتيت إبراهيم بن يوسف - يعني الباهلي - فأخبرته فقال: أكتب عني فإني أقول
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٧١. ٢ درء تعارض العقل والنقل ٦/٢٦٥؛ ومجموع الفتاوى ٥/٢٨٠ ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٨٤. ٤ انظر ترجمته في مشايخ بلخ من الحنفية ١/١٦٤. ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٨. ٦ مشايخ بلخ ١/١٢٥، ١٦٤. ٧ انظر ترجمته في الثقات ٨/٧٦؛ والجواهر المضية ١/١١٩؛ والطبقات السنية ١/٢٥٤-٢٥٥؛ والفوائد البهية ص١١، ١٢.
[ ٦٢١ ]
الإيمان قول وعمل" ١. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعت محمد بن الصديق يقول: "سمعته - يعني إبراهيم بن يوسف - يقول القرآن كلام الله ومن قال: مخلوق فهو كافر بانت منه امرأته ولا يصلَّى خلفه ولا يصلّى عليه إذا مات ومن وقف فهو جهمي" ٢.
١٦- يحيى بن أكثم التميمي ٣ القاضي المتوفى سنة ٢٤٣هـ:
روى عن محمد بن الحسن وسمع منه وروى عنه البخاري في غير الجامع والترمذي وذكره اللالكائي فيمن كفر القائلين بخلق القرآن ٤ وكان يقول: القرآن كلام الله فمن قال مخلوق يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه" ٥.
وقال عنه الإمام أحمد: "ما عرفناه ببدعة" ٦.
وقال عنه الخطيب: "كان يحيى سليما من البدعة ينتحل مذهب أهل السنة" ٧.
١٧- محمد بن أحمد بن حفص ٨ الزرقان المتوفى سنة ٢٦٤ـ:
له كتاب الأهواء والرد على اللفظية وكان مرافقا للبخاري في الطلب٩.
_________________
(١) ١ الثقات ٨/٧٦. ٢ الطبقات السنية ١/٢٥٥. ٣ انظر ترجمته في تاريخ بغداد ١٤/١٩١؛ والفوائد البهية ص٢٢٤. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٢٩١. ٥ تاريخ بغداد ١٤/١٩٨. ٦ تاريخ بغداد ١٤/١٩٨. ٧ تاريخ بغداد ١٤/١٩٨. ٨ انظر الفوائد البهية ص١٩. ٩ انظر الفوائد ص١٩.
[ ٦٢٢ ]
١٨- الحكم بن معبد الخزاعي ١ المتوفى سنة ٢٩٥هـ:
مؤلف كتاب السنة ٢.
قال عنه أبو نعيم: "على مذهب الكوفيين صاحب أدب وغريب" ٣.
١٩- مقاتل بن فضل البخلي ٤:
ذكره اللالكائي فيمن أجمعوا على تكفير القائل بخلق القرآن٥
لم أقف على تاريخ وفاته.
٢٠- أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي ٦ المتوفى سنة ٣٢١هـ:
صاحب كتاب بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني. وما يعتقدون من أصول الدين.
ولا شك أنه أثبت من غيره في تقرير عقيدة الإمام أبي حنفة وذلك للآتي:
١- الطحاوي عند أهل العلم ثقة ثبت قال عنه الذهبي: "الإمام
_________________
(١) ١ ترجمته في تاريخ أصبهان ١/٢٩٨؛ والجواهر المضية ٢/١٤٣؛ والطبقات السنية ٣/١٨٠. ٢ الطبقات السنية ٣/١٨٠. ٣ تاريخ أصبهان ١/٢٩٨. ٤ انظر ترجمته في كتاب مشايخ بلخ ١/١٣١. ٥ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٠٨. ٦ انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٥/٢٧؛ والمنتظم ٦/٢٥٠؛ والجواهر المضية ١/١٠٢.
[ ٦٢٣ ]
العلامة الحافظ الكبير محدث الديار المصرية وفقيهها"١.
وقال عنه أبو سعيد بن يونس: "كان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله" ٢.
٢- إن جمهور العلماء تقلوا عقيدة الطحاوي بالقبول. قال السبكي الشافعي: "جمهور المذاهب الأربعة على الحق، يقرون عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول"٣.
وقال الناصري الحنفي: "إن كتاب العقائد الذي رواه أبو جعفر الطحاوي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد هو الذي اعتمد عليه أهل السنة والجماعة سلفهم وخلفهم" ٤.
وقال أبو المعين النسفي: "إن أبا جعفر الطحاوي ممن احتوى على علوم سلف الأئمة على العموم، وعلى علوم أبي حنيفة وأصحابه على الخصوص. قال في كتابه الذي افتتحه في العقائد: صح عندي مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة النعمان بن ثابت وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري وأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني وما يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين"٥.
٣- إن ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه يوافق في الجملة ما قرره أبو حنيفة في الكتب المنسوبة إليه، ثم إنه كذلك موافق لعقيدة سائر أئمة السنة باستثناء مسألة الإيمان.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١٥/٢٧. ٢ سير أعلام النبلاء ١٥/٢٩. ٣ كتاب معيد النعم ومبيد النقم ص٦٢. ٤ النور اللامع "٦٩/أ". ٥ النور اللامع "٢/ب".
[ ٦٢٤ ]
بخلاف ما قرره الماتريدي، فقد دخلت عليه الفلسفة والكلام، ومن ثم دخلت عليه عقائد بدعية فلسفية، فالإمام الطحاوي محدّث ثقة ثبت فيما يقرر وينقل احتوى على علوم أبي حنيفة وأصحابه، ولم تدخل عليه المذاهب الكلامية.
ثانيا - الحنفية من المعتزلة:
المشهور أن المعتزلة هم أصحاب واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد وقد تقدم أن اسمها يرجع إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل: إن مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منزلة بين المنزلتين. ولما اعتزل واصل مجلس الحسن البصري وانضم إليه عمرو بن عبيد وتبعهما أنصارهما قيل لهم معتزلة أو معتزلون ١.
وللمعتزلة أصول خمسة هي: التوحيد وهو مرادف لإنكار الصفات ٢ والعدل وهو إنكار القدر وإنفاذ الوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمنزلة بين المنزلتين.
وقد تسرب الاعتزال إلى الحنفية شيئا فشيئا حتى دخل الاعتزال إلى
_________________
(١) ١ انظر الفرق بين الفرق ص١٤؛ والملل والنحل ١/٣٠. ٢ لم تكن المعتزلة في بدء الأمر معطلة لجميع الصفات بل دخل عليهم التعطيل والقول بخلق القرآن من قبل جهم بن صفوان. قال الإمام أحمد فأضل بكلامه بشرا كثيرا وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية. انظر الرد على الجهمية للإمام أحمد ص١٠٤؛ والفرق بين الفرق ص١٤، ١٥؛ والملل والنحل ١/٣٠؛ وصحيح مسلم ١/٣٦.
[ ٦٢٥ ]
أسرة الإمام أبي حنيفة فقد كان إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة من دعاة الفتنة بخلق القرآن ١، بل إن كثيرا من أئمة الفتنة والاعتزال كانوا من الحنفية المعتزلة ٢ كبشر المريسي ٣ ٢٢٨هـ وتلميذه ابن شجاع البلخي ٢٦٦هـ٤ وابن أبي دؤاد ٥، ومحمد بن أبي الليث ٦، وأبو هاشم الجبائي ٧، والخصّاف٨
_________________
(١) ١ الانتقاء ص١٦٦؛ ولسان الميزان ١/٣٩٩؛ والسنة لعبد الله بن أحمد ١/١٨٢. ٢ انظر تأنيب الخطيب ص١١؛ والتنكيل ١/٢٥٩. ٣ خالف المعتزلة في أفعال العباد ووافق السلف لذا هجرته المعتزلة. انظر الفرق بين الفرق ص٢٠٥. ٤ هو محمد بن شجاع الثلجي. انظر ترجمته في الجواهر المضية ٣/١٧٣؛ والفوائد البهية ص١٧١. ٥ هو أحمد بن أبي دؤاد بن جرير الحنفي المعتزلي قاضي المأمون المتوفى سنة ٢٤٠هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/١٣٤-١٣٥؛ والطبقات السنية ١/٢٩٠-٣٣١؛ وتاريخ بغداد ١/١٤١؛ وسير أعلام النبلاء ١١/١٦٩. ٦ هو محمد بن أبي الليث الأصم الحنفي المعتزلي قاضي مصر وأحد رؤوس الفتنة في تعذيب أهل السنة، انظر عنه في أخبار القضاة لوكيع ٣/٢٤٠-٣٢٦؛ وتاريخ ولاة مصر وقضاتها للكندي ص٣٤٠-٣٤١؛ وضحى الإسلام ٣/١٨٣-٢٨٤؛ وعقيدة الإسلام لأبي الخير ص٥٥٢. ٧ هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي الحنفي المعتزلي إمام الهاشمية من فرق المعتزلة المتوفى سنة ٣٢١هـ عده اللكنوي في عداد الحنفية من المعتزلة في الرفع والتكميل ث٣٨٥. انظر ترجمته وبعض آرائه في تاريخ بغداد ١١/٥٥؛ والميزان ٢/٦١٦؛ واللسان ٤/١٦؛ ومنهاج السنة ١/١٢٧؛ ودرء التعارض ٣/٤٤٤، ٨/٣٢٠؛ وتبصرة الأدلة "٣٧/أ" والمسايرة ص٤٩. ٨ هو أحمد بن عمر الخصّاف بفتح الخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة آخره فاء يقال لمن يخصف النعل. وإنما اشتهر بالخصاف لأنه كان يأكل من صنعته، قال =
[ ٦٢٦ ]
والكعبي ١، ومحمد بن علي البصري ٢، وأبي علي الجبائي ٣، وأبي سعيد البردعي ٤، والحسين البصري٥، وعثمان بن جني ٦
_________________
(١) = عنه اللكنوي: "كان فرضيا عارفا بمذهب أبي حنيفة"، مات سنة ٢٦١هـ. الفوائد البهية ص٢٩. وانظر ترجمته في الجواهر المضية ١/٢٣٠؛ وتاج التراجم ص٧؛ وطبقات الفقهاء ص٤٤، ٤٥؛ والطبقات السنية ١/٤١٨، ٤١٩. ١ هو عبد الله بن أحمد البلخي أبو القاسم الكعبي الحنفي إمام الكعبية من معتزلة بغداد مات في سنة "٣١٩"هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٢/٢٩٦، ٣/٤٠٠؛ وتاج التراجم ص٣٠. ٢ هو محمد بن علي البصري أبو الحسين الحنفي المعتزلي صاحب كتاب المعتمد في الأصول مات في سنة ٤٣٦هـ. ترجم له القرشي في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٣/٢٦١. وانظر ترجمته كذلك في تاريخ بغداد ٣/١٠٠؛ والمنتظم ٨/١٢٦-١٢٧. ٣ هو محمد بن عبد الوهاب الجبائي الحنفي المتوفى سنة ٣٠٣هـ. إما المعتزلة في وقته وشيخ أبي الحسن الأشعري. ذكره اللكنوي في عداد الحنفية من المعتزلة في الرفع والتكميل ص٣٨٥ وأقره المحقق أبو غدة. انظر ترجمته في اللسان ٥/٢٧١. ٤ هو أحمد بن الحسين أبو سعيد البردعي القاضي الحنفي المتوفى سنة ٣١٧هـ. رأس المعتزلة وشيخ أبي الحسن عبيد الله الكرخي. انظر ترجمته في الجواهر المضية في طبقات الحنفية ١/١٦٣؛ والطبقات السنية ١/٣٤١-٣٤٢؛ والفوائد البهية ص١٩. ٥ الحسين بن علي البصري المعتزلي الحنفي قال عنه الصيمري: "لم يبلغ أحد مبلغه في العلمين أعني الفقه والكلام" مات سنة ٣٩٦هـ. انظر أخبار أبي حنيفة للصيمري ص١٦٥؛ والجواهر المضية ٤/٦٣، ٢/٢٢؛ والفوائد البهية ص٦٧. ٦ هو أبو الفتح عثمان بن جني المعتزلي. لم أقف على ترجمة له في طبقات الحنفية غير أنه حنفي معتزلي. انظر تحقيق ذلك في مقدمة الأستاذ/ محمد علي لكتاب الخصائص لابن جني ص٥-٣٩، ٤٠-٤٣.
[ ٦٢٧ ]
وإسماعيل السمان ١، وعبد الجبار الهمداني ٢، والزمخشري ٣، ونجم الدين الزاهدي ٤، وغيرهم من أئمة الاعتزال.
قال السخاوي: "وكان آخر من كان في أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين والمائتين. وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرا شديدا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن نسأل الله السلامة" ٥.
_________________
(١) ١ هو إسماعيل بن علي بن الحسين الحنفي المعتزلي أبو سعيد السمان المتوفى سنة ٤٤٥هـ. انظر ترجمته في الجواهر المضية ١/٤٢٤؛ والطبقات السنية ٢/١٩٧؛ وفقه أهل العراق ص٦٩؛ والعلماء العزاب ص٦٤-٦٧. ٢ هو عبد الجبار بن أحمد بن الخليل بن عبد الله الهمداني نسبة إلى همدان المعتزلي الحنفي المتوفى سنة ٤١٥هـ ولم أقف له على ترجمة له في طبقات الحنفية لكن عدّه اللكنوي في عداد الحنفية من المعتزلة في الرفع والتكميل ص٣٨٥. وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٣/٢٠٢، ٢٠٣. ٣ هو محمود بن عمر الزمخشري نسبة إلى زمخشر قرية من قرى خوارزم قال عنه اللكنوي: "كان إمام عصره بلا مدافع نحويا ذكيا فقيها مناظرا متكلما أديبا شاعرا مفسرا من أكابر الحنفية، حنفي المذهب معتزلي المعتقد". مات سنة ٥٣٨. انظر ترجمته في الفوائد البهية ص٢١٠؛ وتاج التراجم ص٧١؛ وطبقات الفقهاء ص٩٧. ٤ هو مختار بن محمد أبو الرجاء نجم الدين الزاهدي الغزميني نسبة إلى غزمين بفتح الغين ثم الميم المكسورة ثم الياء الساكنة ثم النون قصبة من قصبات خوارزم قال عنه اللكنوي: "كان من كبار الأئمة وأعيان الفقهاء عالما له اليد الباسطة في الخلاف والمذهب والباع الطويل في الكلام والمناظرة صرح ابن وهبان وغيره أنه معتزلي الاعتقاد حنفي الفروع". مات سنة ٦٥٨هـ. انظر الفوائد البهية ص٢١٢؛ والرفع والتكميل ص٣٨٥؛ والنافع الكبير ص١٨. ٥ فتح المغيث ٣/١٤٦.
[ ٦٢٨ ]
وقال المعلمي: "وهل كانت المحنة في زمن المأمون والمعتصم والواثق إلا على يدي ١ أصحابكم - يعني الحنفية من المعتزلة - ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم - يعني أبا حنفية - إلى أن قال: كانت المحنة على يدي أصحابكم، واستمرت خلافة المأمون، وخلافة المعتصم، وخلافة الواثق، وكانت قوة الدولة كلها تحت إشارتهم، فسعوا في نشر مذهبهم في الاعتقاد وفي الفقه في جميع الأقطار، وعمدوا إلى من يخالفهم في الفقه بأنواع الأذى ولذلك تعمدوا أبا مسهر عبد الأعلى بن مسهر عالم الشام وارث فقه الأوزاعي والإمام أحمد بن حنبل حامل راية فقه الحديث وأبا يعقوب البويطي خليفة الشافعي وابن عبد الحكم وغيره" ٢.
وكان من أشد الناس تعذيبا للمخالفين وتحمسا للقول بخلق القرآن، أحمد بن أبي دؤاد قاضي القضاة ومحمد بن أبي الليث قاضي مصر أيام المعتصم والواثق.
قال ابن قديد٣: "ورد كتاب المعتصم على هارون بن عبد الله - قاضي مصر - بحمل الفقهاء في المحنة فاستعفى هارون من ذلك فكتب ابن أبي دؤاد إلى محمد بن أبي الليث يأمره بالقيام في المحنة وذلك قبل ولايته القضاء وكان رأسا في القيام بذلك فحمل نعيم بن حماد والبويطي وخشنام المحدث في جمع كثير سواهم" ٤.
وقال علي بن عمرو بن خالد: "لما استخلف الواثق ورد كتابه على
_________________
(١) ١ هكذا في التنكيل، ولعل الصواب: "على أيدي أصحابكم". ٢ التنكيل ١/٢٥٩-٢٦١. ٣ لعله علي بن الحسين بن خلف بن قديد المصري المتوفى ٣١٢هـ. انظر ترجمته في السير ١٤/٤٣٥، ٤٣٦. ٤ رواه الكندي في كتاب الولاة والقضاة ص٤٤٧.
[ ٦٢٩ ]
محمد بن أبي الليث بامتحان الناس أجمع، فلم يبق أحد من فقيه ولا محدث ولا مؤذن ولا معلم حتى أُخذ بالمحنة، فهرب كثير من الناس، وملئت السجون ممن أنكر المحنة، وأمر ابن أبي الليث بالاكتتاب على المساجد لا إله إلا الله رب القرآن المخلوق فكتب بذلك على المساجد فسطاط مصر، ومنع الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي من الجلوس في المساجد، وأمرهم ألا يقربوه"١.
واستمرت المحنة حتى تولى الخلافة المتوكل، فأظهر الله السنة وفرج عن الناس٢.
قال الذهبي: "وفي سنة ٢٣٤هـ أظهر المتوكل ٣ السنّة، وزجر عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار واستقدم المحدثين إلى سمراء وأجزل لهم صلاتهم ورووا أحاديث الرؤية والصفات" ٤.
وقال ابن الجوزي: "وفي سنة ٤٠٨هـ استتاب القادر ٥ بالله أمير
_________________
(١) ١ الولاة وكتاب القضاء ص٤٥١. ٢ سير أعلام النبلاء ١١/٢٦٥. ٣ هو جعفر بن محمد بن هارون بن محمد القرشي البغدادي العباسي ولد سنة ٢٠٥هـ وبويع له بالخلافة سنة ٢٣٢هـ بعد موت أخيه الواثق بالله فأظهر السنة ونصر أهلها ومحا البدعة مات سنة ٢٤٧هـ مقتولا. تاريخ بغداد٧/١٦٥-١٧٢. وانظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ١٢/٣٠؛ وشذرات الذهب ٢/١١٤-١١٦. ٤ سير أعلام النبلاء ١٢/٣٤. ٥ هو أحمد بن إسحاق بن المقتدر جعفر بن المعتضد العباسي البغدادي قال عنه الخطيب: "وكان من الستر والديانة وإدامة التهجد بالليل وكثرة البر والصدقات على صفة اشتهرت عنه وعرف بها عند كل أحد مع حسن المذهب وصحة الاعتقاد وكان صنف كتابا في الأصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب =
[ ٦٣٠ ]
المؤمنين فقهاء المعتزلة الحنفية فأظهروا الرجوع وتبرأوا من الاعتزال ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطهم بذلك، وأنهم متى خالفوه حل بهم من النكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم" ١.
وقد تقدم بيان موقف الإمام أبي حنيفة من المعتزلة، أما الصاحبان فأبو يوسف كان يرمي المعتزلة بالزندقة ٢، وأما محمد بن الحسن فيوصي من صلّى خلف المعتزلي بإعادة صلاته ٣ ويرى أن المعتزلي لا تجوز الصلاة عليه ٤.
ثالثا - الحنفية من الشيعة:
تقدم التعريف بالشيعة وموقف الإمام أبي حنيفة منهم في الفصل الثاني من الباب الأول بما يغني عن الكلام فيه مرة أخرى وقد ذكر أبو المظفر الإسفراييني أن من أهل الرأي من تلبس بشيء من مقالات الروافض والقدرية، وإذا خاف سيوف أهل السنة نسب ما هو فيه إلى أبي حنيفة تسترا ٥ به وكذا العلامة اللكنوي، وقد ذكر أن من فرق الحنفية
_________________
(١) = مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن ". توفي القادر في سنة ٤٢٢هـ. تاريخ بغداد ٤/٣٧. وانظر ترجمته في المنتظم ٧/١٦٠؛ وسير أعلام النبلاء ١٥/١٢٧. ١ المنتظم ٧/٢٨٧. ٢ الفرق بين الفرق ص١٥٦. ٣ الفرق بين الفرق ص١٥٦. ٤ أصول الدين للبغدادي ص٣٤٢. ٥ التبصير في الدين ١/١١٤.
[ ٦٣١ ]
الشيعة، ومن الحنفية الذين تلبسوا بعقيدة الشيعة الباطنية الحسن بن عبد الله بن سينا المعروف بالرئيس المتوفى سنة٨٢٤هـ فقد قال ابن الصلاح: "كان شيطانا من شياطين الإنس" ١.
ومع هذا هو عند بعض كتاب التراجم من الحنفية ولي من أولياء الله تعالى، صاحب كرامات مشهورة٢. ولم أقف على تعيين سواه من هذه الطائفة.
رابعا - الحنفية من الزيدية:
هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵁ ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂ ولا يرونها في غيرهم، إلا أنهم جوّزوا إمامة المفضول مع وجود الفاضل، لذا صححوا إمامة أبي بكر ﵁. وكان زيد بن علي لا يتبرأ من الشيخين، فلما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة رفضوه فسميت رافضة ٣. وقد تتلمذ زيد بن علي هذا على واصل بن عطاء الغزّال إمام المعتزلة، وحكى المقبلي ٤ عن بعض الأشعرية أن الزيدية مقلدون للمعتزلة في الأصول، والحنفية في الفروع. ولكن علق على ذلك بقوله: "فليس موافقتهم للحنفية غالبة، بل ذلك في بعض أئمتهم"٥.
لكن ذكر الشيخ أحمد عبد الأحد السرهندي الحنفي: "أن الزيدية في
_________________
(١) ١ فتاوى ابن الصلاح ١/٢٠٩. ٢ انظر الجواهر المضية ٢/٦٣؛ وتبديد الظلام ص١٣٧. ٣ انظر مقالات الإسلاميين ص٦٥؛ والملل والنحل ١/١٥٤، ١٥٥. ٤ العلم الشامخ ص١٣. ٥ العلم الشامخ ص١٣.
[ ٦٣٢ ]
الفروع على مذهب أبي حنيفة وفي الأصول على مذهب المعتزلة" ١.
أما الكوثري فقد ذكر أن مذهب زيد بن علي متفق في معظمه مع أبي حنيفة لاتحاد مصدر المذهبين٢.
خامسا - الحنفية من المرجئة:
تقدم التعريف بالمرجئة مع بيان أنواعها في الفصل الثاني من الباب الأول.
ومن الحنفية الذين تلبسوا بعقيدة المرجئة بشر ٣ بن غياث المريسي المتوفى سنة ٢٢٨هـ وإليه تنسب المريسية وقد عدّها بعض كتاب المقالات ٤ من فرق المرجئة. قال عنه الإسفراييني: "منهم المريسية أصحاب بشر المريسي ومرجئة بغداد من أتباعه، وكان يتكلم بالفقه على مذهب أبي يوسف القاضي ولكنه خالفه بقوله إن القرآن مخلوق وكان مهجورا من الفريقين وهو الذي ناظر الشافعي ﵁ في أيامه فلما
_________________
(١) ١ تائية أهل السنة ص١٦، طبعة حسين حلمي بإستنبول تركيا. ٢ مقالات الكوثري ص١٢٣. ٣ وجمع مع الإرجاء تعطيل صفات الرب أخذها عن جهم بن صفوان، وأخذ عنه ابن أبي دؤاد وجرد القول بخلق القرآن لذا كفره كثير من أئمة الإسلام وحكموا عليه بالزندقة وقد ذكر الإمام اللالكائي تكفيره عن ستة وعشرين إماما من أئمة السنة. انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٣٨٢-٣٨٣. وانظر ترجمة بشر في تاريخ بغداد ٧/٥٦-٦٧؛ وفيات الأعيان ١/٢٧٧-٢٧٨؛ وسير أعلام النبلاء ١٠/١٩٩-٢٠٢؛ والجواهر المضية ١/٤٤٧؛ والفوائد البهية ص٥٤. ٤ انظر مقالات الأشعري ص١٤٠؛ والفرق بين الفرق ص١٩٢؛ والتبصير في الدين ص٦١.
[ ٦٣٣ ]
عرف الشافعي أنه يوافق أهل السنة في مسألة والقدرية في مسألة قال له: نصفك مؤمن ونصفك كافر. وكان يقول: الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان كما قاله ابن الراوندي. هذه فرق المرجئة المحضة الذين يتبرأون عن القول بالجبر والقدر" ١.
ومنهم محمد بن كرام السجستاني ٢ المتوفى سنة ٢٥٥هـ وإليه تنسب فرق الكرامية وقد عدها بعض كتاب المقالات من المرجئة ٣.
قال عنه الذهبي: "المبتدع شيخ الكرامية، كان زاهدا عابدا ربانيا بعيد الصوت كثير الأصحاب كان يقول: الإيمان هو نطق اللسان بالتوحيد مجردا عن عقد قلب وعمل جوارح. وقال خلق من الأتباع له: عن الباري جسم لا كالأجسام وكان الكرامية كثيرين بخراسان ولهم تصانيف ثم قلّوا وتلاشوا نعوذ بالله من الأهواء" ٤.
ومنهم أبو منصور الماتريدي الحنفي المتوفى سنة ٣٢٣هـ وإليه تنسب فرقة الماتريدية وقد تقدم الكلام عنه في الفصل الأول من الباب الخامس بما يغني عن الكلام فيه مرة أخرى.
هذه الفرق الخمس التي انتسبت إليها الحنفية ولا يعني هذا أن الحنفية لم يتلبسوا إلا بمقالات هذه الفرق المذكورة آنفا، بل الثابت أن من الحنفية من تلبس بمقالات فرق أخرى كالجهمية ٥، بل إن منهم من اعتنق
_________________
(١) ١ التبصير في الدين ص٦١. ٢ جمع مع بدعة الإرجاء بدعة التجسيم وقد زعم أن الله تعالى له جسم له حد ونهاية. انظر الفرق بين الفرق ص٢١٧. ٣ انظر مقالات الإسلاميين ١/٢٢٣؛ والفرق بين الفرق ص٢٥. ٤ سير أعلام النبلاء ١١/٥٢٣-٥٢٤. ٥ كأمثال أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي المتوفى سنة ١٩٩هـ فقد قال عنه =
[ ٦٣٤ ]
مذهب الحلولية الاتحادية ١.
_________________
(١) = الإمام أحمد "لا ينبغي أن يروى عنه حكوا عنه أنه يقول الجنة والنار خلقتا فستفنيان وهذا كلام جهم". انظر الضعفاء للعقيلي ١/٢٥٦؛ والميزان ١/٥٧٤؛ واللسان ٢/٣٣٤؛ ومحمد بن شجاع البلخي المتوفى سنة ٢٦٦هـ. قال عنه المزي: "كان أحد الجهمية". وقال عنه ابن كثير: "كان أحد عباد الزنادقة". وقال عنه الذهبي: "كان يقول: "عند أحمد بن حنبل كتب الزنادقة". وجاء من غير وجه أنه كان ينال من أحمد وأصحابه ويقول إيش قام به أحمد؟ وكان يقول: أصحاب أحمد يحتاجون أن يذبحوا. وكان يقول إنما أقول كلام الله كما أقول سماء الله وأرض الله. وأوصى وصية كان فيها: "لا يعطى من ثلثي إلا من قال القرآن مخلوق". وكان ينال من الإمام الشافعي ويقول: من الشافعي؟ "إنما كان يصحب بربر المغني" ورجع عن مقالاته هذه لما احتضر. ولقد ادعى هذا الجهمي أن الزنادقة قد وضعوا اثني عشر ألفا من الحديث وروّجوها على رواة الحديث. فتحدّاه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي بوضع عشرة أحاديث فضلا عن اثني عشر ألف حديث. انظر تهذيب الكمال النسخة المصورة ٣/٢١١٠؛ والميزان ٣/٥٧٧-٥٧٩؛ والمشتبه ص٨٩؛ وتهذيب التهذيب ٩/٢٢٠، ٢٢١؛ وتبصير المنتبه ١/١٦٨، وتاريخ بغداد ٥/٣٥١؛ والكشف الحثيث ص٣٧٩؛ ورد الدارمي على بشر المريسي ص١٥٠-١٥١؛ والفوائد البهية ص١٧١. ١ "أ" أمثال السيد الشريف الجرجاني ٨١٦هـ صاحب شرح المواقف. "ب" والفناوي بدر الدين ملا حسن الشبلي "جلي" ابن محمد شاه الرومي ٨٨٦هـ. "ج" والجامي نور الدين عبد الرحمن ٨٩٨هـ. صرح بأن هؤلاء أهل وحدة الوجود وأتباع ابن عربي المحقق ولي الدين في حاشيته على حاشية العصام على شرح التفتازاني على العقائد النسفية ص٢ والجامي يشهد عليه كتابه "الدرة الفاخرة". "د" وهكذا لطف الله بن حسن التوقاني الرومي المقتول ٩٠٠هـ فقد ألف كتابا سماه "السبع الشداد". أوله: "حمدا لك يا من هو الموجود في كل مكان". انظر =
[ ٦٣٥ ]
والرَزِيَّة كل الرزية أن من تلبس بشيء من هذه البدع فإنه ينسب ذلك إلى أبي حنيفة وهو بريء منها.
فقد نسب إليه الحنفية من المعتزلة بعضا من عقائدها١، وكذا المرجئة٢ إرجاء مطلقا.
وقد حقق أهل العلم أن انتسابهم إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى منكر من القول وزور.
_________________
(١) = كشف الظنون ٢/٩٧٦، وهذا حلول صريح. "هـ" وهكذا إسماعيل صفي بن مصطفى الجلوتي الإسلامبولي مؤلف روح البيان ١١٣٧هـ. على الطريقة الجلوتية الصوفية على غلوه في وحدة الوجود، صرح به الكوثري في مقالاته ص٤٨٣. "و" وكذا ابن الفرس أبو اليسير محمد بن محمد بن خليل القاهري ٨٩٤هـ كان مع جلالته وإمامته في العلوم من الاتحادية قال البقاعي ٨٨٥هـ: " فصار من رؤوس الاتحادية التابعين للحلاج وابن عربي وابن الفارض". انظر الضوء اللامع ٦/٢٢٠-٢٢١. "ز" ومنهم صدر الدين أبو الفتح محمد بن يوسف الدهلوي ٨٢٥هـ الاتحادي الخرافي الباطني، راجع نزهة الخواطر ٣/١٦٠؛ والأعلام ٧/١٥٤، والدعوة الإسلامية وتطورها في الهند ص٣٦٧؛ والثقافة الإسلامية في هند ص٢٣٤. "ح" محمد بن شجاع بن معز الدين اليحيوي الهندي الاتحادي ومن أعيان القرن الثالث عشر. انظر نزهة الخواطر ٦/٣١٥؛ والثقافة الإسلامية في الهند ص٢٣٩. ١ كإنكار العلو والاستواء والرؤية. انظر أمثلة على ذلك في صفحة ص١٣ من هذه الرسالة. ٢ من ذلك قول الشهرستاني "ومن العجب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة ﵀ مثل مذهبه في الإيمان ويعده من المرجئة ولعله كذب كذلك عليه". انظر الملل والنحل ١/١٤١.
[ ٦٣٦ ]
وقال ابن أبي العز ﵀:"ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك - يعني علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عشره - ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداته. وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم، وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله ﷿ فوق العرش، مشهورة" ١.
وقال شيخ الإسلام: "وكذلك أهل المذاهب الأربعة وغيرها ولا سيما وقد تلبس ببعض المقالات الأصولية وخلط هذا بهذا، فالحنبلي والشافعي والمالكي يخلط بمذهب مالك والشافعي وأحمد شيئا من أصول الأشعرية والسالمية وغير ذلك، ويضيفه إلى مذهب مالك والشافعي وأحمد.
وكذلك الحنفي يخلط بمذهب أبي حنيفة شيئا من أصول المعتزلة والكرامية والكلابية ويضيفه إلى مذهب أبي حنيفة" ٢.
وقال أبو المظفر الإسفراييني: "قد نبغ من أحداث أهل الرأي من تلبّس بشيء من مقالات القدرية والروافض مقلدا فيها، وإذا خاف سيوف أهل السنة نسب ما هو فيه من عقائده الخبيثة إلى أبي حنيفة تسترا به فلا يغرنك ما ادعوا من نسبتها إليه فإن أبا حنيفة بريء منهم ومما نسبوه إليه" ٣.
وقال شيخ الإسلام: "فما من إمام إلا وقد انتسب إليه أقوام وهو منهم بريء. فقد انتسب إلى مالك أناس، مالك بريء منهم، وانتسب إلى
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠٢، ط دار البيان. ٢ منهاج السنة ٥/٢٦١. ٣ التبصير في الدين ص١١٤ تحقيق الكوثري.
[ ٦٣٧ ]
الشافعي أناس هو منهم بريء، وانتسب إلى أبي حنيفة أناس هو بريء منهم" ١.
وبعد هذا العرض نصل إلى نتيجة واقعية وهي أن الحنيفة تلبس كثير منهم بعقائد فرق شتى، وجعلت كل فرقة تنسب عقيدتها إلى الإمام أبي حنيفة بخاصة وأهل السنة عامة، وكان بين هذه الفرق قدر مشترك من البدع كالتعطيل للصفات، والتحريف لنصوصها تحت ستار التنزيه، والتأويل والقول بالإرجاء. وكان بين هذه الفرق احتكاك لرابطة عقائدية فيما بينها في الجملة. ولاعتناقها المذهب الحنفي، فصار هذا كله سببا مهما في اضمحلال العقيدة الحنفية التي قررها الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه وصارت العقيدة الماتريدية تمثل عقيدة جمهور الحنفية منذ عهد بعيد إلى العصر الحاضر.
_________________
(١) ١ العقود الدرية ص١٥٧. انظر مجموع الفتاوى ٣/١٨٥.
[ ٦٣٨ ]
الخاتمة
الحمد لله الذي يسر وأعان على إتمام هذا البحث في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، فلله وحده الفضل والمنة، وقد توصلت إلى نتائج أجملها فيما يلي:
١- أن العقيدة الصحيحة التي منبعها الكتاب والسنة هي أساس الدين وأصله المتين، وكل ما يبنى على غير أساس فمآله الهدم والانهيار والاضمحلال.
٢- أن اعتقاد أئمة الفقه - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - واحدٌ في أصول الدين. وقد ذكرت نصوص الأئمة الأربعة الواضحة في بيان عقيدتهم ليعرف القارئ الكريم أنهم متفقون في باب الاعتقاد.
٣- أن أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلّع فيه ثم تحوّل عنه إلى السنة لما أدرك خطورته على الدين وضرره على العقيدة.
٤- أن أبا حنيفة اعتصم بنصوص القرآن والسنة في إثبات العقائد فهما العمدة والأصل، ولأن تجاوزهما قول على الله بغير علم وتقديمٌ بين يدي الله ورسوله.
٥- سلك الإمام أبو حنيفة في استدلاله على وجود الله طريقة القرآن والسنة وأعرض عن مناهج المتكلمين وطرقهم.
[ ٦٣٩ ]
٦- أن الضابط للإثبات والتنزيه عند الإمام أبي حنيفة قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١".
وهذا هو الصراط المستقيم في باب صفات الله إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل.
٧- ليس في منهج الإمام أبي حنيفة نوع من التشبيه أو التعطيل، وكذلك لا يوجد في كلام الإمام أبي حنيفة تفويض مطلق، بل الذي في كلام أبي حنيفة تفويض مقيّد بنفي علم الكيفية فقط لا المعنى.
٨- أثبت أبو حنيفة جميع الصفات: ذاتية كانت أو فعليّة بدون تأويل، أو تحريف، وظلّ ملتزما بمنهجه هذا أثناء التطبيق؛ فأبى أن يؤوّل اليد بالقدرة أو النعمة ١، والرضا بالثواب ٢، والغضب بالعقاب ٣.
٩- سلك أبو حنيفة منهج أهل السنة والجماعة في باب القدر، وردّ على المنحرفين فيه من قدرية أو جبرية.
١٠- أثبت أبو حنيفة نعيم القبر وعذابه، وأحوال اليوم الآخر، وأن الجنة والنار موجودتان مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا فناء لهما.
١١- أخذ عليه رحمه الله تعالى أنه خالف جمهور السلف في مسألة إخراج الأعمال عن حقيقة الإيمان، ولعله رجع عنها وإن لم يكن رجع عنها فعفا الله عنا وعنه وغفر الله لنا وله وجمعنا وإياه في مستقر رحمته، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمد ﷺ.
١٢- لم يصل إلينا كتب للإمام أبي حنيفة كتبت بخط يده أو نسخ
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٢ الفقه الأبسط ص٥٦. ٣ الفقه الأبسط ص٥٦.
[ ٦٤٠ ]
معتمدة من تألفيه، غير أنه يوجد كتب منسوبة للإمام أبي حنيفة كالفقه الأكبر برواية حماد بن أبي حنيفة ورسالة أبي حنيفة للبتي والوصية.
وقد صرّح بعض الحنفية أنها ليست من تأليف الإمام مباشرة بل هي أماليه وأقواله قام التلاميذ بجمعها وتأليفها ١.
١٣- المقارنة بين الإمام أبي حنيفة وأبي منصور الماتريدي والماتريدية أظهرت أنهما مختلفان في المنهج متباعدان في التطبيق في كثير من مسائل الاعتقاد. فلم يكن الماتريدي والماتريدية على منهج أبي حنيفة في الاعتقاد وإن انتسبوا إليه في الفروع.
١٤- ليس كل من انتسب إلى أبي حنيفة يعدّ موافقا له في أصول الدين وفروعه، بل هناك من كبار المبتدعة من انتسب إلى أبي حنيفة، وأبو حنيفة بريء منهم كبراءة الذئب من دم يوسف.
١٥- أن بعض أقوال الإمام أبي حنيفة في الاعتقاد لم تسلم من التحريف والتبديل من قبل بعض المبتدعة المنتسبين إلى أبي حنيفة، كقوله في القرآن والرؤية والاستواء وغير ذلك.
وبعد أن عشت مع هذا البحث فترة ليست بالقصيرة ظهر لي أن هناك جانبا مهما لم يعط حقه من الدراسة ألا وهو تنقية عقائد أئمة الفقه الأربعة مما علق بها من آراء مذهبية كلامية وتأويلات جهمية، ولهذا فإنني أقترح على الدوائر العلمية الإسلامية ما يلي:
أولا: تشجيع الدارسين والباحثين على الكتابة في عقائد الأئمة الفقهاء الأربعة وأصحابهم الأوائل مع كشف ما أدخل عليهم وما علق بهم من آراء المبتدعة وتأويلاتهم.
_________________
(١) ١ انظر تفصيل ذلك في ص١٤٠.
[ ٦٤١ ]
ثانيا: أن تكون دراسة العقيدة من مصدرها الأول الكتاب والسنة بعيدا عن تعقيدات المتكلمين والفلاسفة وجدلهم العقيم، ولا نخضع تلك الأدلة لتفسيرات المتكلمين وطريقتهم في الجدل.
ثالثا: تشجيع اتّجاه دراسة عقائد أتباع أئمة الفقه الأربعة ثم مقارنتها بعقيدة الأئمة لإظهار الفرق بينها مع بيان قربها أو بعدها من الكتاب والسنة فطالما يتساءل الإنسان هل أتباع الأئمة الأربعة متبعون لهم في الاعتقاد؟ أم هم مخالفون لهم؟ وهل تتفق عقائدهم مع ما جاء به التنزيل وما فطر الله عليه العباد أم لا؟
أم هم اعتنقوا أصول مذاهب مختلفة نتج عنها ميراث الخلاف المذهبي الذي يعيش فيه المسلمون اليوم بما له من آثار سيئة على الأمة والمجتمع الإسلامي؟.
رابعا: العمل على إثراء عقيدة السلف بتدوين تاريخ العقيدة السلفية إذ الحاجة ماسة إلى هذا، وأن تكون تلك الدراسة من مصادرها الأصلية وتنقيتها من الدخيل مع إعادة تقييم السلف على أنهم الأسلم والأحكم والأعلم.
وفي الختام فهذا جهد المقل، فقوى الإنسان محدودة قاصرة، فلا بد من خلل وهفوة، فإن التقصير وكثرة العيوب من صفات المخلوقين. وقد قيل: من صنّف فقد استُهدف، فرجائي من القارئ الكريم التماس العذر لكل نقص وهفوة في هذا البحث وبذل النصيحة خالية من الفضيحة، والله أسأل أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه الكريم وأن يوفقنا جميعا لهدي كتابه والسير على سنة رسوله ﷺ والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٦٤٢ ]