أثنى الله على صحابة رسول الله ﷺ في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "سورة التوبة: الآيتان ٨٨-٨٩".
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ "سورة التوبة: الآية١٠٠".
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ "سورة الأنفال: الآية٧٤".
فوصفهم الله بأنهم مؤمنون حقا، ومجاهدون بأموالهم وأنفسهم صدقا، وهم المفلحون والفائزون بمغفرة الله ورضوانه، فلهم من عنده تعالى الخيرات والرزق الكريم وجنات النعيم. فأي ثناء أبلغ من هذا الثناء وأي فضل أبلغ من هذا!.
[ ٥٣٩ ]
وكذا أثنى عليهم النبي ﷺ في أحاديث صحيحة منها حديث جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها " ١.
وحديث عمران بن حصين ﵁ قال: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ٢.
وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مدَّ أحد ولا نصيفه" ٣.
فالحديث الأول فيه بيان لفضيلة بعض أصحاب النبي ﷺ ممن بايعوه تحت الشجرة وأنهم لا يدخلون النار.
أما الحديث الثاني ففيه إثبات الخيرية لجميع الصحابة ﵃، الذين هم خير القرون، وأنهم مقدمون في الفضل على من جاء بعدهم من التابعين.
أما الحديث الثالث ففيه بيان لفضل أصحاب رسول الله ﷺ، حيث
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة ٤/١٩٤٢ ح"٢٤٩٦" من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. ٢ أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ ٧/٣ ح"٣٦٥٠" ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ٤/١٩٦٤ ح"٢٥٣٥" كلاهما من طريق زهدم بن مضرّب عن عمران بن الحصين. ٣ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذا خليلا " ٧/٢١ ح"٣٦٧٣" من طريق ذكوان عن أبي سعيد البخدري، ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب تحريم سب الصحابة ٤/١٩٦٧ ح"٢٥٤٠" من طريق أبي صالح عن أبي سعيد الخدري.
[ ٥٤٠ ]
وصفهم بالصحبة، ونهى عن التعرض لهم وأوجب ذكرهم بالقول الحسن.
وهذا هو ما عليه الإمام أبو حنيفة طاعة لربه وامتثالا لأمر نبيه محمد ﷺ فهو يحب جميع الصحابة ويترضى عنهم ويتولاهم ولا يتبرأ من أحد منهم ولا يذكرهم إلا بالخير. دل على هذا قول الإمام أبي حنيفة: "ولا نذكر أحدا من أصحاب الرسول إلا بخير" ١.
وقوله: "ولا نتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ولا نوالي أحدا دون أحد" ٢.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونحب أصحاب الرسول ﷺ ولا نفرِّط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" ٣.
وقال: "ومن أحسنَ القول في أصحاب رسول الله ﷺ وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النفاق" ٤.
وكان أبو حنيفة يقول: "مقام أحدهم مع رسول الله ﷺ ساعة واحدة خير من عمل أحدنا جميع عمره وإن طال" ٥.
ويشهد الإمام أبو حنيفة لمن شهد له الرسول ﷺ من الصحابة بالجنة.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٤. ٢ الفقه الأبسط ص٤٠. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٨. ٥ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٧٦.
[ ٥٤١ ]
حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وإن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة على ما شهد لهم رسول الله ﷺ وقوله حق وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة ﵃ أجمعين" ١.
دل على هذا قول النبي ﷺ: " عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، ولو شئت لسميت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد " ٢.
وقول النبي ﷺ: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد في الجنة، وسعيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" ٣.
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني صص٥٨. ٢ أخرجه أبو داود كتاب السنة باب في الخلفاء ٥/٣٩ ح"٤٦٤٩" من طريق عبد الرحمن بن الأخنس عن سعيد بن زيد والترمذي كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ٥/٦٤٨ ح"٣٧٤٨" والحاكم في المستدرك ٣/٤٤٠ كلاهما من طريق حميد بن عبد الرحمن عن سعيد بن زيد، قال الترمذي: "سمعت محمدا: يقول: "هو أصح من الحديث الأول". وقال الألباني: "صحيح". انظر تخريج الألباني على شرح العقيدة الطحاوية ص٥٥٠. ٣ أخرجه أحمد في المسند ١/١٩٣. الترمذي كتاب المناقب باب مناقب عبد الرحمن بن عوف ٥/٦٤٧ ح"٣٧٤٧" كلاهما من طريق عبد الرحمن بن حميد عن أبيه قال الألباني في صحيح الجامع ١/٧٠: "صحيح" وكذا في تخريج الطحاوية ص٥٥١ وكذا في مشكاة المصابيح ٣/١٧٢٧.
[ ٥٤٢ ]
هذه هي عقيدة الإمام أبي حنيفة في الصحابة؛ فهو يحبهم جميعا، ويتولاهم ولا يفرط في محبة أحد منهم، ولا يذكرهم إلا بالخير.
[ ٥٤٣ ]