يرى الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن من شرط الإمام أن يكون قرشيا. دل على هذا المعتقد قول البغدادي: "دلت الشريعة على أن قريشا لا يخلو منهم من يصلح للإمامة، فلا يجوز إقامة الإمام للكافة من غيرهم. فقد نص الشافعي ﵁ على هذا في بعض كتبه وكذلك رواه زرقان ١ عن أبي حنيفة " ٢.
وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو مذهب الأئمة الثلاثة قال الإمام مالك: "ولا يكون - أي الإمام - إلا قرشيا وغيره لا حكم له" ٣.
وقال الإمام أحمد: "الخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن يتنازعهم فيها ولا يخرجه عليهم" ٤.
وما ذهب إليه أئمة الفقه الأربعة هو قول جماهير أهل العلم.
قال ابن حجر: "ذهب جمهور أهل العلم أن شرط الإمام أن يكون قرشيا" ٥.
_________________
(١) ١ لعله محمد بن حفص الزرقان. ٢ أصول الدين للبغدادي ص٢٧٥. ٣ أحكام القرآن لابن العربي ٤/١، ١٧٢. ٤ طبقات الحنابلة ١/٢٦. ٥ فتح الباري ١٣/١١٨.
[ ٥٥٧ ]
والأصل في هذه المسائل ما ثبت في الصحيحين عن جماعة من الصحابة مما يدل على أن الإمامة في قريش. من ذلك ما رواه البخاري في صحيحه كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش عن معاوية ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "إنا هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين" ١.
وعن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان" ٢.
ومن ذلك ما رواه مسلم في كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش.
عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليّ فسألت أبي ماذا قال رسول الله ﷺ؟ فقال كلهم من قريش" ٣.
وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الناس تبع لقريش في هذا الشأن مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم" ٤.
قال النووي في الكلام على هذا الحديث: "إن الخلافة مختصة
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء في قريش ١٣/١١٣ ح٧١٣٩ من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم. ٢ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب الأمراء من قريش ١٣/١١٤ ح٧١٤٠ من طريق عاصم بن محمد عن أبيه عن ابن عمر. ٣ أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش ١٣/١٤٥٢ ح٨٢ من طريق عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة. ٤ أخرجه مسلم كتاب الإمارة باب الناس تبع لقريش ٣/١٤٥١ ح١٨١٨ من طريق الأعرج عن أبي هريرة.
[ ٥٥٨ ]
بقريش لا يجوز عقدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومن خالف فيه من أهل البدع أو عرض بخلاف من غيرهم فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين من بعدهم بالأحاديث الصحيحة" ١.
فالمقصود أن اشتراط القرشية أمر متفق عليه بين السلف، ولم يخالفهم إلا المبتدعة ٢ كبعض المعتزلة والأشاعرة وغيرهم ٣.
_________________
(١) ١ شرح صحيح مسلم ١٢/٢٠٠. ٢ فمن المعتزلة ضرار بن عمرو والنظام ومن الأشاعرة إمام الحرمين الجويني، انظر الملل والنحل ١/٩١؛ وغياث الأمم ص٧٩، ٨٠، ٨٢. ط الثانية، وشرح صحيح مسلم ١٢/٢٠٠. ٣ طائفة من الخوارج، انظر شرح صحيح مسلم ١٢/٢٠٠.
[ ٥٥٩ ]