١- اسمه ونسبه
"أ" اسمه: هو النعمان بن ثابت بن زوطي بضم الزاي وفتح الطاء الخزَّاز الكوفي ١.
_________________
(١) ١ انظر ترجمته في المعارف لابن قتيبة ص٤٩٥؛ والفهرست لابن النديم ص٢٥٥؛ والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٨١؛ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/٤٤٩؛ طبقات الفقهاء للشيرازي ص٨٦؛ الطبقات االكبرى لابن سعد ٦/٣٦٨، ٣٦٩؛ وتاريخ بغداد ١٣/٣٢٣-٤٥٤؛ وتذكرة الحفاظ ١/١٦٨؛ وسير أعلام النبلاء ٦/٣٩٠؛ والكامل في التاريخ ٥/٥٨٥؛ وفيات الأعيان ٥/٤٠٥-٤١٥؛ وميزان الاعتدال ٤/٢٦٥؛ والنجوم الزاهرة ٢/١٢؛ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٤٩؛ والطبقات لخليفة بن خياط ص١٦٧؛ شذرات الذهب ١/٢٧٧؛ طبقات الحفاظ للسيوطي ص٧٣، وإسنادها صحيح ورجال السند ثقات. ومن الكتب التي أفردت في ترجمة الإمام أبي حنيفة هي: فضائل أبي حنيفة لعبد الله محمد السعدي المعروف بابن العوَّام، أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري، وقلائد عقود العقيان في مناقب الإمام أبي حنيفة لأبي القاسم بن عبد العليم الحنفي، مناقب الإمام أبي حنيفة للذهبي، مناقب =
[ ٦٣ ]
أجمعت مصادر ترجمته على ذلك، ولم تختلف إلا ما رواه الصيمري عن إسماعيل بن حماد؛ حيث قال: "أنا إسماعيل بن النعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان" ١. ونقلها عنه الخطيب في تاريخه٢، والغزي في الطبقات السنية٣.
"ب" نسبته:
نسبته إلى الخزاز ٤ بفتح المعجمتين وتشديد الزاي. وإنما قيل ذلك؛ لأنه كان يبيع الخز، ويأكل منه طلبا للحلال ٥. أما نسبته بالكوفي؛ فلأن موطنه الذي ولد وعاش فيه هو الكوفة. أما نسبته بالتيمي؛ فلأن جده زوطي مولى لبني تيم الله بن ثعلبة من بني ربيعة ٦.
"ج" كنيته:
أبو حنيفة، أجمعت مصادر ترجمته على ذلك.
_________________
(١) = أبي حنيفة للمكي، وعقود الجمان للصالحي والخيرات الحسان للهيتمي. ١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٢. وإسنادها موضوع. ٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٢٦. ٣ ١/٧٤، ٧٥. ٤ الخزُّ: هي ثياب منسوجة من صوف وإبرسيم أو المنسوجة من إبرسيم. تاج العروس ٤/٣٣ فمن يبيع الخز أو يصنعه يسمى خزازا وكان أبوحنيفة خزازا يبيع الخز. انظر تاريخ بغداد ١٣/٣٢٤. ٥ الأنساب للسمعاني ٥/١٠٣ واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ١/٤٣٩. ٦ المجروحين ٣/٦٣.
[ ٦٤ ]
٢- مولده وموطنه
ولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى سنة ثمانين من الهجرة بالكوفة، في خلافة عبد الملك بن مروان، وقيل: إنه ولد سنة إحدى وستين ١. حكاه الخطيب في تاريخه، وقال: "لا أعلم لصاحب هذا القول متابعا" ٢. وقال المكي في مناقب أبي حنيفة ٣: "هذه الرواية تخالف ما تقدم، والصحيح هي الرواية الأولى تجميع عليها".
٣- نشأته وصفاته
"أ" نشأته:
ولد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في الكوفة، وقضى سنوات عمره الأولى فيها، أما كيفية نشأته فإن كتب التراجم ضَنَّت علينا بالأخبار في هذا الصدد، ولم تذكر سوى أنه اشتغل في مبدأ أمره تاجرا في الخز، وله دكان معروف في دار عمر بن حريث ٤، وأنه كان أمينا في تجارته ولا يغش، ولا يخدع أحدا، حتى أصبح عريفا على الحاكة بدار
_________________
(١) ١ إسناد هذه الرواية لا يصح، فيه عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة لم أجد من ترجم له وداود بن علية ضعيف عابد كما في التقريب وقال ابن معين: ضعيف ولا يكتب حديثه. الكامل لابن عدي ٣/٩٨٤ ومزاحم بن داود: قال ابن أبي حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر تهذيب التهذيب ١٠/١٠٠. ٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٠. ٣ وإسناد الرواية الأولى صحيح، لأن مولده سنة ٨٠هـ. ٤ تاريخ بغداد ١٣/٣٢٥.
[ ٦٥ ]
الخَزَّازين ١، ثم توسعت تجاراته، ونمت وازدهرت حتى أصبح له معمل لحياكة الخز، وعنده صنّاع وأجراء ٢.
"ب" صفاته:
أولا - صفاته الخِلقية:
كان الإمام أبو حنيفة، رحمه الله تعالى، فصيح اللسان، عذب المنطق، إن تكلم أحسن الناس منطقا، وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد، وكان جميلا تعلوه سمرة، حسن الوجه والهيئة نظيف الملبس، طيب الرائحة، حتى إنه يعرف بريح الطيب إذا أقبل أو إذا خرج من منزله قبل أن يرى.
وصفه تلميذه أبو يوسف بقوله: "كان أبو حنيفة ربعا من الرجال، ليس بالقصير ولا بالطويل، وكان أحسن الناس منطقا وأحلاهم نغمة، وأنبههم على ما يريد" ٣.
ووصفه عمر بن حماد بقوله: "إن أبا حنيفة كان طوالا، تعلوه سمرة، وكان لبسا، حسن الهيئة، كثير التعطر يعرف بريح الطيب إذا أقبل وإذا خرج من منزله قبل أن تراه" ٤.
قال الهيثمي: "ولا تنافي بين كونه ربعة وبين كونه طوالا لأنه قد يكون مع كونه ربعة أقرب إلى الطول"
_________________
(١) ١ الكامل لابن عدي ٧/. ٢ العبر في تاريخ من غبر ١/٢١٤، تحقيق المنجد، الكويت. ٣ تاريخ بغداد ١٣/١٣٣٠، ٣٣١. ٤ تاريخ بغداد ١٣/٣٣١.
[ ٦٦ ]
ووصفه تلميذه عبد الله بن المبارك بقوله: "كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب" ١.
وقال أبو نعيم الفضل بن دكين يصفه:"كان أبو حنيفة حسن الوجه، والثوب، والنعل، وكثير البر والمؤاساة لكل من أطاف به" ٢.
وجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، كان حسن السمت والمظهر، نظيف الملبس، مع حسن العشرة والبر والمواساة لمجالسيه.
ثانيا - صفاته الخُلقية:
وأما صفاته الخُلُقية فكان ﵀ ورعا، تقيا، شديد الذَّبِّ عن محارم الله أن تؤتى، زاهدا، عرضت عليه الدنيا والأموال العظيمة فنبذها وراء ظهره، ولقد ضُرب بالسياط وعذّب ليقبل تولِّي القضاء أو بيت المال فأبى. روى الصيمري عن الربيع بن عاصم قال: "أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة ٣ فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى، فضربه عشرين سوطا" ٤.
كذلك عرض عليه ابن هبيرة - والي العراق - قضاء الكوفة فأبى وامتنع، فحلف ابن هبيرة إن هو لم يفعل ليضربه بالسياط على رأسه، فقيل لأبي حنيفة فقال: ضربة لي في الدنيا أسهل عليّ من مقامع الحديد في
_________________
(١) ١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص٣. ٢ أخبار أبي حنيفة وأصحابه للصيمري ص٢. ٣ هو يزيد بن عمر بن هبيرة أبو خالد الفزاري أمير وقائد من ولاة الدولة الأموية قال عنه الذهبي: "كان بطلا شجاعا سائسا جوادا فصيحا خطيبا" قتله السفاح سنة ١٣٢هـ. سير أعلام النبلاء ٦/٢٠٧. ٤ أخبار أبي حنيفة للصيمري ص٥٧.
[ ٦٧ ]
الآخرة، والله لا أفعلنّ ولو قتلني، فحكي قوله لابن هبيرة فقال: بلغ قدره أن يعارض يميني بيمينه، فدعاه فحلف إن لم يل القضاء ليضربن على رأسه حتى يموت، فقال له أبو حنيفة: هي موتة واحدة، فأمر به فضرب عشرين سوطا على رأسه، فقال أبو حنيفة: اذكر مقامك بين يدي الله، فإنه أذل من مقامي بين يديك، ولا تهددني فإني أقول: لا إله إلا الله، والله سائلك عني حيث لا يقبل منك جوابا إلا بالحق، فأومأ إلى الجلاد أن أمسك وبات أبو حنيفة في السجن، فأصبح وقد انتفخ وجهه ورأسه من الضرب، فقال ابن هبيرة: إني قد رأيت النبي ﷺ وهو يقول لي: أما تخاف الله تضرب رجلا من أمتي بلا جرم وتهدِّده، فأرسل إليه فأخرجه واستحلّه ١.
وكذلك عرض ٢ عليه الخليفة العباسي المنصور القضاء، فأبى، فسجنه، ومات محبوسا في السجن، ﵀.
ولعل رفضه لهذا المنصب يعود إلى جملة أسباب منها: خوفه من الله تعالى؛ حيث خشي أن يجور في حكم من الأحكام التي تعرض عليه، فلذلك آثر الضرب بالسياط في الدنيا على مقامع الحديد في الآخرة.
أضف إلى ذلك أن القضاة تعرض عليهم منازعات يتصل بعضها بأمراء ذلك العصر وحكّامه، والإمام لا يمالئ أميرا أو يجامل وزيرا، أو يحابي كبيرا، في محارم الله أن تؤتى. وكان مع زهده وورعه كثير العبادة، حتى قيل إنه سمي الوتد ٣ لكثرة صلاته وتهجّده وطول قيامه.
_________________
(١) ١ كتاب أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٥٨ بتصرف. ٢ المنتظم "ق-٢٣٨-ب" مخطوطة في مكتبة أيا صوفيا بتركيا. ٣ تاريخ بغداد ١٣/٣٥٤.
[ ٦٨ ]
وكان كريما، جوادا، سخيا بماله، ينفق على العلماء مثلما كان ينفق على عياله، وإذا اكتسى ثوبا فعل مثل ذلك، وإذا جاءته الفاكهة والرطب، وكل شيء يريد أن يشتريه لنفسه ولعياله، لا يفعل ذلك حتى يشتري للعلماء مثله، ثم يشتري بعد ذلك لعياله.
وكان إذا اشترى للصدقة أو لبرِّ إخوانه شيئا اشترى ما يقدر عليه، وكان يتساهل فيما يشتريه لنفسه ولعياله ١. هذا فعله مع العلماء، أما من يعلمه، فهو يبرّهم ويواسي فقيرهم بماله، وينفق عليه ويزوج من احتاج إليه، حتى إنه كان يعول أبا يوسف وعياله عشر سنين ٢.
قال شريك: "كان أبو حنيفة يصبر على من يعلمه، وإن كان فقيرا أغناه، وأجزل عليه وعلى عياله، حتى يتعلم، فإذ تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام" ٣.
وقال الفضيل بن عياض: "كان أبو حنيفة معروفا بكثرة الأفعال، وقلة الكلام وإكرام العلم وأهله"٤.
وجملة القول في هذا المقام أن الإمام أبا حنيفة، رحمه الله تعالى؛ قد جمع الكثير من الخصال، والصفات الحميدة، والأخلاق والشمائل الكريمة، فقد ألِّفت في مناقبه مصنفات وأجزاء.
أختتم هذا المبحث بقول أبي يوسف يصف خصال الإمام الحسنة، حينما سأله عنها الخليفة العباسي هارون الرشيد فقال: "يا أبا يوسف صف
_________________
(١) ١ أخبار أبي حنيفة ص٤٩ بتصرف. ٢ أخبار أبي حنيفة ص٤٨. ٣ أخبار أبي حنيفة ص٤٨. ٤ أخبار أبي حنيفة ص٥٠.
[ ٦٩ ]
لي أخلاق أبي حنيفة ﵁، فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ "سورة ق: الآية١٨".
وهو عند لسان كل قائل، كان علمي بأبي حنيفة أنه كان شديد الذب عن محارم الله أن تؤتى، شديد الورع أن ينطق في دين الله بما لا يعلم، يحب أن يطاع الله ولا يعصى، مجانبا لأهل الدنيا في زمانهم، لا ينافس في عزها، طويل الصمت، دائم الفكر، على علم واسع، لم يكن مهذارا، ولا ثرثارا، إن سئل عن مسألة كان عنده فيها علم، نطق وأجاب فيها بما سمع، وإن كان غير ذلك قاس على الحق واتبعه، صائنا نفسه ودينه، بذولا للعلم والمال، مستغنيا بنفسه عن جميع الناس، لا يميل إلى طمع، بعيدا عن الغيبة، لا يذكر أحدا إلا بخير، فقال له الرشيد: هذه أخلاق الصالحين، ثم قال للكاتب: اكتب هذه الصفة وادفعها إلى ابني ينظر فيها " ١
٤- وفاته
توفي ﵀ ليلة النصف من شعبان سنة خمسين ومائة من الهجرة، ودفن في مقابر الخيزران ببغددا، ولما مات كان عمره سبعين عاما ٢.
قال الذهبي في وصف قبر أبي حنيفة: "وعليه قبة ٣ عظيمة،
_________________
(١) ١ أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص٣١، ٣٢. ٢ الانتقاء ص١٧١. ٣ أحدثت هذه القبة في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة قال ابن الجوزي في المنتظم: "قرأت بخط أبي الوفاء ابن عقيل، كان قبر أبي حنيفة عليه=
[ ٧٠ ]
ومشهد فاخر ببغداد" ١.
قلت: لا يزال قبر أبي حنيفة مبنيا عليه بناء تعلوه قبة مفروشة بالقاشي الأزرق، وإلى جنبه جامع تقام فيه الجمعة والجماعة، وله صحن يجتمع فيه الناس في الأعياد والمواسم الدينية كما هو ظاهر في الصورة - الفوتغرافية ٢ كما في كتاب مراقد المعارف - وهذه مخالفة صريحة لعقيدة الإمام أبي حنيفة ﵀ من المدعين تعظيمه؛ فقد كره أن يبنى على القبر، وأن يعلَّم بعلامة ٣ متّبعا في ذلك النص الشرعي؛ فقد روى
_________________
(١) = التركمان سقفا ثم قدِم شرف الملك في سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة فأحدث هذه القبة وكان قد وضع أساس مسجد بين يدي ضريح أبي حنيفة، فهدم شرف الملك أبنية ذلك، وما يحيط بالقبر وحفروا أساسات، وكانوا يطلبون الأرض الصلبة فأخرجوا أربعمائة صن ** من عظام الموتى قال ابن عقيل فقلت وما يدريكم لعله خرجت عظامه في هذه العظام وبقية القبة فارغة". المنتظم "ق-٢٣٨-أ" مخطوط في مكتبة أحمد الثالث بتركيا. ١ سير أعلام النبلاء ٦/٤٠٣. ٢ مراقد المعارف لمحمد حرز الدين ١/٩٦، ط/ الأولى، النجف. ٣ انظر بدائع الصنائع ١/٣٢٠، وتحفة الفقهاء ٢/٢٥٦، والمتانة ص٣٠١، وفتح الملهم ٢/١٢١، ومعارف السنن ٣/٣٠٥، ٣٠٧، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٤٠٥؛ ط/ دار إحياء التراث العربي. * خربشت لم أعرف معناها ولعلها "خشت" والخشت بالفارسية هو اللبن الذي يصنع من الطين. انظر قاموس الفارسية لعبد المنعم محمد حسنين ط. دار الكتاب العربي، ص٣١٨. ** صَنَّ: لم أعرف معناها ولعلها" صن" بفتح الصاد المهملة، شبه السلة المطبقة يجعل فيها الطعام أو الخبز. انظر القاموس ص١٥٦٣، وتاج العروس ٩/٢٦١ فعلى هذا يكون المعنى: أربعمائة كيس من عظام الموتى". والله أعلم."
[ ٧١ ]
مسلم عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصَّص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يبنى عليه" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب النهي عن تجصيص القبر ٢/٦٦٧ ح٩٧٠، وأبو داود كتاب الجنائز باب في البناء على القبر ٣/٥٥٢ ح٣٢٢٥. والترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تجصيص القبور والكتابة عليها ٣/٣٥٩ ح١٠٥٢، وابن ماجه: كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها ١/٤٩٨ ح١٥٦٢.
[ ٧٢ ]