يذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن جميع أفعال العباد مخلوقة، خلقها الله ﷿ في الفاعلين لها، دل على هذا قوله: "نقرّ بأن العبد مع أعماله وإقراره ومعرفته مخلوق، فلما كان الفاعل مخلوقا، فأفعاله أولى أن تكون مخلوقة" ١.
وقوله: "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم، والله تعالى خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" ٢.
قال محمد بن الحسن بعدما ذكر قول٣ عبد الله بن مسعود ﵁: "تكون النطفة في الرحم أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يومان ثم يعطى خلقه: فيقول: رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما رزقه - قال محمد بن الحسن وبهذا نأخذ وبه كان يأخذ أبو حنيفة، الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره" ٤.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب
_________________
(١) ١ الوصية مع شرحها ص١٤. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣. ٣ أصله في صحيح مسلم ٤/٢٠٣٦ يرفعه عبد الله بن مسعود إلى النبي ﷺ. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٧٠٤.
[ ٥٢٩ ]
أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد" ١.
وما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة هو ما جاءت به الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "سورة الزمر: الآية٦٢".
فيخبر الله تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها وربها والمتصرف فيها وكلٌ ما تحت تدبيره وقهره وكلاءته ٢، فأفعال العباد من جملة المخلوقات.
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ "سورة الحديد: الآية٢٢".
فما يصيب الخلق من خير وشر، كله قد كتب في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلقها ﷾، فالله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعالهم من الطاعات والمعاصي. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "سورة الصافات: الآية٩٦".
قال البغوي في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: بأيديكم من الأصنام، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى" ٣.
وقال ابن جرير في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "وجهان": أحدهما أن يكون قوله "ما" يعني المصدر؛ فيكون معنى الكلام حينئذ والله خلقكم وعملكم، والآخر أن يكون بمعنى الذي فيكون معنى الكلام عند ذلك: والله خلقكم والذي تعملونه: أي والذي تعملون منه الأصنام، وهو الخشب
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٣. ٢ تفسير ابن كثير ٦/١٠٥. ٣ تفسير البغوي ٤/٣١.
[ ٥٣٠ ]
والنحاس والأشياء التي كانوا ينحتون منها أصنامهم" ١.
ورجّح الوجه الثاني ابن جرير ٢ وابن القيم ٣ ورجح الأول ابن كثير ٤.
ومن السنة حديث حذيفة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "الله يصنع كل صانع وصنعته" ٥.
وصحّ عن ابن عمر أنه قال: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" ٦.
وما ذهب إليه أبو حنيفة في أفعال العباد وأنها مخلوقة لله تعالى هو عين مذهب السلف.
قال اللالكائي: "إن أفعال العباد كلها مخلوقة لله ﷿ طاعتها ومعاصيها" ٧.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ٣٣/٧٥. ٢ تفسير ابن جرير ٢٣/٧٥. ٣ شفاء العليل ص٢٣٤. ٤ تفسير ابن كثير ٦/٢٢. ٥ أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد ٣٩، ٤٠، وابن أبي عاصم في السنة ١/١٥٨، وابن مندة في التوحيد ١/٢٦٧؛ واللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/٥٣٨، ٢٣٩، والحاكم في المستدرك ١/٣١، ٣٢؛ والبيهقي في الأسماء والصفات ٣٣٨، وفي شعب الإيمان ١/٥٠١، ٥٠٢؛ جميعهم من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة والبزار في مسنده كما في مجمع الزوائد ١/١٥٨؛ وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح غير أحمد وهو ثقة" وقال الألباني: "إسناده جيد"، انظر ظلال الجنة ١/١٥٨، وصححه في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/١٨١. ٦ خلق أفعال العباد ص٤١. ٧ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٣٤-٥٣٧.
[ ٥٣١ ]
ثم ذكر ما وري عنه ذلك من الصحابة، ومن قال به من التابعين، ومن الفقهاء من أهل مكة ومصر والشام والكوفة والبصرة وبغداد. قال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبو حنيفة: "من أهل الكوفة عبد الله بن شبرمة ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وسفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك وأبو حنيفة النعمان بن ثابت وأبو يوسف ومحمد بن الحسن " ١.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أفعال العباد مخلوقة باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كما نص على ذلك سائر أئمة الإسلام، الإمام أحمد ومن قبله ومن بعده حتى قال بعضهم: من قال: إن أفعال العباد غير مخلوقة فهو بمنزلة من قال: إن السماء والأرض غير مخلوقة" ٢.
فالمقصود أن فعل العبد فعله حقيقة، وهو مخلوق ومفعول له سبحانه، وليس هو نفس فعل الله، ففرق بين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق ٣.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢/٥٣٤-٥٣٧. ٢ مجوع الفتاوى ٨/٤٠٦. ٣ مجموع الفتاوى ٨/٢٣٨، ٣٩٣ بتصرف.
[ ٥٣٢ ]