ذهب الجمهور من أهل السنة١ إلى عدم جواز الخروج على الإمام الجائر، لما يترتّب على الخروج على السلطان من المفاسد الكثيرة من سفك للدماء، وزهق للأرواح ونهب للأموال، واستحلال للمحارم، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات، ومضاعفة للأجور ٢.
وقد دلّت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب طاعة وليّ الأمر وعدم الخروج عليه، ما لم يأمر بمعصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ "سورة النساء: الآية٥٩".
وقال النبي ﷺ: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى
_________________
(١) ١ انظر شرح النووي على مسلم ١٢/٢٢٩، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٦٧، ١٦٨، ١٧٥، ١٧٦، وكتاب الشريعة ص٣٨، وأصول السنة ص٩٨. ٢ انظر شرح العقيدة الطحاوية ص٤٣٠.
[ ٥٦٤ ]
الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني" ١.
وقال النبي ﷺ: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" ٢.
وقال النبي ﷺ: "من رأى منكم من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية" ٣.
قال ابن المديني: " ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد اجتمع عليه الناس فأقروا له بالخلافة بأي وجه كانت برضا أو بغلبة فهو شاق هذا الخارج عليه العصا، وخالف الآثار عن رسول الله ﷺ فإن مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة" ٤.
وقال الإمام أحمد: "ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء والغنائم إلى الأمراء عدلوا أو جاروا، والانقياد لمن ولاه الله ﷿
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ١٣/١١١ ح٧١٣٧، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية ٣/١٤٦٦ ح١٨٣٥ كلاهما من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. ٢ أخرجه البخاري كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية ١٣/١٢١ ح٧١٤٤، ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٣/١٤٦٩ ح١٨٣٩ كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر. ٣ أخرج البخاري كتاب الفتن باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدي أمورا تنكرونها" ١٣/٥ ح٧٠٥٤ ومسلم كتاب الإمارة باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن ٣/١٤٧٨ ح١٨٤٩ كلاهما من طريق أبي رجاء العطاردي عن ابن عباس. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٦٨.
[ ٥٦٥ ]
أمركم لا تنزع يد من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك يجعل الله لك فرجا ومخرجا، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع. فإن أمرك السلطان بأمر - هو لله ﷿ معصية - فليس لك أن تطيعه، وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كف يدك ولسانك وهواك، والله ﷿ المعين" ١.
وقال البخاري: "ولا تنازع الأمر أهله لقول النبي ﷺ: "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم، إخلاص العلم لله، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم" ٢، وألا يرى السيف على أمة محمد ﷺ"٣.
وقال أبو زرعة الرازي: "ولا نرى الخروج على الأئمة ولا القتال في فتنة ونسمع ونطيع لمن ولاه الله ﷿ أمرنا ولا ننزع يدا من طاعة ونتبع السنة والجماعة ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة" ٤.
وقال ابن أبي زمنين: "فالسمع والطاعة لولاة الأمر واجب مهما قصَّروا في ذاتهم، فلم يبلغوا الواجب عليهم، غير أنهم يدعون إلى الحق
_________________
(١) ١ كتاب السنة للإمام أحمد ص٤٦ ضمن شذرات الذهب. ٢ أخرجه الترمذي كتاب العلم باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ٥/٣٤، من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود. وأخرجه أحمد ١/٨٠ وابن ماجة كتاب المناسك باب الخطبة يوم النحر ٢/١٠١٥، ١٠١٦ ح٣٠٥٦، والحاكم في المستدرك ١/٨٧-٨٨ جميعهم من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم، قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي وصححه الألباني في صحيح الجامع ٦/٣٠، وفي صحيح الترغيب ١/١٢. ٣ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٧٥، ١٧٦. ٤ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/١٧٧.
[ ٥٦٦ ]
ويأمرون به ويذبون عنه، فعليهم ما حملوا، وعلى رعاياهم ما حملوا من السمع والطاعة لهم"١.
وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوبها - أي طاعة الأمراء - في غير معصية، وعلى تحريمها في المعصية. نقل الإجماع على هذا القاضي عياض" إلى أن قال: "ولا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق" ٢.
وما حكي عن الأئمة في مسألة الخروج على الإمام الجائر حكي مثله عن الإمام أبي حنيفة، فقد سأله أبو مطيع البلخي قائلا له: "ما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتّبعه على ذلك ناس فيخرج على الجماعة، هل ترى ذلك؟
قال: لا، قلت ولم؟ وقد أمر الله تعالى ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهذا فريضة واجبة. فقال: وهو كذلك، لكن ما يفسدون من ذلك يكون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال المحارم وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ "سورة "الحجرات: الآية٩".
قال أبو مطيع: فنقاتل الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم تأمر وتنهى فإن
_________________
(١) ١ أصول السنة ص٩٨٠. ٢ شرح مسلم ١٢/٢٢٢، ٢٢٣، ٢٢٩.
[ ٥٦٧ ]
قبل وإلا قاتلته فتكون مع الفئة العادلة وإن كان الإمام جائرا، ثم قال له بعد ذلك: وكن مع الفئة العادلة والسلطان الجائر ولا تكن مع أهل البغي" ١.
لكن حكى الجصاص في كتابه أحكام القرآن خلاف ذلك حيث قال: "وكان مذهبه ﵀ مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور، لذلك قال الأوزاعي: احتملنا أبا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمل، ثم قال: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة في حمله المال إليه، وفتيا الناس سرا في وجوب نصرته والقتال ومعه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ٢ ابني عبد الله بن حسن " ٣.
ويؤيد ما حكاه الجصاص ما أخرجه عبد الله بن أحمد في السنة بسند صحيح عن أبي يوسف قال: "كان أبو حنيفة يرى السيف" ٤.
وروي كذلك بسند صحيح عن إبراهيم بن شماس ٥ قال: "قال
_________________
(١) ١ الفقه الأبسط ص٤٤-٤٨. ٢ خرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخوه بالبصرة فأيّدهم بعض العلماء والقراء. قال ابن العماد: "خرج مع إبراهيم كثير من العلماء منهم هشيم وأبو خالد الأحمر وعيسى بن يونس وعياد بن العوام ويزيد بن هارون وأبو حنيفة كان يجاهر بأمره ويحث الناس على الخروج معه كما كان مالك يحث الناس على الخروج مع أخيه محمد" شذرات الذهب ١/٢١٤. ٣ أحكام القرآن ١/٧٠. ٤ السنة ١/١٨٢. ٥ هو إبراهيم بن شماس الغازي أبو إسحاق السمرقندي، قال عنه ابن حجر: "نزيل بغداد ثقة من العاشرة مات سنة إحدى وعشرين ومائتين". تقريب التهذيب ١/٣٦ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/١٢٧.
[ ٥٦٨ ]
رجل لابن المبارك ونحن عنده إن أبا حنيفة كان مرجئا يرى السيف فلم ينكر عليه ذلك ابن المبارك"١.
ويمكن الجواب عن هذا بأنه في أول أمره كان يرى الخروج على السلطان الجائر، ثم استقر آخر الأمر على عدم الخروج. دلّ على هذا ما قرره واختاره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله ﷿ فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة" ٢.
وما ذكره الطحاوي هو ما حكاه ابن الهمام عن أبي حنيفة في المسايرة وأقره الشارحان، ابن أبي الشريف وابن قطلوبغا وكذا ذكره البزدوي.
قال ابن الهمام: "وإذا قلد عدلا، ثم جار وفسق لم ينعزل، ويستحق العزل إن لم يستلزم فتنة، ويجب أن يدعى له ولا يجب الخروج عليه كذا عن أبي حنيفة وكلمتهم قاطبة" ٣.
وقال البزدوي: "الإمام إذا جار أو فسق لم ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم وهو المذهب المرضي"٤.
_________________
(١) ١ السنة ١/١٨١، ١/١٨٢.. ٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٤٨. ٣ المسايرة ص٢٩١ مع شرحها لابن أبي شريف وقاسم بن قطلوبغا. ٤ أصول الدين للبزدوي ص١٩٠.
[ ٥٦٩ ]