أولا - الصفات الفعلية اللازمة
١- الاستواء ١:
الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يثبت استواء الله على عرشه، وعلوه على خلقه على ما يليق بجلاله وعظمته. دل على ذلك قوله: "ونقر بأن الله تعالى على العرش استوى من غير أن يكون له حاجة"٢.
قال ابن أبي العز شارحا كلام الطحاوي: "والعرش والكرسي حقٌّ وهو مستغن عن العرش، وما دونه محيط بكل شيء وفوقه" ٣.
"وإنما قال الشيخ هذا الكلام لأنه لما ذكر العرش والكرسي ذكر بعد
_________________
(١) ١ معنى الاستواء في لغة العرب الارتفاع والعلو. قال ابن عباس أبو العالية الرياحي: "استوى إلى السماء أي ارتفع" وقال مجاهد استوى: علا على العرش. انظر صحيح البخاري مع فتح الباري ١٣/٤٠٣؛ وتفسير ابن جرير ١/١٩١، وتفسير ابن أبي حاتم ١/١٠٤. ٢ شرح الوصية ص١٠. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٣٦-٣٧.
[ ٣٣٧ ]
ذلك غناه سبحانه عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه ليس لحاجته إليه، بل له في ذلك حكمة اقتضته، وكون العالي فوق السافل لا يلزم أن يكون السافل حاويا للعالي محيطا به حاملا له ولا أن يكون الأعلى مفتقرا إليه فانظر إلى السماء كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرة إليها، فالرب تعالى أعظم شأنا وأجل من أن يلزم من علوه ذلك بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله بقدرته للسافل وفقر السافل وغناه هو سبحانه عن السافل وإحاطته ﷿ به فهو فوق العرش، مع حمله بقدرته للعرش، وحملته وغناه عن العرش وفقر العرش إليه وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له. وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق، ونفاة العلو أهل التعطيل لو فصلوا بهذا التفصيل لهدوا إلى سواء السبيل، وعلموا مطابقة العقل للتنزيل ولسلكوا خلف الدليل ولكن فارقوا الدليل فضلوا عن سواء السبيل، والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك ﵀ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ "سورة الأعراف: الآية٥٤".
كيف استوى؟ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول " ١.
ففرق الإمام مالك بين المعنى المعلوم من هذا اللفظ، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر. وهذا هو ما اختاره الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فقد قال الملاّ علي القاري بعد أن ذكر قول الإمام مالك المتقدم: "اختاره إمامنا الأعظم وكذا كل ما ورد من الآيات والأحاديث المتشابهات من ذكر اليد والعين والوجه ونحوها من الصفات" ٢. وما قاله الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى في صفة الاستواء هو
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٩٠، ٢٩١. ٢ شرح الآمالي ص٣١.
[ ٣٣٨ ]
ما دلت عليه الأدلة الصريحة من كتاب الله فقد ذكر استواء الله على عرشه في سبعة مواضع من كتاب الله، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى﴾ "سورة الأعراف: الآية٥٤".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ " سورة يونس: الآية٣".
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ "سورة الرعد: الآية٢".
وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "سورة طه: الآية٥".
وكذا جاءت الأحاديث الصحيحة الدالة على صفة الاستواء والعلو، وقد تقدم ذكر بعضها عند الكلام على صفة العلو، من تلك الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁.
قال رسول الله ﷺ: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده على العرش أن رحمتي تغلب غضبي" ١.
فالمقصود أن اعتقاد الإمام أبي حنيفة في الاستواء هو اعتقاد السلف
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٣/٣٨٤ ح٧٤٠٤، ومسلم: كتاب التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٧ ح٢٧٥١. كلاهما من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. والترمذي: كتاب الدعوات باب خلق الله مائة رحمة ٥/٥٤٩ ح٣٥٤٣. وابن ماجه: كتاب الزهد باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة ٢/١٢٤٣٥ ح٤٢٩٥. كلاهما من طريق ابن عميلان عن أبيه عن أبي هريرة.
[ ٣٣٩ ]
الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. قال ابن المبارك " نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته، على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية" ١.
٢- النزول:
يثبت أهل السنة والجماعة نزول البر ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ومن غير تأويل ٢ ولا تكييف؛ لتواتر ٣ الأخبار به، فقد رواه ثمانية وعشرون صحابيا. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخرة فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له" ٤.
_________________
(١) ١ السنة ص١٣؛ والرد على الجهمية للدارمي ص٦٧، ١٦٢؛ والرد على المريسي ص١٠٣؛ والأسماء والصفات ص٤٢٧. ٢ أوّل بعض المتكلمين صفة النزول بنزول أمر الله ورحمته أو نزول ملك من الملائكة، انظر الرد على هذه التأويلات في كتاب شرح حديث النزول ص١٩٧. ٣ ممن قال بتواتر حديث النزول من أهل العلم؛ ابن القيم في تهذيب السنن ٧/١٠٨؛ والذهبي في كتاب العلو ص٧٣-٧٩؛ وابن عبد الهادي في الصارم المنكي ص٣٠٤؛ وأبو زرعة الرازي كما في عمدة القاري ٧/١٩٩؛ والكتاني في النظم المتناثر ص١٩١؛ وعبد الرحمن بن سعدي في توضيح الكافية الشافية ص١٤٧. ٤ أخرجه البخاري في كتاب التهجد باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ٣/٥٩ وابن ماجه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل؟ ١/٤٣٥ ح١٣٦٦؛ وابن أبي عاصم في السنة ١/٢١٧ جميعهم من =
[ ٣٤٠ ]
قال أبو عثمان ١ الصابوني: "فلما صح خبر النزول عن الرسول ﷺ أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ ولم يعتقدوا تشبيها بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا" ٢.
وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة ويؤمن به، فقد سئل عن النزول فقال: "ينزل بلا كيف" ٣.
٣- ٤- صفتا الغضب والرضا:
يثبت أهل السنة والجماعة صفتي الغضب والرضا من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، فيرضى عن المحسنين، ويسخط على الفسقة والكافرين، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ
_________________
(١) = من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن وأبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة. ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء ١/٥٢١ ح٧٥٨، وأبو داود: كتاب الصلاة باب أي الصلاة أفضل؟ ٢/٧٦ ح١٣٥، والترمذي: كتاب الدعوات ٥/٥٢٦ ح٣٤٩٨؛ وعبد الرحمن الدارمي في السنن ١/٢٨٦. جميعهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. ١ هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل النيسابوري أبو عثمان الصابوني قال عنه السبكي: " الفقيه المحدث المفسر الخطيب الواعظ الملقب بشيخ الإسلام" مات سنة ٤٤٩هـ. طبقات الشافعية ٤/٢٧١؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٣/٢٨٢؛ والعبر ٣/٢١٩. ٢ اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٤٢. ٣ اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٤٢؛ وجلاء العينين ص٣٥٣.
[ ٣٤١ ]
غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَبذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٥٢".
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ "سورة التوبة: الآية٩٦".
وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ "سورة البينة: الآية٨".
قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ "سورة الفتح: الآية١٨".
وقول النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل وفيه: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله " ١.
وقول النبي ﷺ: " إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير بيدك فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا" ٢.
وما تدل عليه تلك النصوص من إثبات صفتي الغضب والرضا هو ما يعتقده أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به، دل على ذلك قوله:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: كتاب الأنبياء باب قول الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٦/٣٧١ ح٣٣٤٠، ومسلم: كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٤ ح٣٢٧ كلاهما من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة. ٢ أخرجه البخاري: كتاب الرقائق باب صفة الجنة والنار ١١/٤١٥ ح٦٥٤٩، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها باب إحلال الرضوان على أهل الجنة فلا يسخط عليهم أبدا ٤/٢١٧٦ ح٢٨٢٩. كلاهما من طريق عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري.
[ ٣٤٢ ]
"وغضبه ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف" ١.
وقوله: "وهو يغضب ويرضى ولا يقال غضبه عقوبته ورضاه ثوابه" ٢.
وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "والله يغضب ويرضى لا كأحد من الورى" ٣.
ثانيا - الصفات الفعلية المتعدية
١- المحبة:
يثبت أهل السنة والجماعة صفة المحبة لله حيث أثبتها الله لذاته المقدسة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ "سورة الصف: الآية٤".
وأثبتها أعلم الناس بربه نبينا محمد ﷺ حيث قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله تعالى يحب فلانا فأحبه؛ فيحبه جبريل فينادي في أهل السماء إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" ٤.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٢ الفقه الأبسط ص٥٦. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٥٧. ٤ أخرجه مالك في الموطأ كتاب الشعر باب ما جاء في المتحابين في الله ٢/٩٥٣ ح١٥، والبخاري في كتاب التوحيد باب كلام الرب مع جبريل ١٣/٤٦١ ح٧٤٨٥، ومسلم كتاب البر والصلة باب إذا أحب الله عبدا حببه إلى عباده ٤/٢٠٣٠ ح١٥٧. جميعهم من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
[ ٣٤٣ ]
وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به، دل على ذلك قوله: "والطاعات كلها كانت واجبة بأمر الله وبمحبته وبرضاه" ١.
وقال عن المعاصي: "كلها بعلمه وقضائه وتقديره، لا بمحبته ولا برضائه ولا بأمره" ٢.
ووصف نبينا محمدا ﷺ بأنه حبيب رب العالمين حيث قال: "ومحمد ﵊ حبيبه وعبده ورسوله ونبيه" ٣.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "وإنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين" ٤.
وقال: "نقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلا ٥ وكلم الله موسى تكليما إيمانا وتصديقا وتسليما" ٦.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٣. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠٣. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٣. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٢٢، ٢٣. ٥ وكذا ثبتت الخلة للنبي ﷺ دل على ذلك قول النبي ﷺ: "فإن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا". أخرجه مسلم: كتاب المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور ١/٣٧٧ ح٥٣٢. ٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٨.
[ ٣٤٤ ]
٢- الرزق:
من صفات ١ الأفعال المتعلقة بالخلق الرزق، فالرازق والرزّاق اسمان من أسماء الله تعالى، دالان على أنه تعالى خلق الأرزاق للخلق وأوصلها إليهم، وخلق لهم أسباب التمتع ٢ بها. قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ "سورة العنكبوت: الآية٦٠".
فالله هو المتكفل بالرزق والقائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها ٣ قال تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ "سورة ق: الآيتان ١٠".
وقال النبي ﷺ: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا ٤ وتروح بطانا ٥" ٦.
ورزق الله لعباده نوعان:
رزق عام: شمل جميع الخلق أولهم وآخرهم، مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم.
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٣/٣٦٠. ٢ المقصد الأسنى ص٨٤، ٨٥. ٣ انظر الأسماء والصفات ص٨٧، ط دار الكتب العلمية. ٤ خماصا: الخماص الجياع البطون من الغذاء، قاله ابن الأثير في جامع الأصول ١٠/١٤٠. ٥ بطانا: البطان الشِّباع الممتلئات البطون، قاله ابن الأثير في جامع الأصول ١٠/١٤٠. ٦ أخرجه الترمذي: كتاب الزهد باب في التوكل على الله ٤/٥٧٣ ح٢٣٤٤ والحاكم في المستدرك ٤/٣٢٨ كلاهما من طريق أبي تميم الجيشاني عن عمر بن الخطاب قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه" وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وأقره الذهبي في التلخيص.
[ ٣٤٥ ]
قال النبي ﷺ: " ما أحد أصبر على أذى سمعه من الله، يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم" ١.
وهذا هو رزق الأبدان.
ورزق خاص: هو رزق القلوب وتغذيتها بالإيمان والعلم والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم معه بحسب حكمته ورحمته ٢.
وأثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى الرازق وما يدل عليه، دل على ذلك قوله: "كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق ورازقا قبل أن يرزق" ٣.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "رازق بلا مؤنة" ٤.
٣- الخلق:
من صفات الله الفعلية الخلق، والخلق له معنيان:
المعنى الأول: التقدير.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١٣/٣٦٠ ح٧٣٧٨ من طرق أبي عبد الرحمن السلمي عن أبي موسى الأشعري. ٢ تفسير كلام المنان لابن سعدي ٥/٦٢٦، ٦٢٧ بتصرف، والحق الواضح المبين ص٤٥. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٤. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠.
[ ٣٤٦ ]
المعنى الثاني: الإيجاد والإنشاء على غير سبق ١.
فالخالق والخلاق من أسماء الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ "سورة الحشر: الآية٢٤".
وقال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ "سورة المؤمنون: الآية١٤".
وقوله تعالى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ "سورة يس: الآية٨١".
وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ "سورة القمر: الآية٤٩".
وقول النبي ﷺ: "لما خلق الله الخلق كتب في كتاب هو عنده فوق العرش أن رحمتي تغلب غضبي" ٢.
وهذا هو ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى ويؤمن به. دل على ذلك قوله: "وأما الفعلية فالتخليق والإنشاء والإبداع والصنع" ٣.
وقال: "كان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" ٤.
وقال: "وكان الله تعالى خالقا في الأزل ولم يخلق الخلق" ٥.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "خالق بلا حاجة" ٦.
_________________
(١) ١ انظر كتاب شأن الدعاء ص٤٩، واشتقاق أسماء الله للزجاجي ص١٦٦-١٦٨. ٢ تقدم تخريجه ص٣٣٩. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠١. ٤ الفقه الأكبر ص٣٠٤. ٥ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٠.
[ ٣٤٧ ]
وقال: "كما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم" ١.
٤- الإحياء والإماتة:
من صفات الله الفعلية الإحياء والإماتة، ومن أسماء الله تعالى المحيي والمميت، فالمحيي يدل على أن الله هو الذي يحيي النطفة الميتة فيخرج منها نسمة الحياة ويحيي الأجسام البالية بإعادة الأرواح إليها عند البعث، ويحيي القلوب بنور المعرفة، ويحيي الأرض بعد موتها بإنزال الغيث وإنبات الرزق ٢.
والمميت يدل على أن الله يميت الأحياء ويوهن بالموت قوة الأصحاء الأقوياء.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ "سورة الشورى: الآية٩".
فتمدّح ذاته ﷾ بالإماتة كما تمدّح بالإحياء ليعلم أن مصدر الخير والشر والنفع والضر من قِبَله وأنه لا شريك له في الملك، استأثر بالبقاء وكتب على خلقه الفناء ٣.
قال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا، استحق هذا
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٠. ٢ كتاب شأن الدعاء ص٧٩، والأسماء والصفات ص٩٥ بتصرف. ٣ انظر كتاب شأن الدعاء ص٨٠، وكتاب الأسماء ص٩٦.
[ ٣٤٨ ]
الاسم قبل إحيائهم" ١.
وقال: "مميت بلا مخافة، باعث بلا مشقة" ٢.
فالله هو الذي يحيي الخلق يوم النشور، ويبعث من في القبور، ويحصل ما في الصدور ٣.
هذا وبعد ذكر هذه الجملة من صفات الله الثبوتية الفعلية منها والذاتية؛ يجد القارئ الكريم أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد سار في إثبات الصفات على منهج السلف الصالح، وذلك بإثبات جميع ما أثبت الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات الكمال، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل.
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠. ٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢٠. ٣ المقصد الأسنى ص١٢٣.
[ ٣٤٩ ]