حرّم الله ﷾ أن يؤذي المؤمن أخاه المؤمن بسبٍّ أو شتم أو غيبة أو همز أو لمز.
قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ "سورة الهمزة: الآية١".
فتوعد الله الهمّاز الذي يعيّر الناس، ويطعن عليهم بالإشارة أو بالفعل، وكذا اللمّاز الذي يعيبهم بقوله١، بالويل وهو واد في جهنم يسيل من صديد أهل النار وقيحهم ٢، فمن آذى المؤمنين فقد أثم إثما مبينا.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ "سورة الأحزاب: الآية٥٨".
فالوعيد الشديد والإثم الأكيد في حق من يؤذي أحدا من المؤمنين عموما بسبٍّ أو نحو ذلك، فكيف بأذية صحابة رسول الله ﷺ، فالإثم أبلغ والجرم أعظم.
فقد نهى النبي ﷺ عن التعرض لأصحابه بسبٍّ أو شتم فقال: "لا تسبوا أحدًا من أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك
_________________
(١) ١ انظر تفسير كلام المنان ٧/٦٧١. ٢ تفسير الطبري ٣٠/٢٩١.
[ ٥٥١ ]
مدَّ أحدهم ولا نصيفه" ١.
فكل من يحب الصحابة فهو محب للرسول ﷺ وكل من يبغضهم فهو مبغض له. فقد قال ﵊: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم، فبحبي أحبهم ومن أبغضهم، فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" ٢.
كذلك نهى ابن عباس وابن عمر عن سب الصحابة، قال ابن عباس: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله أمر بالاستغفار لهم" ٣.
وقال ابن عمر: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره" ٤.
فمن سب الصحابة، أو تنقص أحدا منهم، أو جاهر ببغضهم فليس على السنة ولا مع الجماعة.
قال الإمام أبو حنيفة: "الجماعة أن تفضل٥ أبا بكر وعمر وعليا
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص٥٤٠. ٢ أخرجه أحمد في المسند ٨/٨٧، والترمذي كتاب المناقب باب ٥٩، ٥/٦٩٦ ح"٣٨٦٢"، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص٥٦٨، ٥٦٩ ح٢٢٨٤، جميعهم من طريق عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن مغفل. قال الترمذي على أثره: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه". ٣ كتاب فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ١/٥٩ رقم "١٨" وطبقات ابن سعد ٥/٤٦٧. ٤ سنن ابن ماجه المقدمة باب فضائل أصحاب رسول الله ﷺ ١/٥٧ ح"١٦٢". ٥ في الأصل: "أن فضل أبا بكر " وهو غلط، والصواب ما أثبت، لأن ما بعده مفعول به منصوب.
[ ٥٥٢ ]
وعثمان، ولا تنتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ ولا تكفّر الناس بالذنوب، وتصلي على من يقول لا إله إلا الله وخلف من قال لا إله إلا الله " ١.
وسئل الإمام أبو حنيفة: من أي الأصناف أنت فأجاب بقوله: "أنا ممن لا يسب السلف، ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا بالذنوب" ٢.
وقال أبو حنيفة: "ويحبهم كل مؤمن تقي، ويبغضهم كل منافق شقي" ٣.
وقول الإمام أبي حنيفة هذا مأخوذ من حديث النبي ﷺ في حق الصحابة من الأنصار: "لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق" ٤.
وقرر هذا لطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وحبهم دين وإيمان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان" ٥.
وقال: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذريته المقدسين من كل رجز فقد برئ من النفاق" ٦.
هذا وإذا سبهم سبا يقدح في عدالتهم ودينهم، فهو كفر ونفاق
_________________
(١) ١ الانتقاء ص١٦٣، ١٦٤. ٢ تاريخ بغداد ١٣/٣٣١. ٣ الوصية مع شرحها ص١٤. ٤ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي ﵃ من الإيمان ١/٨٤ ح"١٢٩" من طريق عدي بن ثابت عن البراء. ٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧. ٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٨.
[ ٥٥٣ ]
وطغيان. وأما من سبهم بما لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل بهتانا فهذا يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ١ ذلك.
قال النسفي: "ويكف عن ذكر الصحابة إلا بخير" ٢.
قال الشارح: "لما ورد من الأحاديث الصحيحة في مناقبهم ووجوب الكف عن الطعن فيهم فسبهم والطعن فهم إن كان مما يخالف الأدلة القطعية فكفرٌ كقذف عائشة وإلا فبدعة وفسق" ٣.
وروى ابن أبي العوام أن رجلا سأل أبا يوسف فقال: "يا أبا يوسف يذكرون عنك أنك تجيز شهادة من يشتم أصحاب النبي ﷺ على التأويل فقال: ويحك هذا أحبسه وأضربه حتى يتوب" ٤.
فالمقصود أن لازم مقالة من سب الصحابة أنهم كفار أو فساق، ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم، وإن سابقي هذه الأمة هم شرارها ٥.
سئلت اليهود: من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى: من خير أهل ملتكم: فقالوا: حواري عيسى، وسئلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد ﷺ ٦.
_________________
(١) ١ السيف المسلول. ٢ العقيدة النسفية ص٢٩ ضمن النفائس. ٣ شرح العقائد النسفية للتفتازاني ص١٦١، ١٦٢. ٤ فضائل أبي حنيفة وأصحابه ص١٨٠. ٥ انظر الصارم المسلول ص٥٨٦، ٥٨٧؛ ومنهاج السنة ١/٢٧. ٦ منهاج السنة ١/٢٧.
[ ٥٥٤ ]