أجمع الصحابة ١ على إمامة أبي بكر الصديق وسمّوه خليفة رسول الله ﷺ وبايعوه وانقادوا له بالفضل، وذلك لفضله وسابقته في الإسلام، ولتقديم النبي ﷺ له على جميع الصحابة في إمامة الصلاة ٢.
والدليل على خلافته: ما رواه البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم ﵁ قال: "أتت امرأة إلى النبي ﷺ فأمرها أن ترجع إليه فقالت: أرأيت إن جئت فلم أجدك - كأنها تقول الموت - قال ﷺ: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" ٣.
وحديث عائشة ﵄ قالت: "دخل عليّ
_________________
(١) ١ انظر الإبانة للأشعري ص٢٥٢؛ والبداية من الكفاية ص١٠١؛ والمسامرة شرح المسايرة ص٣٠٠؛ وشرح العقائد النسفية ص١٤٩، ١٥٠؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٨٢. ٢ المسايرة ص٣١١؛ وأصول الدين للبزدوي ص١٨٢، ١٨٤. ٣ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب قول النبي لو كنت متخذا خليلا ٧/١٧ ح٣٦٥٩؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر ٤/١٨٥٧ ح٢٢٨٦ كلاهما من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم.
[ ٥٦٠ ]
رسول الله ﷺ في مرضه فقال: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتبا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " ١.
وحديث أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن" ٢.
ثم الخليفة من بعد أبي بكر عمر بن الخطاب ﵁ لفضله وسابقته في الإسلام وعهد أبي بكر إليه واتفاق الصحابة عليه ٣.
ثم الخليفة بعد عمر عثمان بن عفان ﵁ لفضله وسابقته للإسلام، ولتقديم أهل الشورى له، فبايعوه وانقادوا لأوامره، وصلوا معه الجمع والأعياد مدّة خلافته فكان إجماعا منهم على صحة خلافته ٤.
ثم بعد عثمان الخليفة علي ﵁ لفضله وسابقته للإسلام
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر ٤/١٨٥٧ من طريق عروة عن عائشة. ٢ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر ٧/١٨ ح٣٦٦٤؛ ومسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضائل عمر ٤/١٨٦٠ ح٢٣٩٢ كلاهما من طريق ابن المسيب عن أبي هريرة. ٣ شرح العقائد النسفية ص١٥٠؛ والبداية من الكفاية ص١٠٢؛ وأصول الدين للبزدوي ص١/٤. ٤ شرح العقائد النسفية ص١٥١؛ والبداية ص١٠٣؛ وشرح المسايرة ص٣٠٠؛ وأصول الدين للبزدوي ص٥٧.
[ ٥٦١ ]
وإجماع الأمة على فضله ١. بعد الثلاثة وأنه أحق بالأمر من كل من سواه.
وأجمعت الأمة من بعد الصحابة على ما ذكروا من إمامة الخلفاء الراشدين وترتيبهم، ما خلا الرافضة، ولا عبرة بخلافهم.
وخلافة الخلفاء الراشدين كلهم خلافة نبوة، يدل على ذلك قول النبي ﷺ: "خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" ٢.
فمن طعن في خلافة أحد منهم فهو أضل من حمار ٣ أهله. يدل على ذلك ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ٤ حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر رضي الله تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" ٥.
وكذا قرره شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "وعلماء السنة كلهم مالك وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وغير هؤلاء كلهم يحب الخلفاء
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/١٦؛ وشرح العقائد النسفية ص١٥١؛ والبداية ص١٠٤. ٢ أخرجه أحمد في المسند ٥/٤٤؛ وأبو داود كتاب السنة في الخلفاء ٥/٣٠؛ والحاكم في المستدرك ٣/٧١؛ جميعهم من طريق عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه، قال الحاكم على أثره: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ٣ العقيدة الواسطية مع شرحها التنبيهات اللطيفة ص٩٣. ٤ مجموع الفتاوى ٣/١٥٣. ٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧.
[ ٥٦٢ ]
ويتولاهم، ويعتقد إمامتهم وينكر على من يذكر أحدا منهم بسوء" ١.
وهذه بعض نصوص الحنفية في ذلك: قال النسفي: "وأفضل البشر بعد نبينا: أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي ﵃، وخلافتهم ثابتة على هذا الترتيب" ٢.
وقال قاسم بن قطلوبغا في شرحه لكتاب المسايرة لابن الهمام: "والإمام الحق بعد رسول الله ﷺ عندنا وعند المعتزلة وأكثر الفرق "أبو بكر" بإجماع الصحابة على مبايعته "ثم عمر" باستخلاف أبي بكر له "ثم عثمان" بالبيعة بعد اتفاق أصحاب الشورى "ثم علي ﵃ أجمعين" وانعقدت إمامته بإجماع أهل الحل والعقد" ٣.
وقال الصابوني الحنفي: "فصل في إمامة الخلفاء الراشدين: أولهم أبو بكر ﵁ وكان مستجمعا لشرائط الخلافة، ومفضَّلا على جميع الصحابة. وقد اتفقت الصحابة على خلافته وذلك حجة قاطعة ثم استخلف قبل وفاته عمر ثم اتفقت الصحابة على خلافته ثم استشهد عمر ﵁ وترك أمر الخلافة شورى بين ستة فاختار هو - أي عبد الرحمن - عثمان ﵁، وبايع له بمحضر من الصحابة فبايعوا له وانقادوا لأوامره ثم استشهد عثمان ﵁ وترك الأمر مهملا حتى اجتمع كبار الصحابة والتمسوا من علي ﵁ قبول الخلافة وأقسموا عليه حتى قبلها، فبايعه من حضر من كبار الصحابة"٤.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٦/٤٢٠. ٢ شرح العقائد النسفية ص١٩٦. ٣ شرح المسايرة ص٣٠٠. ٤ البداية ص١٠١-١٠٣.
[ ٥٦٣ ]