أولا - الصفات الذاتية
١- العلو:
الإمام أبو حنيفة ﵀ يعتقد أن الله في السماء. دل على هذا قوله: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر، وكذا من قال إنه على العرش، ولا أدري العرش أفي السماء أم في الأرض" ١.
وقال للمرأة التي سألته أين إلهك الذي تعبده؟ قال: "إن الله ﷾ في السماء دون الأرض، فقال له رجل: أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ "سورة الحديد: الآية٤".
قال هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه" ٢.
_________________
(١) ١ الفقه الأبسط ص٤٩، ونقل نحو هذا اللفظ شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٥/٤٨، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية ص١٣٩، والذهبي في العلو ص١٠١٢، ١٠٢، وابن قدامة في العلو ص١١٦، وابن أبي العز في شرح الطحاوية ص٣٠١. ٢ الأسماء والصفات ص٤٢٩.
[ ٣٠٧ ]
قال البيهقي: "لقد أصاب أبو حنيفة ﵁ فيما نفى عن الله ﷿ من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله إن الله ﷿ في السماء" ١.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب الأبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "محيط بكل شيء وفوقه، وقد أعجز عن الإحاطة خلقه" ٢.
وما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه هو اعتقاد سائر الأئمة. وقد تضافرت على إثبات صفقة العلو دلالة الفطرة والعقل والشرع. وقد تقدم ذكر استدلال الإمام أبي حنيفة بدليل الفطرة ٣، وتنوعت أدلة العلو من الكتاب والسنة أوصلها العلامة ابن القيم إلى عشرين نوعا منها:
١- التصريح بالفوقية مقرونا بأداة "من" المعينة للفوقية بالذات في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ "سورة النحل: الآية٥٠".
_________________
(١) ١ الأسماء والصفات ص٤٣٩-٤٤٠. ٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٣٧. ٣ ص٢٣٩، وفي تقرير دليل الفطرة تفصيلا يقول الإمام محمد بن عثمان بن أبي شيبة: "وأجمع الخلق جميعا أنهم إذا دعوا الله جميعا رفعوا أيديهم إلى السماء فلو كان الله ﷿ في الأرض السفلى ما كانوا يرفعون أيديهم إلى السماء وهو معهم في الأرض ثم تواترت الأخبار أن الله تعالى خلق العرش فاستوى عليه بذاته ثم خلق الأرض والسماوات فصار من الأرض إلى السماء إلى العرش فهو فوق السماوات وفوق العرش بذاته متخلصا من خلقه بائنا من علمه في خلقه لا يخرجون من علمه". انظر كتاب العرش لابن أبي شيبة ص٥١.
[ ٣٠٨ ]
٢- ذكرها مجردة عن الأداة كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ "سورة الأنعام: الآية٦١".
٣- التصريح بعروج بعض المخلوقات كقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ "سورة المعارج: الآية٤".
٤- التصريح بالصعود إليه وبرفعه بعض المخلوقات كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ "سورة النساء: الآية١٥٨"، وكقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ "سورة فاطر: الآية١٠".
٥- التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتا وقدرا وشرفا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ "سورة الشورى: الآية٤".
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ "سورة سبأ: الآية٢٣".
٦- التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾ "سورة غافر: الآية٢".
وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "سورة فصلت: الآية٢".
٧- التصريح بأنه تعالى في السماء كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ "سورة الملك: الآية١٦".
٨- التصريح بالاستواء مقرونا بأداة "على" مختصا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات.
٩- الإشارة إليه إلى العلو حسا كما أشار إليه النبي ﷺ وهو أعلم
[ ٣٠٩ ]
بربه حيث قال: "أنتم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت؟ فرفع أصبعه الكريم إلى السماء قائلا: "اللهم اشهد " ١.
١٠- التصريح بلفظ الأين، كقول أعلم الخلق به وأنصحهم في أمته: "أين الله " ٢.
والقول بالعلو هو اعتقاد الصحابة والتابعين وجميع المسلمين قبل ظهور المبتدعة. قال الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرين نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة الصحيحة من صفاته" ٣.
قال ابن تيمية: "وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور مذهب جهم المنكر لكون الله ﷿ فوق عرشه، والنافي لصفاته ليعرف الناس أن مذهب السلف كان خلاف ذلك القول" ٤.
وقال عبد الله بن المبارك: "نعرف ربنا بأنه فوق سبع سمواته، على العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية" ٥. وأقوال السلف في ذلك كثيرة. ولو ذهبت في إيراد أقوالهم لطال بنا المقام، ولكن أحيل القارئ الكريم إلى كتاب اجتماع الجيوش الإسلامية للعلامة ابن القيم، وكتاب العلو للحافظ الذهبي، فقد نقلا عن أكثر من مائة إمام
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: كتاب الحج باب صحبة النبي ﷺ ٢/٨٨٦ ح١٢١٨ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله. ٢ تقدم تخريجه ص٢٣٣. ٣ الأسماء والصفات ص٤٠٨؛ وفتح الباري ١٣/٤٠٦. ٤ مجموع الفتاوى ٥/٣٩. ٥ السنة لعبد الله بن أحمد ص١٣؛ والرد على الجهمية للدارمي ص٦٧؛ والأسماء والصفات ص٤٢٧.
[ ٣١٠ ]
من أئمة المسلمين كلهم يصرحون بعلو الله واستوائه على عرشه.
هذه هي عقيدة الإمام أبي حنيفة في العلو والفوقية، ولا يلتفت إلى بعض المنتسبين إلى مذهبه ممن أنكر العلو وبقية الصفات أو بعضها، فهم مخالفون في له في كثير من اعتقاداته، قال ابن أبي العز: "فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداتهم، وقد ينسب إلى مالك والشافعي وأحمد ﵃ من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم" ١.
هذا وإن اللبيب ليعجب من حشد أنواع الأدلة ٢ على قضية كهذه واضحة وضوحا ظاهرا وجلاء بينا، لولا ما تسرب لعقول كثير من المسلمين من شبهات المبتدعة التي أعمت بصائر كثير من الناس وصيرت القضايا البدهية اليقينية نظرية ظنية.
٢- صفة اليدين:
يثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى يدين حقيقيتين لله تعالى تليقان به تعالى لا تشبههما أيدي المخلوقين، يدل على هذا قوله: "وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد فهو له صفات بلا كيف" ٣.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠٢. ٢ الأدلة على علو الله تعالى على خلقه واستوائه على عرشه كثيرة جدا وقد تتبعها بعض أئمة السنة فوجدوها أكثر من ألف دليل. انظر الجواب الصحيح ٣/٨٤؛ والصواعق المرسلة ٤/١٢٧٩. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢.
[ ٣١١ ]
وقال كذلك: "يد الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه" ١.
ولقد ورد إثبات اليدين في عدة مواضع من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
ففي القرآن جاء في سورة المائدة قول الله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ "سورة المائدة: الآية٦٤".
أما في السنة فقد عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ "سورة ص: الآية٧٥".
ضمن كتاب التوحيد، أورد فيه جملة من الأحاديث الصحيحة كلها تثبت صفة اليدين لله تعالى منها:
حديث أنس بن مالك مرفوعا في الشفاعة العظمى وفيه: "يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أما ترى الناس؟ خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء اشفع لنا إلى ربك " ٢.
وحديث ابن عمر ﵄ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبض يوم القيامة الأرض وتكون السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك " ٣.
وحديث أبي هريرة ﵁ وفيه أن رسول الله ﷺ قال: "يد الله
_________________
(١) ١ الفقه الأبسط ص٥٦. ٢ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٢ ح٧٤١٠ من طريق قتادة عن أنس. ٣ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٣ ح٧٤١٢ من طريق نافع عن ابن عمر.
[ ٣١٢ ]
ملأى لا يغيضها نفقة سحًّا١ الليل والنهار " ٢.
فهذه النصوص دالة على إثبات اليدين لله ﷾ وهي لا تحتمل التأويل بحال ولا يمكن حمل اليدين إلا على الحقيقة ومن لم يحملها على الحقيقة فهو معطل لتلك الصفة ولقد رد الإمام أبو حنيفة على من لم يحمل النصوص على الحقيقة وتأول صفة اليدين بالقدرة أو النعمة فقال: "ولا يقال: إن يده قدرته أو نعمته لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفة بلا كيف"٣.
فاليد غير القدرة عند الإمام أبي حنيفة بل هي صفة قائمة بذات الله تعالى تليق به وبجلاله وعظمته.
٣- ٤- صفتا الوجه والنفس:
أثبت الله لذاته المقدسة صفة الوجه في أربع عشرة ٤ آية من آي الذكر الحكيم قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ "سورة الرحمن: الآية٢٧".
وقال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ "سورة القصص: الآية٨٨".
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ "سورة الإنسان: الآية٩".
وأثبت له الرسول ﷺ صفة الوجه في أحاديث معروفة مشهورة، منها
_________________
(١) ١ سحّا: السح هو الصب الدائم. انظر النهاية ٢/٣٤٥. ٢ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ١٣/٣٩٣ ح٧٤١١ من طريق الأعرج عن أبي هريرة. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٤ عقيدة المسلمين ٢/٢١٥.
[ ٣١٣ ]
حديث أبي موسى الأشعري مرفوعا وفيه: "إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ١ ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه ٢ النور".
وفي رواية: "لو كشفه لأحرقت سبحات ٣ وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ٤.
وصح عنه ﷺ أنه استعاذ بوجه الله، فقد روى البخاري في صحيحه عن جابر ﵁ قال: "لما نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال النبي ﷺ "أعوذ بوجهك" فقال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ فقال النبي ﷺ: "أعوذ بوجهك" قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ فقال النبي ﷺ: "هذا أيسر" ٥.
_________________
(١) ١ القسط الميزان ويسمى قسطا لأن القسط: العدل وبالميزان يقع العدل. كذا في شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٣. ٢ الحجاب في اللغة: المنع والستر، والمراد هنا المانع من رؤيته، وسمِّي ذلك المانع نورا أو نارا لأنهما يمنعان من الإدراك في العادة لبشاعتهما. كذا في شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٤. ٣ السُبُحات: بضم السين والباء ورفع التاء في آخره: جمع سُبحة، ومعنى سبحات عند اللغويين والمحدثين: نوره وجلاله وبهاؤه - كذا شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٣-١٤. ٤ أخرجه أحمد في المسند ٤/٣٩٥، ٤٠٠، ٤٠١، ٤٠٥. ومسلم: كتاب الإيمان باب قوله ﵇: إن الله لا ينام ١/١٦١ ح٢٩٣، والدارمي في الرد على الجهمية ص٣١، وابن خزيمة في التوحيد ص٧٥، والآجري في الشريعة ص٣٠٤. جميعهم من طريق أبي عبيدة عن أبي موسى الأشعري. ٥ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله ﷿: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ١٣/٣٨٨ من طريق حماد بن زيد عن عمرو عن جابر بن عبد الله.
[ ٣١٤ ]
وكان من دعاء النبي ﷺ: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك " ١.
وأثبت الله لذاته المقدسة صفة ٢ النفس في غير ما موضع من آي الذكر الحكيم، وأثبتها له رسوله ﷺ في أحاديث مختلفة.
فمن تلك الأدلة من القرآن قول الله تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ "سورة الأنعام: الآية١٢".
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ "سورة آل عمران: الآية٢٨".
وقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ "سورة المائدة: الآية١١٦".
وقال أعلم الناس بربه: "أسألك بكل اسم سميت به نفسك.. ." ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي عاصم في السنة ١/١٨٥ ح٢٤ من طريق قيس بن عباد عن عمار بن ياسر. قال الألباني: "حديث صحيح". ٢ عدَّ كثير من أهل السنة "النفس" من صفات الله تعالى. انظر الفقه الأكبر بشرح القاري ص٥٨، وكتاب التوحيد لابن خزيمة ١/١١، ١٢، وأقاويل الثقات ص١٨٦، وقطف الثمر ص٦٦، وذهب شيخ الإسلام أن المراد من النفس هو ذات الله وعينه لا صفة له. انظر مجموع الفتاوى ٩/١٩٢، ١٩٣، ٤/١٩٦، ١٩٧، وكذا البخاري فإنه ذكر نصوص "النفس" بدون التصريح أنها صفة، ومراده أنه يجوز إطلاق النفس على الله لورود النص هكذا فسر مراده الهاشمي في شرحه لكتاب التوحيد ص٧٠، وللشيخ عبد الله الغنيمان كلام حسن وفق بين قولي أهل السنة في "النفس". انظر شرحه لكتاب التوحيد ١/٢٤٩، ٢٥٥. ٣ أخرجه أحمد في المسند ١/٣٩١، والطبراني في المعجم الكبير ١٠/٢٠٩، ٢١٠، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص٥٨٩ كلهم من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/١٣٦، قال: "رجال أحمد وأبو يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان".
[ ٣١٥ ]
وقال ﵊: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك " ١.
وقال ﵊: " لما خلق الله الخلق كتب في كتابه - وهو يكتب على نفسه وهو وضع عنده على العرش - إن رحمتي تغلب غضبي" ٢. فما أثبته الله لذاته المقدسة من الصفات، وأثبته له رسوله ﷺ وجب إثباته من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل.
هذا معتقد أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، يقول ابن خزيمة: "فنحن وجميع علمائنا من أهل الحجاز وتهامة واليمن والعراق والشام ومصر مذهبنا أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، ونقر بذلك بألسنتنا، ونصدق بذلك بقلوبنا، من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجوه أحد من المخلوقين، وعزّ ربنا أن نشبّهه بالمخلوقين وجلّ ربنا عما قالت المعطلة" ٣.
ومن جملة تلك الصفات صفتا الوجه والنفس، فأثبتوهما لله حقيقة من غير تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل. وهذا ما يعتقده الإمام أبو حنيفة ويؤمن به. دل على ذلك قوله: "وله يد ووجه ونفس كما ذكر الله في القرآن، فما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود ١/٣٥٢ ح٤٨٦ من طريق الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة. ٢ أخرجه البخاري: كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٣/٣٨٤ ح٧٤٠٤، ومسلم: كتاب التوبة باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه ٤/٢١٠٧ ح٢٧٥١. كلاهما من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. ٣ التوحيد لابن خزيمة ص١٠، ١١. ٤ الفقه الأكبر ص٣٠٢.
[ ٣١٦ ]
٥- ٦- صفتا السمع والبصر.
الله تعالى له سمع وبصر على ما يليق بجلال الله وعظمته. وهما صفتان حقيقيتان، فكما له ذات حقيقية لا تشبه ذوات الخلق، فله صفات حقيقية لا تشبه صفات الخلق، ولقد ورد إثبات صفة السمع في سبع وخمسين آية، وإثبات صفة البصر في خمسين آية من آيات الذكر الحكيم ١.
ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ "سورة البقرة: الآية١٢٧".
وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ "سورة المجادلة: الآية١".
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ "سورة النساء: الآية١٣٤".
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١".
***
وأما الأدلة من السنة فقد عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ .
ضمن كتاب التوحيد أورد فيه جملة من الأحاديث الصحيحة تثبت صفتي السمع والبصر لله تعالى وهي:
١- حديث أبي موسى الأشعري قال: "كنا مع النبي ﷺ في
_________________
(١) ١ عقيدة المسلمين ص٤٨٢-٤٨٦.
[ ٣١٧ ]
سفر، فكنا إذا علونا كبرنا، فقال: اربعوا ١ على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا تدعون سميعا بصيرا قريبا " ٢.
٢- وحديث عائشة ﵂ قالت: "قال النبي ﷺ: إن جبريل ﵇ ناداني قال: إن الله قد سمع قول قومك وما ردوا عليك" ٣.
وهاتان الصفتان من صفات الكمال ونعوت الجلال ألا ترى الخليل ﵇ كما أخبر الله عنه يوبخ أباه بقوله: ﴿لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ "سورة مريم: الآية٤٢".
وقال تبكيتا لعباد الأصنام: ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ "سورة الشعراء: الآيتان ٧٢،٧٣".
فدل ذلك على أن المودع في الفطر أن من شأن الإله أن يكون سميعا يجيب من دعاه، بصيرا يرى من يعبده٤، فالله لا يعزب عن سمعه مسموع وإن خفي، فيسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى كل شيء وإن خفي قريبا أو بعيدا فلا تؤثر على رؤيته الحواجز والأستار" ٥.
_________________
(١) ١ اربعوا: بهمزة وصل مكسورة ثم موحدة مفتوحة من ربع - الثلاثي - أي ارفقوا، ولا تجهدوا أنفسكم. انظر فتح الباري ١١/١٨٨. ٢ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/٣٧٢ ح٧٣٨٦؛ ومسلم في كتاب الذكر والدعاء باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/٢٠٧٦ ح٢٧٠٤ كلاهما من طريق أبي عثمان عن أبي موسى الأشعري. ٣ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/٣٧٢ ح٧٣٨٩ من طريق عروة عن عائشة. ٤ انظر العقائد السلفية ص٦٣. ٥ الكواشف الجلية ص١٤٧.
[ ٣١٨ ]
فالمقصود أن الله تعالى له سمع يسمع به، وبصر يبصر به حقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته. هذا ما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، وهذا هو ما عليه السلف الصالح وهو الذي يعتقده الإمام أبو حنيفة ويؤمن به، دل على ذلك قوله: " ويرى لا كرؤيتنا، ويسمع لا كسمعنا" ١.
وقال في مقام تبيينه لصفة الكلام: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٢.
٧- العلم:
أثبت الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، صفة العلم لله ﷿ وأنه عليم بعلم لا يشبه علم المخلوقين دل على ذلك قوله: "يعلم لا كعلمنا" ٣.
وعلم الله شامل جميع الأشياء صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها. يعلم كليات وجزئيات الأمور، وعلمه محيط بجميع الأشياء في كل الأوقات، أزلا وأبدا فقد علم تعالى في الأزل جميع ما هو خالق، وعلم جميع أحوال خلقه وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، شقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار. وفي ذلك يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى مبينا سعة علم الله وإحاطته لكل شيء: "يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه، ومعدوما يعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم أنه كيف يكون فناؤه، ويعلم الله تعالى القائم في حال قيامه قائما، وإذا قعد علمه قاعدا
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠٢. مقتبسا من القرآن الكريم سورة الشورى، الآية ١١. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠١.
[ ٣١٩ ]
في حال قعوده من غير أن يتغير علمه أو يحدث له علم ولكن التغير والاختلاف يحدثان في المخلوقين" ١.
ورد على غلاة القدرية الذين يقولون: "إن الله لا يعلم أعمال العباد حتى يعملوها" ٢.
حيث قال: "وكان الله تعالى عالما في الأزل قبل كونها"٣.
وقرر الطحاوي هذا الرد في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال:
"لم يخفَ عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٤.
وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة، وعدد من يدخل النار جملة واحدة، فلا يزاد في ذلك العدد ولا ينقص" ٥.
وقال: "خلق الخلق بعلمه" ٦.
وما يعتقده الإمام في صفة العلم هو ما دلت عليه الأدلة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ "سورة الأنعام: الآية٥٩".
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢، ٣٠٣. ٢ انظر الفرق بين الفرق ص١١٤-١١٦، والملل والنحل ١/٤٥، ومجموع الفتاوى ٧/٣٨١. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢١. ٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٣١. ٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص٢١.
[ ٣٢٠ ]
وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ "سورة لقمان: الآية٣٤".
وكقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٨٢".
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ﴾ "سورة التوبة: الآية٧٨".
وكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية٣".
ومن السنة عقد البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ . ضمن كتاب التوحيد أورد فيه حديثين صحيحين يثبتان صفة العلم لله تعالى وهما:
١- حديث ابن عمر: قال النبي ﷺ: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" ١.
٢- حديث عائشة ﵂ قالت: "من حدثك أن محمدا ﷺ رأى ربه فقد كذب وهو يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ ومن حدثك أنه يعلم
_________________
(١) ١ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ ١٣/٣٦١ ح٧٣٧٩، من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
[ ٣٢١ ]
الغيب فقد كذب، وهو يقول: "لا يعلم الغيب إلا الله" " ١.
وكان ﵊ يعلم أصحابه الاستخارة في الأمور كلها كما يعلم السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال عاجل أمري وآجله فاقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال في عاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، وقدّر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته" ٢.
وكان من دعاء النبي ﷺ: " اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني" ٣. فالنصوص الشرعية الدالة على صفة العلم كثيرة. فأهل السنة والجماعة آمنوا بها وأثبتوا ما تدل عليه من معنى ونفوا الكيفية، أما الجهمية والمعتزلة فأنكروا أن يكون لله علم أضافه لنفسه، وجحدوا أن يكون قد أحاط بكل شيء علما، وحاربوا النصوص الدالة على ذلك. فمعبودهم على هذا الاعتقاد ليس العليم الخبير الذي هو بكل شيء عليم، وإنما يعبدون العدم.
_________________
(١) ١ كتاب التوحيد من صحيح البخاري باب قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ ١٣/٢٦١ ح٧٣٨٠، من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة. ٢ أخرجه البخاري: كتاب الدعوات باب الدعاء عند الاستخارة ١١/١٨٣ ح٦٣٨٢ من طريق محمد بن المنكدر عن جابر. ٣ أخرجه البخاري: كتاب الدعوات باب قول النبي ﷺ: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت" ١١/١٩٦ ح٦٣٩٩، من طريق أبي بردة عن أبي موسى.
[ ٣٢٢ ]
٨- ١٠- الحياة والقدرة والإرادة:
الحياة والقدرة والإرادة صفات ذاتية أثبتها الإمام أبو حنيفة. دل على ذلك قوله: " أما الذاتية فالحياة والقدرة والعلم والكلام والسمع والبصر والإرادة "١.
وهي صفات حقيقية أزليّة لائقة بالله لا تشبه صفات المخلوقين قال الإمام أبو حنيفة: "لم يزل قادرا بقدرته، والقدرة صفة في الأزل" ٢.
وقال: "لم يزل ولا يزال بأسمائه وصفاته"٣.
وقال: " ويقدر لا كقدرتنا" ٤.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير وكل شيء إليه فقير وكل أمر عله يسير لا يحتاج إلى شيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٥.
وقال: "حي لا يموت قيوم لا ينام" ٦.
وقال: "ولا يكون إلا ما يريد" ٧.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠١. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠١. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠١. ٤ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠، والاقتباس من سورة الشورى ص١١. ٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ١٩. ٧ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ١٩.
[ ٣٢٣ ]
وما أثبته الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى من اتصاف الله بالحياة والقدرة والإرادة هو ما دلت عليه النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. أما الأدلة من كتاب الله فكقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٥".
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ "سورة الفرقان: الآية٥٨".
وقوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ "سورة طه: الآية١١١".
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ "سورة آل عمران: الآية٢٩".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ "سورة فاطر: الآية٤٤".
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ "سورة القمر: الآية٥٥".
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ "سورة الأنعام: الآية١٢٥".
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ "سورة البقرة: من الآية١٨٥".
وأما الأدلة من السنة فكحديث ابن عباس ﵄ قال:
إن رسول الله ﷺ كان يقول: " اللهم لك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وإليك أنبت وبك خاصمت أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تضلني
[ ٣٢٤ ]
أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون" ١.
وحديث جابر ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: "إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم " ٢.
وحديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين " ٣.
والأدلة في ذلك كثيرة نكتفي بذكر النصوص الشرعية المتقدمة. فالله "كامل القدرة، وبقدرته أوجد الموجودات، وبقدرته دبرها، وبقدرته سواها وأحكمها، وبقدرته يحيي ويميت، ويبعث العباد للجزاء، ويجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، الذي إذا أراد شيئا قال له"كن فيكون"، وبقدرته يقلب القلوب ويصرفها على ما يشاء ويريد" ٤.
فله الإرادة النافذة في جميع الموجودات، والحياة الكاملة المستلزمة لجميع الصفات والكمال. فكل كمال لا نقص فيه ثبت للمخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فهو به أولى ٥. يقول ابن أبي العز: "إن الحياة
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ٤/٢٠٧٦ ح٢٧١٧ من طرق يحيى بن يعمر عن ابن عباس. ٢ تقدم تخريجه ص٣٤٧. ٣ رواه البخاري: كتاب العلم باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ١/١٦٤ ح٧١ من طريق حميد بن عبد الرحمن عن معاوية، ومسلم: كتاب الزكاة باب النهي عن المسألة ٢/٧١٨ ح١٠٣٧. من طريق عبد الله بن عامر عن معاوية. ٤ انظر تفسر السعدي ٥/٦٢٤-٦٢٥. ٥ انظر شرح الأصفهانية ص٨٥، وموافقة صحيح المنقول ١/١٤، ١٥.
[ ٣٢٥ ]
مستلزمة لجميع صفات الكمال فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة فإذا كانت حياته تعالى أكمل حياة وأتمها استلزم إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال حياة" ١.
فالمقصود أن الإرادة والقدرة لا تقومان إلا بالحي، فالميت والجماد لا يوصفان بالعلم والقدرة والإرادة والحياة.
ثانيا – الصفات الذاتية باعتبار والفعلية باعتبار آخر
١- المعية:
أخبر الله ﷾ أنه مع ٢ عباده فقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ﴾ "سورة المجادلة: الآية٧".
وقال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ "سورة الحديد: الآية٤".
فهو معهم بعلمه، وعلمه محيط شامل بجميع الخلق، كذلك هو مع بعض عباده، ليس بالعلم، بل بالنصر والتأييد والتسديد والتوفيق. دلّ على ذلك قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ "سورة طه: الآية٤٦".
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص٧٢. ٢ المعية تنقسم إلى قسمين: معية عامة وهي ذاتية، ومعية خاصة وهي فعلية. راجع لمعرفة أنواع "المعية" مجموع الفتاوى ٥/١٠٣، ١٠٤؛ ومختصر الصواعق ص٤٠٩، ٤١٠.
[ ٣٢٦ ]
أما من السنة فحديث أبي بكر الصديق ﵁ قال: "نظرت إلى أقدام المشركين، ونحن في الغار، وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا فقال: " ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما" ١.
ولقد بين الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا منافاة بين علو الله ومعيّته لخلقه فلقد روي عنه أنه قال: "إن الله ﷾ في السماء دون الأرض. فقال له رجل أرأيت قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢ "سورة الحديد: الآية٤".
قال هو كما تكتب للرجل إني معك وأنت غائب عنه" ٣.
قال البيهقي: "لقد أصاب أبو حنيفة ﵁ فيما نفى عن الله ﷿ من الكون في الأرض، وفيما ذكر من تأويل الآية وتبع مطلق السمع في قوله إن الله ﷿ في السماء" ٤.
٢- القيومية:
وصف الله تعالى ذاته المقدسة بالقيومية فقال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٥".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: كتاب فضائل الصحابة باب مناقب المهاجرين وفضلهم ٧/٨-٩ ح٣٦٥٣، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ ٤/١٨٥٤ ح٢٣٨١ كلاهما من طريق ثابت عن أنس عن أبي بكر الصديق. ٢ سورة الحديد: الآية ٤، تحقيق عماد الدين، ط/ دار الكتاب العربي. ٣ الأسماء والصفات ٢/١٧٠. ٤ الأسماء والصفات٢/١٧٠.
[ ٣٢٧ ]
وقال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ "سورة طه: الآية١١١".
ووصفه النبي ﷺ بالقيومية كما في حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وإن كان فارا من الزحف" ١.
فهو الذي يقوم بنفسه، ومستغن عن جميع خلقه، وقائم بجميع الموجودات، فأوجدها وأبقاها وأمدّها بجميع ما تحتاج إليه في وجودها وبقائها، فهو القائم بنفسه والمقيم لغيره ٢. قرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "حي لا يموت قيوم لا ينام" ٣.
٣- الكلام:
اتفق السلف على إثبات صفة الكلام لله على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه تعالى لم يزل متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء، وأن الكلام صفة له قائمة بذاته، وهو يتكلم بصوت يُسمَع، ولو لم يكن الكلام المعين
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٥١١ من طريق عوف بن مالك بن نظلة عن عبد الله بن مسعود قال الحاكم على أثره: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي في تلخيص المستدرك. وأخرجه الترمذي: كتاب الدعوات باب في دعاء الضيف ٥/٥٦٩ ح٣٥٧٧، وأبو داود: كتاب الصلاة باب في الاستغفار ٢/١٧٨ ح١٥١٧. كلاهما من طريق يسار عن أبيه زيد مولى رسول الله ﷺ قال الترمذي على أثره: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"، وأورده المنذري في الترغيب ٢/٢٦٩ وقال عنه: "إسناده جيد". ٢ تيسير كلام المنان ١/٣١٣ بتصرف. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ١٩.
[ ٣٢٨ ]
قديما. وعلى هذا مضى سلف الأمة من أهل الحديث وسائر الأئمة المهتدين ١.
قال ابن تيمية: وهذا مذهب سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان وسائر أئمة المسلمين، كالأئمة الأربعة، وغيرهم ما دل عليه الكتاب والسنة، وهو الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة أن القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فهو المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل، وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقا منفصلا عنه. وهو سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته ولم يقل أحد منهم إن القرآن والتوراة والإنجيل لازمة لذاته أزلا وأبدا، وهو لا يقدر أن يتكلم بمشيئته وقدرته" ٢.
وقال كذلك: "فمن قال إن حروف المعجم مخلوقة، وأن كلام الله تعالى مخلوق؛ فقد قال قولا مخالفا للمعقول الصريح والمنقول الصحيح. ومن قال نفس أصوات العباد أو مدادهم أو شيئا من ذلك قديم، فقد خالف أيضا أقوال السلف، وكان فساد قوله ظاهرا لكل أحد، وكان مبتدعا قولا لم يقله أحد من أئمة المسلمين، ولا قالته طائفة كبيرة من طوائف المسلمين بل الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم بريئون من ذلك" ٣.
هذا اعتقاد السلف والأئمة الأربعة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - في صفة الكلام على وجه الإجمال. أما عقيدة الإمام أبي حنيفة في صفة الكلام على وجه التفصيل فيندرج تحتها الآتي:
_________________
(١) ١ العقائد السلفية ص١٧٥ بتصرف. ٢ مجموع الفتاوى ١٢/٣٧، ٣٨. ٣ مجموع الفتاوى ١٢/٥٤، ٥٥.
[ ٣٢٩ ]
"أ" التكلم والتكليم.
"ب" سماع كلام الله.
"ج" القرآن كلام الله على الحقيقة.
"د" القرآن غير مخلوق.
وإليك تفضيل ذلك:
التكلم والتكليم:
يعتقد الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أن الله متكلم بكلام حقيقي لا مجازي، دل على ذلك قوله: "قد كان متكلما ولم يكن كلّم موسى ﵇" ١.
وقوله: "ومتكلما بكلامه والكلام صفة في الأزل" ٢.
وهو كلام لائق بجلال الله وعظمته، ليس ككلام البشر. يقول الإمام أبو حنيفة: "ويتكلم لا ككلامنا "٣.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ليس بمخلوق ككلام البرية فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر" ٤.
"ب" سماع كلام الله:
يُسمع الله تعالى كلامه من شاء من ملائكته ورسله ويسمعه عباده في الدار الآخرة، كما أنه كلم موسى وناداه حين أتى الشجرة فسمعه موسى،
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠١. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤.
[ ٣٣٠ ]
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ "سورة القصص: الآية٣٠".
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٤٣".
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ "سورة طه: الآيتان ١١،١٢".
وقال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ "سورة النساء: الآية١٦٤".
وهذا ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، دلّ على ذلك قوله: "وسمع موسى ﵇ كلام الله تعالى كما قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ "سورة النساء: الآية١٦٤".
وقد كان الله تعالى متكلما ولم يكن كلّم موسى ﵇"١.
"ج" القرآن كلام الله على حقيقته:
القرآن سوره وآياته وكلماته، كلام الله تكلم به بحروفه ومعانيه، ولم ينزل على أحد قبل محمد ﷺ، أسمعه جبريل ﵇ وأسمعه جبريل محمدا ﷺ وأسمعه محمد ﷺ أمته. وليس جبريل ولا لمحمد ﷺ إلا التبليغ والأداء، وهو المكتوب في اللوح المحفوظ، وهو الذي في المصاحف يتلوه التالون بألسنتهم، ويقرؤه المقرئون بأصواتهم، ويسمعه السامعون بآذانهم، وهو الذي في صدور الحفاظ بحروفه ومعانيه، تكلم الله
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢.
[ ٣٣١ ]
به على الحقيقة فهو كلامه على الحقيقة لا كلام غيره، منه بدأ وإليه يعود ١.
وهذا ما يعتقده الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، دل على ذلك قوله: "والقرآن كلام الله في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ وعلى الألسن مقروء وعلى النبي ﷺ أنزل" ٢.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه، حيث قال: "وإن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا وأنزله على رسوله وحيا وصدّقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة " ٣.
فكلام الطحاوي في تقريره عقيدة الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى يدل دلالة قاطعة على بطلان الكلام النفسي، فقوله: "منه بدأ" رد على المعتزلة وغيرهم الذين زعموا أن القرآن لم يبدأ منه بل من بعض مخلوقاته" ٤.
فالله هو الذي تكلم به ومنه سبحانه نزل، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ "سورة الجاثية: الآية٢".
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ "سورة الأنعام: الآية١١٤".
_________________
(١) ١ انظر عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٧٧، ٧٨، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية. العقيدة السلفية لكلام رب البرية ص٦٤؛ ومجموعة الرسائل والمسائل ٣/٣٤٩، ٣٥٠. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠١. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤. ٤ مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٤٨٦.
[ ٣٣٢ ]
وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "ٍسورة فصلت: الآيتان١،٢".
وقال تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ "سورة النحل: الآية١٠٢".
وأما قوله: "إليه يعود" أي يرفع من الصدور والمصاحف فلا يبقى في الصدور منه آية ١ ولا في المصاحف. قال ابن ماجه: "باب ذهاب القرآن والعلم" ٢.
ثم ذكر فيه حديث حذيفة بن اليمان وفيه قال: "قال رسول الله ﷺ: " يدرس٣ الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يُدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية " ٤.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص١٥٢، ١٥٣. ٢ سنن ابن ماجه ٢/١٣٤٤. ٣ يُدرس: من درس الرسم دروسا إذا عفا وهلك ومن درس الثوب درسا إذا صار عتيقا. انظر النهاية في غريب الحديث ٢/١١٣. ٤ أخرجه ابن ماجه: كتاب الفتن باب ذهاب القرآن والعلم ٢/١٣٤٤ ح٤٠٤٩. والحاكم في المستدرك ٤/٤٧٣. كلاهما من طريق ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال الحاكم على أثره: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه". وسكت عليه الذهبي في التلخيص وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/٣٠٧ ط/ الجنان: "إسناده صحيح ورجاله ثقات".
[ ٣٣٣ ]
"د" القرآن غير مخلوق:
اعتقاد الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في القرآن هو اعتقاد الأئمة من سلف هذه الأمة وهو ما دل عليه الكتاب والسنة، من أن القرآن منزّل غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود: هذا هو نص كلام الإمام في الفقه الأكبر حيث قال: "والقرآن غير مخلوق" ١.
وفي الوصية حيث قال: "ونقر بأن القرآن كلام الله غير مخلوق" ٢. ولم أقف له على قول في كتبه المنسوبة إليه يخالف هذا القول. ولأجل ما تقدم تتابع أهل العلم على إهمال الروايات المصرحة بأن أبا حنيفة يقول بخلق القرآن، وجزموا مقرّرين بأن مذهب أبي حنيفة عدم القول بخلق القرآن كالإمام أحمد وبشر بن الوليد ٣ والطحاوي واللالكائي وابن تيمية وابن حجر. فالإمام أحمد يرى أن بعض أصحاب أبي حنيفة تابعوا جهما بالقول بخلق القرآن، فقد جاء في كتابه "الرد على الجهمية": "وتبعه يعني جهما - على قوله رجال من أصحابي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد ووضع دين الجهمية" ٤. وكذا بشر بن الوليد، فقد روى ابن عبد البر في الانتقاء عن سهل بن عامر قال: "سمعت بشر بن الوليد يقول: كنا عند أمير المؤمنين فقال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: القرآن
_________________
(١) ١ ص٣٠١. ٢ الجواهر المنيفة في شرح وصية الإمام ص١٠. ٣ هو بشر بن الوليد بن خالد الكندي نسبة إلى كندة بكسر الكاف قبيلة مشهورة باليمن القاضي الفقيه قال عنه الذهبي: "الفقيه سمع مالك بن أنس وتفقه بأبي يوسف وولي قضاء مدينة المنصور إلى سنة ثلاث عشرة ومائتين وكان واسع الفقه متعبدا" مات سنة ٢٣٨هـ. انظر ميزان الاعتدال ١/٣٢٦؛ والفوائد البهية ص٥٤. ٤ ص١٠٤، ١٠٥ ط/ دار اللواء.
[ ٣٣٤ ]
مخلوق وهو رأيي ورأي آبائي، قال بشر بن الوليد: أما رأيك فنعم وأما رأي آبائك فلا" ١، ويكذب عليهما ٢. فهؤلاء شانوا سمعة الإمام أبي حنيفة وأصحابه ٣.
وكذا الطحاوي حيث قال في بيانه اعتقاد الإمام أبي حنيفة وصاحبه: "وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة ليس بمخلوق" ٤، ولم يشر إلى خلاف هذا.
وكذا أيضا اللالكائي سمى علماء السلف الذين يقولون القرآن غير مخلوق من التابعين وتابعيهم من أهل المدينة ومكة والكوفة والبصرة وواسط والشام ومصر والري ٥ وأصبهان وخراسان وبلخ٦ ونيسابور وبخارى وسمرقند.
قال اللالكائي عن أهل الكوفة موطن الإمام أبي حنيفة: "وأما أهل الكوفة فممن تقدم من التابعين سليمان بن مهران الأعمش وحماد بن
_________________
(١) ١ الانتقاء ص١٦٦. ٢ انظر اللسان ١/٣٩٩. ٣ انظر تاريخ بغداد ١٣/٣٨٤. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٤. ٥ الري بفتح أوله وتشديد ثانيه مدينة بخراسان افتتحها عروة بن زبد الطائي في سنة عشرين من الهجرة وقيل تسع عشرة وصفها ياقوت فقال: مدينة مشهورة من أمهات البلاد وأعلام المدن كثيرة الفواكه والخيرات. انظر معجم البلدان ٣/١٦٦. ٦ بلخ مدينة مشهورة بخراسان افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁ وصفها ياقوت فقال: "بلخ من أجمل مدن خراسان وأذكرها وأكثرها خيرا وأوسعها غلة". انظر معجم البلدان ١/٤٧٩.
[ ٣٣٥ ]
أبي سليمان والطبقة الأولى من الفقهاء محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وسفيان بن سعيد الثوري، والنعمان بن ثابت أبوحنيفة، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم، ومحمد بن الحسن "١.
وكذا ابن تيمية فهو يقرر أن اعتقاد الإمام أبي حنيفة في القرآن هو اعتقاد ٢ الأئمة الثلاثة - مالك والشافعي وأحمد، ويرى أن بعض أتباع الإمام أبي حنيفة قالوا بخلق القرآن.
قال ابن تيمية: "وقد وافقهم على ذلك كثير ممن انتسب في الفقه إلى أبي حنيفة من المعتزلة" ٣.
وكذا ابن حجر فقد جاء في "لسان الميزان" قوله عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: "هو من دعاة المأمون في المحنة بخلق القرآن، وكان يقول في دار المأمون هو ديني ودين أبي وجدي وكذب عليهما" ٤.
وظهر من هذا سلامة اعتقاد أبي حنيفة في هذا الباب، وقد جعله الله لسان صدق في هذه الأمة يُدعى له ويترضّى عنه ويُترحّم عليه، وهذا لا يكون مع بدعة القول بخلق القرآن، فرحمه الله ورضي عنه.
_________________
(١) ١ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ١/٢٧٧. ٢ مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٤٧٧؛ ومجموع الفتاوى ٥/٢٦٥؛ ومنهاج السنة ٢/١٠٦. ٣ مجموعة الرسائل والمسائل ٣/٣٦٠. ٤ لسان الميزان ١/٣٩٩.
[ ٣٣٦ ]