التوسل إلى الشيء في عرف أهل اللسان: هو التقرب إليه، واستعمال السبب الموصل إليه، وهو الوسيلة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "سورة المائدة: الآية٣٥".
قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "الوسيلة هي الفعيلة من قول القائل: توسلت إلى فلان بكذا بمعنى تقربت إليه وقوله: وابتغوا إليه الوسيلة يقول: واطلبوا القرب إليه بالعمل بما يرضيه" ١.
وقال الجوهري: "الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال وسل فلان إلى ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة أي تقرب إليه بعمل "٢.
_________________
(١) ١ انظر جامع البيان ٦/٢٢٦، ط الحلبي. ٢ الصحاح ٥/١٨٤١.
[ ٢٦٧ ]
أما التوسل في الشرع فهو خاص بالتقرب إلى الله تعالى.
ويقسم العلماء التوسل إلى الله إلى قسمين:
أولا - توسل مشروع.
ثانيا - توسل ممنوع.
فالتوسل المشروع ما قام عليه دليل من الشرع وهو ثلاثة أنواع:
"أ" التوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا:
وصفته أن يقول المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم اللطيف الخبير أن تعافيني. أو يقول: أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمني وتغفر لي.
ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
ومن السنة حديث أنس بن مالك ﵁ وفيه: "أنه كان مع رسول الله ﷺ جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال النبي ﷺ: "لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: كتاب الصلاة باب الدعاء ٢/١٦٧، ١٦٨ ح١٤٩٥. بنحوه والنسائي: كتاب السهو باب الدعاء بعد الذكر ٣/٥٢ ح١٣٠٠. وابن حبان كما في موارد الظمآن ص٥٩٢ ح٢٣٨٢، والحاكم في المستدرك ١/٥٠٣، ٥٠٤، جميعهم من طرق حفص عن أنس وابن ماجه: كتاب الدعاء باب اسم الله الأعظم ٢/١٢٦٨ ح٣٨٥٨ من طريق أنس بن سيرين عن أنس بن مالك. =
[ ٢٦٨ ]
ويوجد في كلام أبي حنيفة ذكر هذا النوع من التوسل كما في قوله: "ولا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، والدعاء المأذون فيه المأمور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠"١.
أما النوعان الآخران للتوسل المشروع فلم أقف له على قول فيهما.
"ب" التوسل بالعمل الصالح:
وصفته كأن يقول المسلم في دعائه: اللهم بإيماني بك ومحبتي لك واتباعي لرسولك اغفر لي.
ودليل مشروعية هذا التوسل من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ "سورة المائدة: الآية٣٥".
وقوله جلّ وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ "سورة الإسراء: الآية٥٧".
وقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ "سورة آل عمران:١٦".
ومن السنة: قصة أصحاب الغار الثابتة في الصحيحين فقد توسلوا بأعمالهم الصالحة فتوسل أحدهم ببره لوالديه، والآخر
_________________
(١) = قال الحاكم عن هذا الحديث: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" وأقره الذهبي. ١ الدر المختار مع حاشية رد المحتار ٦/٣٩٦، ٣٩٧.
[ ٢٦٩ ]
بعفته عن الفاحشة، والثالث بإحسانه إلى أجير كان عنده ١.
"ج" التوسل بدعاء الصالحين:
ودليل مشروعيته ما ورد في صحيح مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: "قدمت الشام فأتيت أبا الدرداء في منزله فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، فقالت: فادع الله لنا بخير. فإن النبي ﷺ كان يقول: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب، مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به، آمين، ولك بمثل" ٢.
وقد كان الصحابة يتوسلون بدعاء النبي ﷺ في حياته ومنه قول الأعرابي حين أصابت سَنَة على عهد رسول الله ﷺ.
قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يغيثنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا " ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: كتاب البيوع باب إذا اشترى أشياء لغيره بغير إذنه فرضي ٤/٤٠٨ ح٢٢١٥. ومسلم: كتاب الذكر والدعاء باب قصة أصحاب الغار الثلاثة والتوسل بصالح الأعمال ٤/٢٠٩٩ ح٢٧٤٣. كلاهما من طريق نافع عن ابن عمر. وأحمد في المسند ٢/١١٦ من طريق سالم بن عبد الله عن ابن عمر. ٢ أخرجه مسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ٤/٢٠٩٤ ح٢٧٣٣. وابن ماجه: كتاب المناسك باب فضل دعاء الحاج ٢/٩٦٧ ح٢٨٩٥ كلاهما من طريق أبي الزبير عن صفوان بن عبد الله بن صفوان. ٣ أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء باب في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة ٢/٥٠٧ ح١٠١٤=
[ ٢٧٠ ]
فالصحابة توسلوا بدعاء النبي ﷺ في حياته، ثم بعد وفاته توسلوا بدعاء عمه العباس، فقد ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال فيُسقَون" ١.
فالصحابة عدلوا عن التوسل برسول الله ﷺ بعد موته إلى التوسل بدعاء العباس، فدل على أن التوسل بدعاء النبي ﷺ قد انقطع بموته، فلو كان التوسل بالرسول بعد موته جائزا لما عدل الصحابة عن الرسول ﷺ إلى العباس، وهذا من الوضوح بحيث لا يخفى على ذي لب.
أما التوسل الممنوع:
فهو ما لا دليل عليه من كتاب أو سنة، وهو ثلاثة أنواع:
١- التوسل إلى الله تعالى بذات وشخص المتوسل به سواء كان النبي ﷺ أو غيره. وهو نوعان:
"أ" أن يدعو المتوسَّل به:
ذلك بأن يدعوه، ويستغيث به، ويطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله ولو يجعله واسطة فيما يطلبه من الله. وهذا النوع من التوسل هو من الشرك الأكبر لأنه دعاء لغير الله، والتجاء إليه في المهمات وهو من صرف العبادة
_________________
(١) = ومسلم: كتاب الاستسقاء باب الدعاء في الاستسقاء ٢/٦١٢ ح٨٩٧ كلاهما من طريق شريك عن أنس بن مالك. ١ أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا ٢/٤٩٤ ح١٠١٠. وابن سعد في الطبقات الكبرى ٤/٢٨، ٢٩. كلاهما من طريق ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك.
[ ٢٧١ ]
لغير الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ "سورة المؤمنون: الآية١١٧".
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ "سورة الأحقاف: الآية ٥".
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "ومن أراد بالواسطة أنه لا بد من واسطة في جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم يسألونه ذلك ويرجعون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء يجتلبون المنافع ويجتنبون المضار" ١.
فلم يأمرنا الله أن نستغيث بالصالحين من عباده أو ندعو أنبياءه حتى تستجاب لنا المسألة، بل قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ "سورة غافر: الآية٦٠".
فأمر بدعاء العبادة ودعاء المسألة، ووعدنا بالإجابة، وتوعد من استكبر عنها بالعذاب والإهانة ٢.
"ب" التوسل بالذات في دعاء الله:
هو أن يجعل ذات النبي ﷺ أو غيره وسيلة في دعاء الله كأن يقول في دعائه: "اللهم إني أسألك بنبيك محمد ﷺ".
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "السؤال به فهذا يجوزه طائفة من الناس، ونقل في ذلك آثار عن بعض السلف، وهو موجود في دعاء
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ١/١٢٣-١٢٤. ٢ انظر تفسير كلام المنان ٦/٥٤٠ بتصرف.
[ ٢٧٢ ]
كثير من الناس. لكن ما روي عن النبي ﷺ في ذلك كله ضعيف بل موضوع وليس عنه حديث ثابت قد يظن أن لهم فيه حجة إلا حديث الأعمى وحديث الأعمى لا جحة لهم فيه؛ فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته وساغ النزاع في السؤال بالأنبياء والصالحين دون الإقسام بهم، لأن بين السؤال والإقسام فرقا، فإن السائل متضرع يسأل بسبب يناسب الإجابة، والمقسم أعلى من هذا فإنه طالب مؤكد طلبه بالقسم، وهذا التوسل بالأنبياء - بمعنى السؤال بهم - هو الذي قال أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم أنه لا يجوز، وليس في المعروف من مذهب مالك ما يناقض ذلك فضلا عن أن يجعل هذا من مسائل السبب؛ فمن نقل عن مذهب مالك أنه جوّز التوسل بمعنى الإقسام به أو السؤال به فليس معه في ذلك نقل عن مالك" ١.
وقال: "قد نُقل في منسك المروزي عن أحمد دعاء فيه سؤال بالنبي ﷺ وهذا قد يخرج
على إحدى روايتين في جواز القسم به ومعظم العلماء على النهي في الأمرين.." ٢.
قلت: اتفق العلماء على أن اليمين بالحلف بمخلوق لا تنعقد إلا في نبينا محمد ﷺ، فإن عند الإمام أحمد رحمة الله تعالى عليه في ذلك روايتين في انعقاد اليمين به ٣، والذي عليه الجمهور ٤ - مالك والشافعي وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى - أنه لا تنعقد اليمين به ﵊
_________________
(١) ١ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص١١٤-١١٧. ٢ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٧٥. ٣ انظر المغني ٩/٥١٣، ٥١٤؛ والكافي ٤/٣٧٩؛ والشرح الكبير ٦/٧٨؛ وفتح الباري ١١/٥٣٤؛ وطرح التثريب ٧/١٤٦. ٤ قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص٢٧٣.
[ ٢٧٣ ]
كإحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصحيح. وفي هذا يقول ابن قدامة ١:
لأنه حلف بغير الله فلم يوجب كفارة كسائر الأنبياء، ولأنه مخلوق فلم تجب الكفارة بالحلف به كإبراهيم ﵇، ولأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص، ولا يصح قياس اسم غير الله على اسمه، لعدم الشبه وانتفاء المماثلة" ٢.
٢- التوسل إلى الله تعالى بحق فلان أو جاهه ونحو هذا: منع الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى هذا التوسل، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: "اللهم إني أسألك بحق فلان عليك أو بجاهه عندك أن تغفر لي".
قال أبو حنيفة ٣: "يكره أن يقول الداعي أسألك بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام".
وقال بشير بن الوليد: حدثنا أبو يوسف قال: قال أبو حنيفة: "لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول: بمعاقد العز من عرشك ٤،
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن أحمد بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مقدام بن نصر المقدسي الجمّاعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي. قال عنه الذهبي: "الشيخ الإمام القدوة العلامة المجتهد شيخ الإسلام" مات سنة ٦٢٦هـ. سير أعلام النبلاء ٢٢/١٦٥-١٧٣؛ وانظر ترجمته في شذرات الذهب ٥/٨٨-٩٢؛ وذيل طبقات الحنابلة ٢/١٣٣-١٤٩٨. ٢ المغني ٩/٥١٤. ٣ العقيدة الطحاوية ص٢٣٤؛ وإتحاف السادة المتقين ٢/٢٨٥؛ وشرح الفقه الأكبر للقاري ص١٩٨. ٤ كره الإمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن أن يقول الرجل في دعائه"اللهم إني =
[ ٢٧٤ ]
أو بحق خلقك"١.
وقال أبو يوسف: "وأكره أن يقول بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام"٢.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الذي قاله أبو حنيفة وأصحابه من أن الله لا يسأل بمخلوق له معنيان:
أحدهما: هو موافق لسائر الأئمة الذي يمنعون أن يقسم أحد بالمخلوق، فإنه إذا منع أن يقسم على مخلوق بمخلوق فلأن يمنع أن يقسم على الخالق بمخلوق أولى وأحرى بخلاف المخلوق فإن إقسامه
_________________
(١) = أسألك بمعقد العز من عرشك". لعدم وجود النص في الإذن به، وأما أبو يوسف فقد جوز لوقوفه على نص من السنة وفيه أن النبي ﷺ كان من دعائه: "اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدِّك الأعلى وكلماتك التامة". وهذا الحديث أخرجه البيهقي في كتاب الدعوات الكبير كما في البناية ٩/٣٨٢، ونصب الراية ٤/٢٧٢، ٢٧٣. وفي إسناده ثلاثة أمور قادحة:
(٢) عدم سماع داود بن أبي عاصم من ابن مسعود.
(٣) عبد الملك بن جريج مدلس ويرسل.
(٤) عمر بن هارون متهم بالكذب. من أجل هذا قال ابن الجوزي كما في البناية ٩/٣٨٢ "هذا حديث موضوع بلا شك وإسناده محبط كما ترى". انظر تهذيب التهذيب ٣/١٨٩، ٦/٤٠٥، ٧/٥٠١؛ وتقريب التهذيب ١/٥٢٠. ١ التوسل والوسيلة ص٨٢؛ وانظر شرح الفقه الأكبر ص١٩٨. ٢ إتحاف السادة المتقين ٢/٢٨٥؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص٢٣٤.
[ ٢٧٥ ]
بالمخلوقات شرك بخالقها كما في السنن عن النبي ﷺ قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ١.
وأما الثاني: وهو السؤال المعظَّم كالسؤال بحق الأنبياء، فهذا فيه نزاع وقد تقدم عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز، ومن الناس من يجوّز ذلك" ٢.
قلت: من هؤلاء: العز بن عبد السلام حيث قال: "أما مسألة الدعاء فقد جاء في بعض الأحاديث أن رسول الله ﷺ علم بعض الناس الدعاء فقال في أقواله: "قل: اللهم إني أقسم عليك بمحمد ﷺ نبي الرحمة".
وهذا الحديث إن صح فينبغي أن يكون مقصورا على رسول الله ﷺ، لأنه سيد ولد آدم، وألا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خُص به تنبيها على درجته ومرتبته" ٣.
قلت: لفظ الحديث هو: " أن رجلا ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: "ادع الله أن يعافيني قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت فهو خير لك، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ" ٤.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص٢٥٩. ٢ التوسل والوسيلة ص٨٣، ٩٩. ٣ فتاوى العز بن عبد السلام ص١٢٦. ٤ أخرجه أحمد في المسند ٤/١٣٨. والترمذي: كتاب الدعوات باب ١١٩، ٥/٥٦٩ ح٣٥٧٨، وابن ماجه كتاب إمامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة ١/٤٤١ ح١٣٨٤ والحاكم في المستدرك ١/٣١٣. جميعهم من طريق عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حنيف.
[ ٢٧٦ ]
وليس فيه "إني أقسم عليك بمحمد"، ولم أقف عليه بهذا اللفظ في دواوين السنة النبوية.
وهذا الحديث حكم عليه أئمة هذا الشأن بالصحة كالطبراني ١، والبيهقي ٢، وشيخ الإسلام ٣، والحاكم٤، والذهبي ٥، والسيوطي ٦، والمناوي ٧، والألباني ٨.
وليس في هذا الحديث متمسّك لمن يرى جواز التوسل بذات النبي ﷺ أو جاهه؛ فإن الحديث صريح في أن الغرض من مجيء هذا الرجل، وهو ضرير البصر إلى النبي ﷺ طلب الدعاء منه، وليس التوسل بذاته أو جاهه، ولو أراد غير ذلك لجلس في بيته ودعا بجاه النبي ﷺ يدل على ذلك قوله للنبي ﷺ: "ادع الله أن يعافيني".
ورد الرسول ﷺ بقوله: " إن شئت دعوت وإن شئت صبرت فهو خير لك ".
فتبين مما سبق أن الحديث ليس فيه ما يستدل به على جواز التوسل بجاه النبي ﷺ أو بذاته إذ قوله: "بنبيك" على تقدير المضاف أي بدعاء نبيك أو بشفاعته ٩.
_________________
(١) ١ المعجم الصغير ١/١٨٤. ٢ دلائل النبوة ٦/١٦٧؛ وانظر التوسل والوسيلة ص١٨٧. ٣ التوسل والوسيلة ص١٨٧. ٤ المستدرك ١/٣١٣. ٥ تلخيص المستدرك ١/٣١٣. ٦ الجامع الصغير ١/٢٢٧.. ٧ فيض الباري ٢/١٢٤، ١٢٥. ٨ التوسل أنواعه وأحكامه ص٧٠. ٩ التوسل والوسيلة ص٢٥٩ ط/ السلفية.
[ ٢٧٧ ]
٣- الإقسام على الله تعالى بالمتوسَّل به: وهذا التوسل منعه الإمام أبو حنيفة ١ رحمه الله تعالى، وصفته أن يقول المسلم في دعائه: "اللهم إني أقسم عليك بفلان أن تقضي حاجتي".
فالقسم والحلف بالله من تعظيمه، وتعظيمه عبادة، وإنما يكون الحلف بالله من تعظيمه مع الصدق وحفظ الإيمان عما يتضمن الاستهانة بالله. وقد تقدم قول الإمام أبي حنيفة: "لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص" ٢.
ومن صرف هذه العبادة لغير الله فقد أشرك. قال النبي ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" ٣.
وقال النبي ﷺ: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله، أو ليصمت" ٤.
_________________
(١) ١ التوسل والوسيلة ص٨٢؛ وانظر روح المعاني ٦/١٢٦. ٢ بدائع الصنائع ٣/٨. ٣ أخرجه أحمد في المسند ٢/٦٩، ٨٦، وأبو داود: كتاب الأيمان والنذور باب كراهية الحلف بالآباء ٣/٥٧٠ ح٣٢٥١. والترمذي: كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ٤/١١٠ ح١٥٣٥. والبيهقي في السنن ١٠/٢٩. والحاكم في المستدرك ١/١٨. جميعهم من طريق سعد بن عبيدة عن ابن عمر ولفظه عند الترمذي والبيهقي: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". ولفظه عند الحاكم: "من حلف بغير الله فقد كفر". قال الترمذي على إثره: "هذا حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث على شرط الشيخين فقد احتجا بمثل هذا الإسناد". وأقره الذهبي في التلخيص. ٤ أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذر باب لا تحلفوا بآبائكم ١١/٥٣٠ ح٦٦٤٦، ومسلم: كتاب الأيمان باب النهي عن الحلف بغير الله ٣/١٢٦٧ ح١٢٤٦، والترمذي: كتاب النذور والأيمان باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله ٤/١١٠ ح١٥٣٤ جميعهم من طريق نافع عن ابن عمر.
[ ٢٧٨ ]
فإذا كان الحلف بمخلوق شركا، فكيف بالحلف بالمخلوق على الخالق؟ فالمقصود أن الدعاء عبادة كما قاله النبي ﷺ: "إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ ١.
فلا يتوسل إلى الله بشيء إلا ما جعله الله وسيلة فيه كالتوسل بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وسائر أنواع التوسل المشروع؛ فالعبادات مبناها على اتباع هدي النبي ﷺ ووفق شرعه والإخلاص بالنية والقصد، لا على الهوى والابتداع. فالواجب على المسلم أن يتثبت في هذا فلا يعبد الله إلا بما شرع وأمر به وأذن فيه.
وأن يحرص كل الحرص في أن يميز السنة والبدعة، والتوحيد من الشرك، والحق من الباطل، حتى يخلص وينجو من الوقوع فيما ينقض التوحيد.
هذا هو آخر الحديث عن توحيد الألوهية وبه نهاية الفصل الثاني، ويليه الفصل الثالث وهو في توحيد الأسماء والصفات.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في المسند ٤/٢٦٧، والبخاري في الأدب المفرد ص٢٤٩، وأبو داود كتاب الصلاة باب الدعاء ٢/١٦١ ح١٤٧٩، والترمذي: كتاب الدعاء باب ما جاء في فضل الدعاء ٥/٤٥٦ ح٣٣٧٢، وابن ماجه: كتاب الدعاء باب فضل الدعاء ٢/١٢٥٨ ح٣٨٢٨، والحاكم في المستدرك ١/٩٤٠. جميعهم من طريق يسيع الكندي الحضرمي عن النعمان بن بشير، قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
[ ٢٧٩ ]