يفتن الناس في قبورهم فينعمون أو يعذبون، دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ "سورة الأنعام: الآية٩٣".
وقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ "سورة غافر: الآية٤٦".
وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ "سورة إبراهيم: الآية٢٧".
قال النبي ﷺ في تفسير هذه الآية: قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ " ١.
وقول النبي ﷺ: "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة، فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ٨/٣٧٨ ح٤٦٩٩ من طريق سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب.
[ ٥٠٢ ]
فمن أهل النار، فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة" ١.
وقول النبي ﷺ: "أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من بوله " ٢.
فسؤال الملكين: منكر ونكير، والعذاب في القبر ونعيمه حق واجب شرعا لثبوته عن النبي ﷺ في عدة أخبار يبلغ مجموعها مبلغ التواتر ٣، وهو مقتضى الأدلة من الكتاب والسنة ومتفق عليه بين أهل السنة، قال النووي: "اعلم أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ "سورة غافر: الآية٤٦".
وتظاهرت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من رواية جماعة من الصحابة في مواطن كثيرة ولا يمتنع في العقل أن يعيد الله الحياة في جزء من الجسد ويعذبه
إلى أن قال: "والمقصود أن مذهب أهل السنة إثبات عذاب القبر، كما ذكرنا خلافا للخوارج ومعظم المعتزلة وبعض المرجئة" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الجنائز باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي ٣/٢٤٣ ح١٣٧٨٩، ومسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار ٤/٢١٩٩ ح٢٨٦٦ كلاهما من طريق نافع عن عبد الله بن عمر. ٢ أخرجه البخاري كتاب الوضوء باب من الكبائر ألا يستتر من بوله ١/٣١٧ ح٢١٦؛ ومسلم كتاب الطهارة باب الدليل على نجاسة البول ١/٢٤٠، ٢٤١ ح٢٩٢ كلاهما من طريق مجاهد عن طاوس عن ابن عباس. ٣ لوامع النوار ٢/٥، ٢٣. ٤ شرح مسلم للنووي ١٧/٢٠٠، ٢٠١.
[ ٥٠٣ ]
وهذا هو ما عليه أبو حنيفة، دل على ذلك قوله: "سؤال منكر ونكير حق كائن في القبر، وإعادة الروح إلى جسد العبد في قبره حق، وضغطة القبر وعذابه حق كائن للكفار كلهم ولبعض عصاة المؤمنين" ١.
وقال: "ونقرّ بأن عذاب القبر كائن لا محالة، ونقر بأن سؤال منكر ونكير حق لورود الأحاديث" ٢.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن بملك الموت الموكّل بقبض أرواح العالمين، وبعذاب القبر لمن كان له أهلا، وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه، على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله ﷺ وعن الصحابة رضوان الله عليهم، والقبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران" ٣.
قال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "وقد تواترت الأخبار عن النبي ﷺ في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلا، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، فيجب الاعتقاد بثبوت ذلك. وأما قولهم بسؤال منكر ونكير للميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وقولهم بأن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران؛ فإنما قالوا ذلك بما تواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك كله ولاتفاق الصحابة رضوان الله عنهم على ثبوته" ٤.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٦. ٢ الوصية مع شرحها ص٢٣-٢٤. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٠. ٤ النور اللامع "ق-١١٠/ب".
[ ٥٠٤ ]