اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضل هذه الأمة بعد نبيها، أبو بكر الصديق ﵁ ومن بعد أبي بكر عمر بن الخطاب وفي هذا يقول النووي: "اتفق أهل السنة والجماعة على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر" ١.
وقال ابن الصلاح: "أفضلهم على الإطلاق أبو بكر ثم عمر" ٢.
ويقول ابن حجر الهيتمي: "اعلم أن الذي اتفق عليه عظماء الملة، وعلماء الأمة أن أفضل هذه الأمة أبو بكر الصديق ثم عمر ﵄" ٣.
وقال القسطلاني: "إن أفضلهم على الإطلاق عند أهل السنة والجماعة إجماعا أبو بكر ثم عمر"٤.
ويقول ابن تيمية: "لم يختلف علماء الإسلام في تفضيل أبي بكر
_________________
(١) ١ شرح مسلم ١/١٤٨. ٢ مقدمة ابن الصلاح ص١٤٩. ٣ الصواعق المحرفة ص٥٧. ٤ المواهب اللدنية ٧/٣٦-٣٩.
[ ٥٤٤ ]
وعمر، وتقديمهما على جميع الصحابة. وهو قول مالك وأصحابه وأبي حنيفة وأصحابه ومن لا يحصى عدده..ممن له في الإسلام لسان صدق، كلهم يجزمون بتقديم أبي بكر وعمر" ١.
وهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة بل أجمعوا عليه ٢، ولكنهم اختلفوا في تفضيل عثمان على عليّ. وفي هذا يقول الشافعي: "وما اختلف أحد من الصحابة والتابعين في تفضيل أبي بكر وعمر وتقديمهما على جميع الصحابة، وإنما في علي وعثمان ونحن لا نخطِّئ واحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فيما فعلوا" ٣.
وقال الزركشي: "وإنما وقع الخلاف في التفضيل بين علي وعثمان" ٤. فجمهور أهل السنة على تقديم عثمان على عليّ ﵃ أجمعين. وفي هذا يقول النووي: "وقال جمهورهم - يعني أهل السنة - ثم عثمان ثم علي" ٥.
وقال ابن الصلاح: "ثم إن جمهور السلف على تقديم عثمان على عليّ ﵃ أجمعين ـ"٦.
وقال بعض أهل السنة في تقديم عليّ على عثمان.
_________________
(١) ١ منهاج السنة ٧/٢٨٦-٢٨٨. ٢ حكى الإجماع الغزالي في الاقتصاد ص١٥٤، ط دار الكتب العلمية، والأيجي في شرح المواقف ٣/٢٧٩. ٣ الاعتقاد للبيهقي ص١٩٢. ٤ الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة ص٦١. ٥ شرح مسلم للنووي ١٥/٤٨. ٦ مقدمة ابن الصلاح ص١٧٧، ط مكتبة الفارابي تحقيق د/ مصطفى البغا، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ.
[ ٥٤٥ ]
وفي هذا يقول ابن كثير: "والعجب أنه قد ذهب بعض أهل الكوفة من أهل السنة إلى تقديم عليّ على عثمان، ويحكى عن سفيان الثوري، ولكن يقال إنه رجع عنه ١. ونقل مثله عن وكيع بن الجراح ونصره ابن خزيمة والخطابي وهو ضعيف مردود" ٢.
وروي هذا القول عن الإمام أبي حنيفة فقد أسند إليه ابن عبد البر في الانتقاء قوله: "الجماعة أن تفضل ٣ أبا بكر وعمر وعليا وعثمان وما تتنقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ " ٤.
وجاء في السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني أن نوح بن أبي مريم سأل أبا حنيفة عن مذهب أهل السنة فقال: "أن تفضِّل أبا بكر وعمر وتحب عليا وعثمان " ٥.
وجاء في مناقب أبي حنيفة للمكي: "كان أبو حنيفة يفضل أبا بكر على أصحاب النبي ﷺ ثم عمر، ثم يقول عليّ وعثمان".
وقال ابن أبي العز: "وقد روي عن أبي حنيفة تقديم عليّ على عثمان ﵄ ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان على عليّ، وعلى هذا عامة أهل السنة" ٦.
_________________
(١) ١ انظر فتح الباري ٧/١٦. ٢ الباعث الحثيث ص١٨٣، ط دار الكتب العلمية. ٣ في الأصل: "أن فضل أبا بكر.." وهو غلط، والصواب ما أثبت لأن ما بعده مفعول به منصوب. ٤ ص٦٣. ٥ ١/١٥٨. ٦ شرح العقيدة الطحاوية ص٥٧٠.
[ ٥٤٦ ]
فقوله روي بصيغة التمريض؛ وهي تشعر بعدم ثبوت هذه الرواية عن الإمام أبي حنيفة. ولعله قد استند على ما روي عن الإمام أبي حنيفة في غير ما موضع من أنه كان يفضل أبا بكر وعمر ويحب عليا وعثمان فقوله: "علي وعثمان" لا يقتضي تقديم علي على عثمان لأن الوار في اللغة العربية لمطلق الجمع، ولأن التقديم الذكري لا يستلزم التقديم في الفضل، فالذي استقر عليه الإمام أبو حنيفة هو تفضيل عثمان على علي دل على ذلك قوله: "وأفضل الناس بعد النبيين عليهم الصلاة والسلام أبوبكر الصديق ثم عمر بن الخطاب الفاروق ثم عثمان بن عفان ذو النورين ثم علي بن أبي طالب المرتضى رضوان الله تعالى عليهم أجمعين عابدين ثابتين على الحق ومع الحق نتولاهم جميعا" ١.
ويقول: "ونقرّ بأن أفضل هذه الأمة بعد نبينا محمد ﷺ: أبو بكر الصديق ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضوان الله عليهم أجمعين" ٢.
وقال: "أفضل الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ، ثم نكف عن جميع أصحاب رسول الله ﷺ إلا بذكر جميلٍ" ٣.
وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁ تفضيلا وتقديما على جميع الأمة، ثم لعمر بن الخطاب ﵁، ثم لعثمان ﵁، ثم لعلي بن أبي طالب ﵁، وهم
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٣-٣٠٤. ٢ الوصية مع شرحها ص١٤. ٣ كما في النور اللامع "ق-١١٩-ب" عنه.
[ ٥٤٧ ]
الخلفاء الراشدون والأئمة المهتدون" ١.
وهذا ما استقر عليه أئمة الفقه كالشافعي ومالك في إحدى الروايتين.
وفي هذا يقول ابن تيمية: "وجمهور الناس فضلوا عثمان وعليه استقر أمر أهل السنة، وعليه أئمة الفقه كالشافعي وأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك" ٢.
وحكى القاضي عياض رجوع الإمام مالك عن الوقف في تفضيل عثمان على عليّ.
وفي هذا يقول الزرقاني: " حكى القاضي عياض عن مالك الرجوع عن الوقف إلى تفضيل عثمان وقال: إنه مشهور عن مالك والثوري وكافة أئمة الحديث والفقه وكثير من المتكلمين، وقال القرطبي: إنه الأصح عن مالك إن شاء الله" ٣.
وذكر ابن بدران في المدخل أن الإمام أحمد كان يفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ويسكت، ثم ربع بعلي لما ثبت له صحة حديث ابن عمر ونقل عن الإمام أحمد قوله: "كنا نقول: أبو بكر وعمر وعثمان ونسكت حتى صح لنا حديث ابن عمر" ٤.
قال ابن بدران: "وأما الحديث الذي أشار إليه الإمام فإني كشفت عليه في المسند فلم أجده، ولست أدري هل فيه وزاغ عنه البصر فلم أجده؟! لكني وجدت أن الحافظ أبا القاسم ابن عساكر رواه في ترجمة
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥٧. ٢ منهاج السنة ٨/١٩٧، ٢٢٥. ٣ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٧/٣٨. ٤ المدخل ص١٧، ١٨.
[ ٥٤٨ ]
أبي بكر الصديق ﵁ من تاريخه الكبير عن ابن عمر قال: كنا نقول ورسول الله حي: أفضل هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي فيبلغ ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكر، وفي لفظ: ثم ندع أصحاب رسول الله ﷺ فلا نفاضل بينهما، قال ابن بدران: وحيث أن الإمام أشار إلى صحة هذا الحديث تركنا الكلام عليه اكتفاء بتوثيق إمام المحدثين" ١.
والحديث الذي رواه ابن عساكر أصله في صحيح البخاري ولفظه: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ﵃" ٢.
ولخص شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل السنة في المفاضلة بين عثمان وعلي بقوله: "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وعن غيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبى بكر وعمر أيهما أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي، وقدم قوم عليا، وقوم توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان" ٣.
فالمقصود أن تفضيل عثمان على علي هو ما كان عليه أئمة الفقه
_________________
(١) ١ المدخل ص١٧، ١٨. ٢ أخرجه البخاري كتاب فضائل الصحابة باب فضل أبي بكر ٧/١٦ ح"٣٦٢٥" من طريق نافع عن ابن عمر. ٣ مجموع الفتاوى ٣/١٥٣.
[ ٥٤٩ ]
وجمهور أهل السنة، ومن قال بخلاف ذلك فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار كما قال أيوب السختياني: "من لم يقدم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار" ١.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٤/٤٢٨؛ ومنهاج السنة ٨/٢٢٥؛ قال ابن تيمية: "ولو لم يكن عثمان أحق بالتقديم وقدموه كانوا إما جاهلين بفضله وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني، ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم".
[ ٥٥٠ ]