الإيمان بالقدر يقوم على أصول ومراتب يقينية، تقوم عليها معاني القضاء والقدر، فلا يتم الإيمان بالقدر إلا بمعرفتها والإيمان بها. وفيما يلي ذكر هذه المراتب مع الاستدلال لها:
المرتبة الأولى: الإيمان بعلم الله المحيط بكل شيء والسابق لكل شيء.
المرتبة الثانية: الإيمان بكتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون.
المرتبة الثالثة: الإيمان بأن الله خالق كل شيء.
المرتبة الرابعة: الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء فهو المتفرد بالخلق والإيجاد ١.
قال شيخ الإسلام: "وتؤمن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - بالقدر خيره وشره، والإيمان بالقدر على درجتين تتضمنان شيئين.
فالدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات
_________________
(١) ١ انظر شفاء العليل ص٥٥ بتصرف. ط/ دار الكتب العلمية.
[ ٥٢٣ ]
والمعاصي والأرزاق والآجال ثم كتب الله في اللوح المحفوظ مقادير الخلق وأما الدرجة الثانية فهي مشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة، وهو الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه ما في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلا بمشية الله ﷾، لا يكون في ملكه إلا ما يريد وأنه ﷾ على كل شيء قدير من الموجودات والمعدومات. فما من مخلوق في الأرض ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خلاق غيره ولا رب سواه" ١.
دل على المرتبة الأولى والثانية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ "سورة الحج: الآية٧٠".
وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ "سورة الأنعام: الآية٥٩".
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ "سورة الطلاق: الآية١٢".
وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ "سورة يس: الآية١٢".
ومن السنة قول النبي ﷺ: "ما منكم أحد إلا وقد كتب الله مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ إلى قوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ "سورة الليل: الآيات ٥-١٠ " ٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/١٤٨، ١٤٨. ٢ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب تفسير سورة الليل ٨/٨٠٧ ح٤٤٩٤٥؛ ومسلم =
[ ٥٢٤ ]
وقوله ﷺ: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" ١.
ودل على المرتبة الثالثة والرابعة:
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ "سورة آل عمران: الآية٤٧".
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ "سورة هود: الآية١١٨".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ "سورة يس: الآية٨٢".
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ "سورة التكوير: الآية٢٩".
وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "سورة الزمر: الآية٦٢".
وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ "سورة الفرقان: الآية٢".
ومن السنة قول النبي ﷺ: "إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء" ٢.
فلا يكون العبد مؤمنا بالقدر حتى يؤمن بهذا كله. وفي بيان المرتبة الأولى وهي علم الله المحيط بكل شيء، يقول الإمام أبو حنيفة: "وكان الله
_________________
(١) = كتاب القدر باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه ٤/٢٠٣٩ ح٢٦٤٨، كلاهما من طريق أبي عبد الرحمن عن علي بن أبي طالب. ١ تقدم تخريجه ص٥١٦. ٢ أخرجه مسلم كتاب القدر باب تصريف الله تعالى القلوب كيف يشاء ٤/٢٠٤٥ ح٢٦٥٤ من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٥٢٥ ]
تعالى عالما في الأزل بالأشياء قبل كونها" ١.
وقال: "يعلم الله تعالى المعدوم في حال عدمه معدوما، ويعلم أنه كيف يكون إذا أوجده، ويعلم الله تعالى الموجود في حال وجوده موجودا، ويعلم كيف يكون فناؤه" ٢.
وقرر الطحاوي هذا في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٣.
وقال: "وقد علم الله تعالى فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة وعدد من يدخل النار جملة واحدة فلا يزاد في ذلك ولا ينقص منه" ٤.
وقال: "وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه، فقدّر ذلك تقديرا محكما مبرما، ليس فيه ناقص ولا معقب ولا مزيل ولا مغيِّر ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه"٥.
في بيان المرتبة الثانية وهي كتابه الذي اشتمل على كل ما سيكون، يقول الإمام أبو حنيفة: "وقدّره وكتبه في اللوح المحفوظ" ٦.
وقال: "ونقِرُّ بأن الله تعالى أمر القلم أن يكتب فقال القلم، ما أكتب يا رب؟ فقال الله تعالى: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة لقوله
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٢، ٣٠٣. ٢ الفقه الأكبر ٣٠٢، ٣٠٣. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢١. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣١. ٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٥. ٦ الفقه الأكبر ص٣٠٢.
[ ٥٢٦ ]
تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ ١" سورة القمر: الآيتان٥٢-٥٣".
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "ونؤمن باللوح والقلم وبجميع ما فيه قد رقم، فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله تعالى فيه أنه كائن ليجعلوه غير كائن؛ لم يقدروا عليه، ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله تعالى فيه كائنا، لم يقدروا عليه، جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه" ٢.
وفي بيان المرتبة الثالثة وهي الإيمان بمشيئة الله وقدرته العامة على كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته" ٣.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وكل شيء يجري بتقديره، ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة العباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن" ٤.
وفي بيان المرتبة الرابعة وهي الإيمان بأن الله خالق كل شيء يقول الإمام أبو حنيفة: "خلق الله الأشياء لا من شيء" ٥.
_________________
(١) ١ الوصية مع شرحها ص٢١. ٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٥. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٢. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢١. ٥ الفقه الأكبر ص٣٠٢.
[ ٥٢٧ ]
وقال: "وكان الله تعالى خالقا قبل أن يخلق" ١.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "خالق بلا حاجة خلق الخلق بعلمه" ٢.
وقال: "ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم" ٣.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٤. ٢ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٠. ٣ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢١.
[ ٥٢٨ ]