عاش الإمام في بيئة يغلب عليها الجدل؛ حيث كانت الكوفة يومذاك موطنا للفرق والنحل المختلفة، لذلك اشتغل الإمام في بداية طلبه للعلم بعلم الكلام، وكان به يجادل، وعنه يناضل، ولم يكن قد طلب الفقه بعد.
قال أبو بكر بن عياش١: "أدركناه وهو صاحب خصومات، لم يكن يتفقه" ٢.
وقال شريك ٣: "أدركنا أبا حنيفة وهو صاحب
_________________
(١) ١ هو أبكر بن عياش - بتحتانية ومعجمة - بن سالم الأسدي الكوفي، قال عن عنه ابن حجر: "المقرئ الحناط بمهملة ونون مشهور بكنيته والأصح أنها اسمه وقيل اسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة ١٩٤هـ، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين وقد قارب المائة". تقريب التهذيب ٢/٣٩٩، وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ١/٣٤. ٢ ذم الكلام للهروي "ق-١٩٤-ب". ٣ هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة قال عنه ابن حجر: "صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة وكان عادلا فاضلا عابدا شديدا على أهل البدع". مات سنة ١٧٧هـ أو سنة ١٧٨هـ تقريب التهذيب ١/٣٥١. وانظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/٢٣٢.
[ ١٥٨ ]
خصومات" ١.
وقال الحسن بن صالح ٢: "أدركناه وهو يخاصم" ٣.
فكان يخاصم أهل الأهواء بالجدل، ورحل في سبيل ذلك إلى البصرة عشرين مرة ونيفا لمناقشة أصحاب الخصومات، وكان يأمر ابنه حمادا بطلب الكلام ويلح عليه في ذلك، قال حماد: "كان أبو حنيفة يأمرني بطلب الكلام يحدوني كثيرا عليه ويقول: يا بني تعلم الكلام فإنه الفقه الأكبر" ٤.
فعلم الكلام هو الفقه الأكبر في نظر الإمام بل هو أجل العلوم وأعلاها عنده، قال الإمام أبو حنيفة: "أصحاب الأهواء في البصرة كثير، فدخلتها عشرين مرة ونيفا، وربما أقمت بها سنة أو أكثر أو أقل ظنا أن علم الكلام أجل العلوم" ٥.
واستمر في مجادلة أهل الأهواء حتى صار رأسا في ذلك يشار إليه بالبنان، ثم ترك الكلام والجدل، وأقبل على الفقه والسنة.
قال قبيصة بن عقبة ٦: "كان الإمام أبو حنيفة ﵀ في أول أمره
_________________
(١) ١ ذم الكلام للهروي "ق-١٩٤-ب". ٢ تقدم ترجمته ص١٥١. ٣ ذم الكلام للهروي "ق-١٩٤-ب". ٤ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٨٣. ٥ مناقب أبي حنيفة للكردري ص١٣٧. ٦ هو قبيصة بن عقبة بن محمد بن سفيان السوائي بضم المهملة وتخفيف الواو والمد أبو عامر الكوفي قال عنه ابن حجر: "صدوق ربما خالف من التاسعة مات سنة ٢١٥هـ على الصحيح". تقريب التهذيب ٢/١٢٢. وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٨/٣٤٧.
[ ١٥٩ ]
يجادل أهل الأهواء حتى صار رأسا في ذلك منظورا إليه، ثم ترك الجدل ورجع إلى الفقه والسنة وصار إماما" ١.
وأما تحوله إلى الفقه والسنة فيحدثنا الإمام عن أسباب ذلك فيقول: "وكنت أعد الكلام أفضل العلوم، وكنت أقول هذا الكلام في أصل الدين، فراجعت نفسي بعد ما مضى لي فيه عمر، وتدبرت فقلت: إن المتقدمين من أصحاب النبي ﷺ والتابعين وأتباعهم لم يكونوا يفوتهم شيء مما ندركه نحن، وكانوا عليه أقدر، وبه أعرف، وأعلم بحقائق الأمور، ثم لم ينتصبوا فيه منازعين ولا مجادلين، ولم يخوضوا فيه بل أمسكوا عن ذلك، ونهوا عنه أشد النهي، ورأيت خوضهم في الشرائع وأبواب الفقه وكلامهم فيه" إلى أن قال: "فلما ظهر لنا في أمورهم هذا الذي وصفناه؛ تركنا المنازعة والمجادلة والخوض في الكلام، ورجعنا إلى ما كان عليه السلف" ٢.
وفي رواية أخرى قال: "فلما مضى مدة من عمري تفكرت وقلت: السلف أعلم بالحقائق ولم ينتصبوا مجادلين، بل أمسكوا عنه وخاضوا في علم الشريعة، ورغبوا فيه وعلموا وتعلموا وتناظروا عليه، فتركت الكلام واشتغلت بالفقه، ورأيت المشتغلين بالكلام وليس سيماهم سيَم الصالحين قاسيةٌ قلوبهم غليظة أفئدتهم، لا يبالون بمخالفة الكتاب والسنة والسلف الصالح، ولو كان خيرا لاشتغل به السلف الصالحون " ٣.
هذا هو حال المتكملين فبتعلقهم بالكلام واشتغالهم به ابتعدوا عن
_________________
(١) ١ عقود الجمان ص١٦١؛ ومناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٣، ٥٤. ٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٥٤، ٥٥. ٣ مناقب أبي حنيفة للكردري ص١٣٧، ١٣٨.
[ ١٦٠ ]
كتاب الله ١ وسنة رسول الله ﷺ ٢؛ فأورثهم ذلك الشك والحيرة والاضطراب ٣.
_________________
(١) ١ قال ابن قتيبة مبينا مخالفة المتكلمين لكتاب الله وجرأتهم على الله: "قد كنت أحب أن أتعلق من كل علم بسبب وأن أضرب فيه بسهم فربما حضرت بعض مجالسهم - يعني المتكلمين - وأنا مغتر بهم طامع أن أصدر عنهم بفائدة أو كلمة تدل على خير أو تهدي إلى رشد فأرى من جرأتهم على الله ﵎ وقلة توقيهم وحملهم أنفسهم على العظائم لطرد القياس أولئلا يقع انقطاع ما أرجع خاسرا نادما". انظر تأويل مختلف الحديث ص٦١-٦٢. ٢ قال الشاطبي في بيان تلاعب المتكلمين بالأحاديث الصحيحة وتقديم عقولهم الفاسدة عليها: "وهو ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم ويدّعون أنها مخالفة للمعقول وغير جارية على مقتضى الدليل فيجب ردها كالمنكرين لعذاب القبر والصراط والميزان ورؤية الله ﷿ في الآخرة ربما قدحوا في الرواة من الصحابة والتابعين - وحاشاهم - وفيمن اتفق الأئمة من المحدثين على عدالتهم وإمامتهم كل ذلك ليردوا به على من خالفهم في المذهب وقد جعلوا القول بإثبات الصراط والميزان والحوض قولا بما لا يعقل، وقد سئل بعضهم هل يكفر من قال برؤية الباري في الآخرة؟ فقال: لا يكفر لأنه قال ما يعقل ومن قال ما لا يعقل فليس بكافر". الاعتصام ١/٢٣١-٢٣٢. ومن أمثلة ردهم للحديث الصحيح لمخالفته مذهبهم ما رواه الخطيب بسنده عن عمرو بن عبيد ذكر عنده حديث الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك إلى أن قال: "إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى الحديث".فقال عمرو بن عبيد: "لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ولو سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا لرددته، ولو سمعت الله تعالى يقول هذا لقلت له ليس على هذا أخذت ميثاقنا". انظر تاريخ بغداد ١٢/١٧٢. ٣ وإليك أمثلة على شك المتكلمين وحيرتهم وشدة اضطرابهم، يقو الرازي: =
[ ١٦١ ]
وهناك سبب قد يكون رئيسا في تحوله من علم الكلام إلى الفقه، وهو ما رواه الخطيب البغدادي عن زفر بن الهذيل قال: سمعت أبا حنيفة يقول:
"كنت أنظر في الكلام حتى بلغت مبلغا يشار إلي فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجائتني امرأة فقالت: رجل له امرأة أَمة أراد أن يطلقها للسنة كم يطلقها؟ فلم أدر ما أقول فأمرتها أن تسأل حمادا فترجع فتخبرني، فسألت حمادا فقال: يطلقها وهي طاهر من الحيض والجماع تطليقة ثم يتركها حتى تحيض حيضتين فإذا اغتسلت فقد حلت للأزواج، فرجعت فأخبرتني فقلت: لا حاجة لي في الكلام، وأخذت نعلي فجلست إلى حماد " ١.
_________________
(١) = نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين في ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذى ووبال ولم نستفد من طول بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا قيل وقالوا ويقول الشهرستاني: لعمري لقد طفت المعاهد كلها وسيّرت طرفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعا كف حائر على ذقنه أو قارعا سن نادم لذا قال ابن عقيل في وصف حال المتكلمين وشدة حيرتهم: "قد أفضى الكلام بأهله إلى الشكوك وكثير منهم إلى الإلحاد، تشم رائحة الإلحاد من فلتات المتكلمين، وأصل ذلك أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع " وهذا ما وصفهم به القرطبي حيث قال: "وقد أفضى الكلام بكثير من أهله وببعضهم إلى الإلحاد وببعضهم إلى التهاون بوظائف العبادات وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره ". انظر كتاب نهاية الإقدام ص٣؛ والحموية ص٩١؛ وكتاب تلبيس إبليس ص٩٣؛ وفتح الباري ١٣/٣٥٠. ١ تاريخ بغداد ١٣/٣٣٣.
[ ١٦٢ ]
فبعد أن كان الإمام أبو حنيفة في الكلام رأسا فيه، وصاحب حلقة مشهودة في المسجد بقرب حلقة حماد بن أبي سليمان تحول إلى تلميذ من تلامذة حماد بن أبي سليمان يطلب الفقه والسنة. ومن مادح لعلم الكلام، وحاثّ على تعليمه وتعلمه، إلى ذام وقادح فيه وناه عن تعليمه وتعلمه، وبعد أن كان يأمر ابنه حمادا بتعلم علم الكلام، ويلح عليه في سبيل تحصيله أصبح ينهاه ويأمره بترك الاشتغال بالكلام والجدل.
يحدثنا حماد عن ذلك فيقول: "دخل عليّ أبي ﵀ يوما وعندي جماعة من أصحاب الكلام ونحن نتناظر في باب قد علت أصواتنا فلما سمعت حسه في الدار خرجت إليه فقال لي: يا حماد من عندك؟ قلت: فلان وفلان وفلان سميت من كان عندي قال: وفيم أنتم؟ قلت: في باب كذا وكذا، فقال لي: يا حماد دع الكلام - قال: ولم أعهد أبي صاحب تخليط، ولا ممن يأمر بالشيء ثم ينهى عنه - فقلت له: يا أبت ألست كنت تأمرني به؟ قال: بلى يا بني وأنا اليوم أنهاك عنه. قلت: ولم ذاك؟ فقال: يا بني إن هؤلاء المختلفين في أبواب الكلام ممن ترى كانوا على قول واحد ودين واحد حتى نزغ الشيطان بينهم، فألقى بينهم العداوة والاختلاف فتباينوا " ١.
وبعد ما كان يرى الكلام هو الفقه الأكبر، وهو من أجل العلوم، أصبح يرى مسائل الكلام ما هي إلا مقالات الفلاسفة، وهي من الأمور المحدثة التي لم يتكلم فيها السلف، وكل أمر محدث في الدين بدعة.
سئل الإمام أبو حنيفة عما أحدثه الناس من الكلام في الأعراض ٢
_________________
(١) ١ مناقب أبي حنيفة للمكي ص١٨٣، ١٨٤. ٢ الأعراض: جمع عرض ومعناه لغة: هو الظهور والبروز. قال الجوهري: عرض له أمر كذا يعرِض، أي ظهر وعرضت عليه أمر كذا وعرضت له الشيء، أي =
[ ١٦٣ ]
والأجسام؟ فقال: "مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة"١.
فكان ﵀ يأمر من سأله عن الكلام بأن يتبع الأثر وطريقة السلف، وينهاه عن الأمور المحدثة، فمما سبق يتبين أن الإمام أبا حنيفة باشر علم الكلام وتضلع فيه، ثم نهى عنه وذمه، وكذلك ذمه إمام دار الهجرة مالك بن أنس، فقد قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق" ٢.
وقال: "الكلام في الدين أكرهه" ٣.
وهذا يدل على أن علم الكلام كان موجودا وكان الناس يتعاطونه، أما قول الذهبي: "إن علم الكلام لم يكن له وجود" ٤.
فيظهر أنه لم يرد نفي وجود علم الكلام مطلقا بل أراد أن علم الكلام لم يكن موجودا علما مدونا له كتبه ومصنفاته، أما وجوده علما يتعاطى بالألسن والسماع والمناظرة فهذا لا شك في وجوده.
_________________
(١) = أظهرته له وبرزته إليه. وعند المتكلمين العرض ضد الجوهر لأن الجوهر هو ما يقوم بذاته ولا يفتقر إلى غيره ليقوم به، فالجسم جوهر يقوم بذاته. وأمام اللون فهو عرض لأنه لا قيام له إلا بالجسم، فممن قال بنفي الأعراض من المعتزلة عبد الرحمن بن كيسان الأصم ومن الملاحدة الدهرية والسمنية. انظر الصحاح ٣/١٠٨٢؛ وأصول الدين للبغدادي ص٣٧؛ وأصول الدين للبزدوي ص١١-١٢، ومقالات الإسلاميين ص٣٤٣-٤٣٣؛ والفرق بين الفرق ص١١٥-١١٦؛ والمعتمد في أصول الدين للقاضي أبي يعلى ص٣٧؛ والشامل في أصول الدين ص١٦٧؛ والمواقف ص٩٦؛ والمعجم الفلسفي ٢/٦٩. ١ كتاب الحجة في بيان المحجة ص٢٢؛ وذم الكلام للهروي "ق-١٩٤-ب". ٢ ذم الكلام "ق-١٧٣-أ". ٣ جامع بيان العلم وفضله ص٤١٥. ٤ سير أعلام النبلاء ٦/٣٩٨.
[ ١٦٤ ]
وأختم هذا المبحث بوصية الإمام لأصحابه يحثهم فيها على تعلم الفقه، وينهاهم عن الكلام والخصومات في الدين.
قال محمد بن الحسن: "كان أبو حنيفة يحثنا على الفقه وينهانا عن الكلام" ١.
وقال لأبي يوسف: "إياك أن تكلم العامة في أصول الدين من الكلام، فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك" ٢.
وقد وفّى أصحابه بهذه الوصية فهذا أبو يوسف ينهى عن الخصومة والجدال في الدين والمراء فيه؛ حيث يقول آمرا أصحابه: "ذروا الخصومة في الدين، والمراء فيه والجدال؛ فإن الدين واضح بيّن، قد فرض الله ﷿ فرائضه، وشرع سننه، وحدّ حدوده، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِينا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ "ٍسورة المائدة: الآية٣".
فأحلوا حلال القرآن وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال فيه، فلو كانت الخصومة في الدين تقوى عند الله لسبق إليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده فهل اختصموا في الدين أو تنازعوا فيه؟
وقد اختصموا في الفقه وتكلموا فيه، واختلفوا ٣ في الفرائض
_________________
(١) ١ ذم الكلام "ق-١٩٦-ب". ٢ مناقب أبي حنيفة للمكي ص٣٧٣. ٣ لعله يريد أنهم اختلفوا في هذه المسائل من مسائل الدين ولم يكن اختلافهم موجبا للخصومة والتفرق بينهم، أو أنه أراد أنهم اختلفوا في مسائل فرعية من الدين ولم يختلفوا في الأصول.
[ ١٦٥ ]
والصلاة والحج والطلاق والحلال والحرام ولم يختصموا في الدين، ولم يتنازعوا فيه فاقتصروا على تقوى الله والزموا ما جرت به السنة، وكفيتم فيه المؤنة، ودعوا ما أحدث المحدثون من التنازع في الدين والجدال فيه والمراء؛ فإن لزوم السنة عصمة بإذن الله تعالى لمن لزمها، والذي سنّها كان أعلم بما في خلافها من الأخطاء والزلل. وقد أنزل الله ﷿ في كتابه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ "سورة الأنعام: الآية٦٨".
ولو شاء أنزل في ذلك جدلا وحجاجا، ولكنه أبى ذلك ونهاهم؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ "سورة النساء: الآية١٤٠".
وقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ "سورة آل عمران: الآية٢٠".
ولم يقل: وحاجهم ١.
وقال أبو يوسف: "العلم بالكلام يدعو إلى الزندقة" ٢.
وقال: "لا تطلبن ثلاثا بثلاث: لا تطلبن الدين بالخصومات فإنه لم يمعن فيه أحد إلا قيل زنديق، ولا تطلب المال بالكيمياء فإنه لم يمعن فيه أحد إلا أفلس، ولا تطلب الحديث بكثرة الرواية حتى تأتي بما لا يعرف فيقال كذاب" ٣.
وفي رواية أخرى قال: "من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب
_________________
(١) ١ فضائل أبي حنيفة وأصحابه لابن العوام ص٨٨. ٢ الإبانة الكبرى ص٥٣٨. ٣ الحجة في بيان المحجة ص٢٣.
[ ١٦٦ ]
غريب الحديث كُذّب ومن طلب المال بالكيمياء أفلس" ١.
وقال كذلك: "المعرفة في الكلام هو الجهل" ٢ هذا آخر الحديث عن موقف الإمام أبي حنيفة من علم الكلام المبتدع، أما موقفه من الفرق الكلامية فسأتناوله في المبحث التالي إن شاء الله.
_________________
(١) ١ الحجة في بيان المحجة ص٢٣؛ والإبانة الكبرى لابن بطة ص٥٣٧-٥٣٨. ٢ الحجة في بيان المحجة ص٢٣.
[ ١٦٧ ]