وبعد البعث والنشور، وما يكون فيه من أهوال وشدائد، يحشر الخلائق، وتعرض الأعمال، وتوزن في الميزان، ثم المرور على الصراط، ثم إلى نعيم مقيم في الجنان، أو عذاب في النيران. وإليك بعض الأدلة مع ذكر نصوص أبي حنيفة وبعض أصحابه في ذلك.
فأما الجزاء فدليله قول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ "سورة الأنعام: الآية١٦٠".
وقول النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﷿: "يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفّيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه" ١.
وأما العرض والحساب فدليلهما قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ "سورة الحاقة: الآية١٨".
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٤٧".
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب باب تحريم الظلم ٤/١٩٩٤ ح"٢٥٧٧" من طريق أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر.
[ ٥٠٨ ]
وقول النبي ﷺ: "من حوسب عذِّب " فقالت عائشة: يقول الله تعالى: ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ "سورة الانشقاق: الآية٨".
قالت فقال: "إنما ذلك العرض ولكن من نوقش الحساب يهلك " ١.
وأما الميزان فدليله قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ "سورة القارعة: الآيات ٦-١١".
وقول النبي ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده" ٢.
وأما الصراط فدليله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّا﴾ "سورة مريم: الآيتان ٧١-٧٢".
وقول النبي ﷺ حين سُئل أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: " هم في الظلمة دون الجسر" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب العلم باب من سمع شيئا فراجع حتى يعرف ١/١٩٦، ١٩٧ ح"١٠٣" من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ومسلم كتاب الجنة باب إثبات الحساب ٤/٢٠٠٥ ح"٨٠" من طريق ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة. ٢ أخرجه البخاري كتاب الدعوات باب فضل التسبيح ١١/٢٠٦ ح"٦٤٠٦" ومسلم كتاب الذكر والدعاء باب فضل التهليل ٤/٢٠٧٢ ح"٢٦٩٤" كلاهما من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة. ٣ أخرجه مسلم كتاب الحيض باب بيان صفة منيّ الرجل والمرأة ١/٢٥٢ ح"٣١٥" من طريق أبي أسماء الرحبي عن ثوبان.
[ ٥٠٩ ]
وأما الحوض فدليله قول النبي ﷺ: "أنا فرطكم على الحوض" ١.
وقول النبي ﷺ: "إن قَدْرَ حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء" ٢.
أما الجنة والنار فأدلتهما من الكتاب والسنة لا تحصى؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٤٢".
وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٣٦".
وقول النبي ﷺ في حديث الإسراء: "إني رأيت الجنة ورأيت النار" ٣.
أما رؤية المؤمنين لربهم في الجنة؛ فدل عليها قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣".
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ "سورة المطففين: الآيتان ٢٢، ٢٣".
وقول النبي ﷺ: "إذا دخل أهل الجنة الجنة قال يقول الله تبارك
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب الرقائق باب في الحوض ١١/٤٦٣ ح"٦٥٧٥" من طريق شقيق عن عبد الله ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ وصفاته ٤/١٧٩٢ ح"٢٢٨٩" من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب. ٢ أخرجه البخاري كتاب الرقائق باب في الحوض ١١/٤٦٣-٤٦٤ ح"٦٥٨٠" ومسلم كتاب الفضائل باب إثبات حوض نبينا ﷺ ٤/٨٠٠ ح"٢٣٠٣" من طريق ابن شهاب عن أنس بن مالك. ٣ أخرجه البخاري كتاب الكسوف باب صلاة الكسوف جماعة ٢/٥٤٠ ح"١٠٥٢" ومسلم كتاب الكسوف باب ما عرض على النبي ﷺ في صلاة الخسوف من أمر الجنة والنار ٢/٦٢٦ ح"٩٠٧" كلاهما من طريق عطاء عن ابن عباس.
[ ٥١٠ ]
وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم ﷿" ١.
قال الإمام أبو حنيفة: "ويبعثهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بالجزاء والثواب" ٢.
وقال: "والقصاص فيما بين الخصوم بالحسنات يوم القيامة حق" ٣.
وقال: "ونقر بأن قراءة الكتاب يوم القيامة حق، لقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ "سورة الإسراء: الآية١٤" ٤.
وقال: "ووزن الأعمال بالميزان يوم القيامة حق" ٥.
وقال: "ونقر بأن الميزان حق لقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٤٧ " ٦.
وقال: "وحوض النبي ﵊ حق" ٧.
وقال: "والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان، ولا تموت الحور العين أبدا" ٨.
وقال: "ونقر بأن أهل الجنة في الجنة خالدون، وأهل النار في النار
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ١/١٦٣ ح"١٨١" من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب. ٢ كتاب الوصية مع شرحها ص٣٠٥. ٣ الفقه الأكبر ص٣٠٥. ٤ الوصية مع شرحها ص٢٨. ٥ الفقه الأكبر ص٣٠٥. ٦ الوصية مع شرحها ص٢٦. ٧ الفقه الأكبر ص٣٠٥. ٨ الفقه الأكبر ص٣٠٥.
[ ٥١١ ]
خالدون؛ لقوله تعالى في حق المؤمنين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٤٢".
وفي حق الكافرين: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية٣٦" "١.
وقال: "والله تعالى يُرى في الآخرة، ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم، بلا تشبيه ولا كيفية" ٢.
وقال: "ونقر بأن لقاء الله تعالى حق بلا كيفية" ٣.
وقال الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة، والعرض والحساب، وقراءة الكتاب، والثواب والعقاب، والصراط والميزان، والجنة والنار مخلوقتان، لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان" ٤.
وقال: "والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثا لأمته حق" ٥.
وقال: "والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ "سورة القيامة: الآيتان ٢٢-٢٣" ٦.
_________________
(١) ١ الوصية مع شرحها ص٣٣. ٢ الفقه الأكبر ص٣٠٤. ٣ الوصية مع شرحها ص٣١. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٥١. ٥ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٠. ٦ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٦.
[ ٥١٢ ]