اختص الله نبينا محمدا ﷺ بخصائص وميزات على سائر الأنبياء وهي:
"أ" ختم النبوة:
الله ﷾ ختم بنبوة نبينا محمد ﷺ جميع النبوات فلا نبي بعده، دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع السلف. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ "سورة الأحزاب: الآية٤٠".
ومن السنة قول النبي ﷺ: " مثلي ومثل الأنبياء، كمثل رجل بنى بنيانا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون هلا وضعت هذه اللبنة قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" ١.
وقال ﷺ: "وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب المناقب باب خاتم النبيين ٦/٥٥٨ ح"٣٥٣٥"، ومسلم كتاب الفضائل باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين ٤/١٧٩١ ح"٢٢٨٦" كلاهما من طريق أبي صالح عن أبي هريرة.
[ ٤٨٦ ]
نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي" ١.
وقال ﷺ: "إن لي أسماء: أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب، والعاقب الذي ليس بعده نبي" ٢.
قال القاضي عياض: "أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأنه مفهومه المراد منه دون تأويل وتخصيص" ٣.
فمن ادعى النبوة مع نبينا محمد ﷺ أو بعد نبينا محمد ﷺ فقد كفر٤ وكذا من صدقه، فهذا الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى تنبأ رجل في زمنه وطلب الإمهال حتى يأتي بالعلامات، يقول الإمام أبو حنيفة: "من طلب منه علامة فقد كفر لقوله ﷺ: " لا نبي بعدي " ٥ " ٦.
وقرر هذا الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود كتاب الفتن باب ذكر الفتن ٤/٤٥٢ ح"٤٢٥٢" والترمذي كتاب الفتن باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون ٤/٤٩٩ ح"٢٢١٩" كلاهما من طريق أبي أسماء عن ثوبان قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن صحيح". ٢ أخرجه البخاري كتاب المناقب باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ ٦/٥٥٤ ح"٣٥٣٢"، ومسلم كتاب الفضائل باب في أسمائه ﷺ ٤/١٨٢٨ ح١٢٤ كلاهما من طريق محمد بن جبير عن جبير بن مطعم. ٣ الشفا ٢/٢٧١. ٤ الشفا ٢/٢٧٠. ٥ تقدم تخريجه ص٤٧٣. ٦ مناقب الإمام أبي حنيفة للمكي ١/١٦١.
[ ٤٨٧ ]
أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وأنه خاتم النبيين". وقال: "وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى" ١.
قال الناصري ٢ الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "فصرح فقهاء الملة ﵏ بكونه خاتَمًا، حسما لدعوى المتنبئين والدجالين. ولهذا المعنى قال مشايخنا ﵏: إذا ادعى أحد بعد نبينا محمد صلوات الله عليه النبوة لا يقال له: ما آيتك على ما تدّعي، بل يقابل بالتكذيب والرد؛ لقيام الأدلة القاطعة على أنه لا نبي بعد محمد صلوات الله عليه؛ فثبت أن من ادّعى النبوة فهو كذاب دجال" ٣.
"ب" عموم الرسالة
اقتضت حكمة الله أن يرسل نبينا محمدا ﷺ برسالة عامة للناس جميعهم على اختلاف بيئاتهم، وتنوع علاقاتهم، وتباين ألسنتهم وتقاليدهم وعاداتهم وألوانهم تضمن سعادتهم الدنيوية والأخروية.
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ "سورة الأعراف: الآية١٥٨".
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ "سورة سبأ: الآية٢٨".
_________________
(١) ١ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ص٢٢-٢٣. ٢ هو بكير بن نجم الدين التركي الناصري قال عنه اللكنوي: "كان فقيها عارفا بصيرا في الفقه وشرح عقيدة الطحاوية سماه بالنور اللامع والبرهان الساطع. مات ببغداد سنة "٦٥٢هـ". الفوائد البهية ص٥٦. وانظر ترجمته في الجواهر المضية ١/٦٢؛ وتاج التراجم ص١٩؛ وشرح الأحياء ٢/٣. ٣ النور اللامع ""ق-٦٤-ب".
[ ٤٨٨ ]
وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ "سورة النساء: الآية٧٩".
وقال النبي ﷺ: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر وجُعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تُحل لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث في قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " ١.
وقول النبي ﷺ: " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٢.
وأجمعت الأمة على أنه مبعوث للناس جميعا.
قال القاضي عياض: "إنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره"٣.
وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه: "وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى بالحق والهدى وبالنور والضياء" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري كتاب التيمم باب التيمم ١/٤٣٥ ح"٣٣٥"، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/٣٧٠ ح٥٢١ كلاهما من طريق يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله. ٢ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ١/١٣٤ ح"١٥٣" من طريق أبي يونس عن أبي هريرة. ٣ الشفا ٢/٢٧١ ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٣٤.
[ ٤٨٩ ]
قال الناصري الحنفي شارحا كلام الطحاوي: "فهذا إخبار منهم أن رسالته عمت الجن والإنس، وإنما قالوا ذلك لدلالات موجبات العلم، منها قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ "سورة الأعراف: الآية١٥٨".
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ "سورة سبأ: الآية٢٨".
فتعميم رسالته جميع الناس دليل على تعميمها جميع الجن " ١.
"ج" السيادة على الناس يوم القيامة:
جاءت الأحاديث بإثبات سيادة النبي ﷺ على الناس يوم القيامة، كقول النبي ﷺ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع" ٢.
وقول النبي ﷺ: " أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأولين والآخرين في صعيد واحد". وذكر الحديث وفيه: " فأنطلق فآتي تحت العرش فأقع ساجدا لربي، ثم يفتح الله علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع "٣.
_________________
(١) ١ النور اللامع "ق-٦٦-أ". ٢ أخرجه مسلم كتاب الفضائل باب تفضيل نبينا ﷺ على جميع الخلائق ٤/١٧٨٢ ح٢٢٧٨ من طريق عبد الله بن فروخ عن أبي هريرة. ٣ أخرجه مسلم كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/١٨٤ ح"١٩٤" من طريق أبي زرعة عن أبي هريرة.
[ ٤٩٠ ]
وقول النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ "سورة الإسراء: الآية٧٩".
قال: "هي الشفاعة" ١.
وقال ابن عمر: "إن الناس يصيرون يوم القيامة جثًى كل أمة تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ. فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود" ٢.
وقد تقدم ٣ حديث أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي وفيه: "أعطيت الشفاعة".
وقال ابن قتيبة: "وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة لأنه الشافع يومئذ والشهيد، وله لواء الحمد والحوض، وهو أول من تنشق عنه الأرض وليس ما أعطى الله نبينا محمدا ﷺ يوم القيامة من السؤدد والفضل على جميع الأنبياء والرسل بعمله، بل في تفضيل الله تعالى إياه واختصاصه له" ٤.
وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: " ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ "سورة الإسراء: الآية٧٩".
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي كتاب تفسير القرآن باب من سورة بني إسرائيل ٥/٣٠٣ ح٢١٣٧ من طريق الزغافري عن أبيه عن أبي هريرة قال الترمذي على أثره: "هذا حديث حسن". ٢ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ ٨/٣٩٩. ٣ ص٤٨٩. ٤ تأويل مختلف الحديث ص١٠٩.
[ ٤٩١ ]
"فقال أكثر أهل العلم ذلك هو المقام الذي هو يقوم ﷺ يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة ذلك اليوم"١.
وقال ابن كثير: "ولرسول الله ﷺ تشريفات يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات لا يساويه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه الأرض، ويبعث راكبا إلى المحشر، وله اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله الحوض الذي ليس في الموقف أكثر واردا منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي لفصل القضاء بين الخلائق" ٢.
وقال شيخ الإسلام: "وله ﷺ في القيامة ثلاث شفاعات، أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن تتراجع الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم، عن الشفاعة حتى تنتهي إليه، وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة. وهاتان الشفاعتان خاصتان له، وأما الشفاعة الثالثة فيشفع فيمن استحق النار. وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها" ٣.
وهذا ما قرره الطحاوي في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه حيث قال: "وإمام الأنبياء وسيد المرسلين" ٤.
وقال: "الشفاعة التي ادّخرها لهم حق كما روي في الأخبار"٥.
_________________
(١) ١ تفسير ابن جرير ١٥/١٤٣، ١٤٤. ٢ تفسير ابن كثير ٤/٣٣٥. ٣ مجموع الفتاوى ٣/١٤٧. ٤ العقيدة الطحاوية بتعليق الألباني ص ٢٢. ٥ شرح العقيدة الطحاوية ص٣٠.
[ ٤٩٢ ]
وقال الإمام أبو حنيفة: "وشفاعة نبينا ﵊ للمؤمنين المذنبين ولأهل الكبائر منهم المستوجب العقاب حق ثابت" ١.
وقال: "وشفاعة نبينا محمد ﷺ حق لكل من هو من أهل الجنة وإن كان صاحب كبيرة" ٢.
_________________
(١) ١ الفقه الأكبر ص٣٠٥. ٢ الوصية مع شرحها ص٣٢.
[ ٤٩٣ ]