١- توحيد الألوهية لغة
توحيد الألوهية مركب من كلمتين: التوحيد وقد تقدم، أما الألوهية فهي لفظ منسوب إلى الإله، والإله كفعال، بمعنى مألوه، وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه، وإله جعلوه اسما لكل معبود له..وأَلِه فلان يأله عَبَد، وقيل تأله فالإله على هذا هو المعبود ١.
أَلِه بالفتح إلهة أي عبد عبادة إله على فِعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود كقولنا إمام فعال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به ٢ ومنه قرأ ابن عباس ﵄: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٢٧".
_________________
(١) ١القاموس المحيط ١/١٧٣، والمفردات للراغب ص٢١. ٢ الصحاح ٦/٢٢٢٣.
[ ٢٤١ ]
بكسر الهمزة قال وعبادتك ١.
والتأله التنسك والتعبد قال رؤبة ٢:
لله در الغانيات المده
سبّحن واسترجعن من تألّهي ٣
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والإله المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الألوهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودا محبوبا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَْ﴾ "سورة الأنبياء:٢٢" ٤.
هذا هو معنى الإله لغة وشرعا.
أما عند أهل الكلام فالإله هو القادر على الاختراع والإيجاد، فيكون معنى لا إله إلا الله عندهم لا قادر على الاختراع إلا الله.
وفي ذلك يقول أحمد بن موسى الخيالي ٥ في شرح كلام
_________________
(١) ١ الصحاح ٦/٢٢٢٣. ٢ هو رؤبة بن العجاج التميمي البصري بضم أوله وسكون الواو بعدها موحدة قال عنه ابن حجر: "الراجز المشهور التميمي ثم السعدي لين الحديث فصيح مات بالبادية سنة ١٤٥هـ" تقريب التهذيب ١/٢٥٣؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٣/٢٩٠؛ وطبقات الشعراء لابن قتيبة ٢/٥٩٤؛ وطبقات الشعراء للجمحي ٢/٧٦١. ٣ ديوان رؤبة ص١٦٥ ط/ دار الآفاق الجديدة، وانظر الصحاح ٦/٢٢٢٤. ٤ اقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٦. ٥ هو أحمد بن موسى الخيالي الرومي قال عنه الشوكاني: "برع في العلوم العقلية وفاق أقرانه ودرس بمدارس الروم وكان دقيق الذهن باهر الذكاء أفحم أكابر علماء عصره بدقائق العلوم وله مصنفات منها حواشي شرح العقائد" مات بعد سنة٨٦٠هـ. البدر الطالع؛ وانظر ترجمته في الفوائد البهية ص٤٣.
[ ٢٤٢ ]
التفتازاني ١: "قوله لو أمكن إلهان أي صانعان قادران على الكمال بالفعل أو بالقوة" ٢.
قلت: هذا تفسر لصفة الألوهية بصفة الربوبية، وهذا خطأ ظاهر فلم يأت الإله بمعنى المخترع لا في كتاب الله ولا في لسان العرب، ولم يقله أحد من أئمة اللغة المعروفين المعتبرين.
وإنما أتى الإله في القرآن بمعنى المعبود، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ "سورة ص: الآية٥".
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ "سورة مريم: الآيتان ٨١-٨٢".
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ "سورة الفرقان: الآية٣".
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ "سورة النحل: الآية٧٣".
وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ "سورة هود: الآية١٠١".
_________________
(١) ١ هو مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني نسبةً إلى تفتازان بلدة بخراسان قال عنه ابن حجر: "العلامة الكبير صاحب شرحي التلخيص وشرح العقائد في أصول الدين وشرح الشمسية في المنطق انتهت إليه معرفة علوم البلاغة والمعقول بالمشرق بل سائر الأمصار لم يكن له نظير في معرفة هذه العلوم مات في صفر سنة ٧٩٢هـ، الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة ٤/٣٥٠. وانظر ترجمته في البدر الطالع ٢/٣٠٣؛ والفوائد البهية ص١٣٤. ٢ حاشية الخيالي على شرح العقائد ص٥١.
[ ٢٤٣ ]
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ "سورة الزمر: الآية ٣٨".
فالمشركون مقرّون بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأنه لا يقدر على الخلق والرزق والإحياء والإماتة إلا الله ومع ذلك لم يصيروا به مسلمين موحدين بل كانوا مع هذا الإقرار مشركين.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن أهل الكلام: "يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع، ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بعث إليهم محمد ﷺ لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرون بأن الله خالق كل شيء حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر وهم مع هذا مشركون" ١.
ويقول كذلك: "وليس المراد بالإله هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين؛ حيث ظن أن الألوهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الإله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا الله، فإن المشركين كانوا يقرون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه.
بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يعبد، فهو إله بمعنى مألوه لا إله بمعنى آله، والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلها آخر" ٢.
_________________
(١) ١ التدمرية ص١٨٠؛ ومجموع الفتاوى ٣/٩٨؛ وانظر أيضا بيان تلبيس الجهمية ١/٤٧٨-٤٧٩؛ واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٨٤٥، ٨٤٦. ٢ التدمرية ١٨٥-١٨٦؛ وضمن مجموع الفتاوى ٣/١٠١.
[ ٢٤٤ ]
وكذا في لغة عرب الجاهلية لم يأت الإله عندهم إلا بمعنى المعبود، وهو شامل للإله الحق وهو الله، والآلهة الباطلة التي يعبدونها من دون الله. وفي ذلك يقول الزمخشري: "والإله من أسماء الأجناس - كالرجل والفرس - اسمٌ لما يقع على كل معبود بحق أو باطل ثم غلب على المعبود بحق" ١.
وقد تقدم قول الفيروزآبادي ٢: "إله كفِعال بمعنى مألوه وكل ما اتخذ معبودا إله عند متخذه" ٣.
نعم الإله الحق لا بدّ أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومن لم يكن كذلك فليس بإله حقا وإن سمِّي إلها.
إذن فمعنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، وليس معناها لا خالق ولا صانع إلا الله، لكنها تتضمن هذا المعنى. وكذلك ليس معناها لا معبود موجود إلا الله؛ لأن هذا يكذبه الواقع وهو وجود معبودات كثيرة بالباطل.
٢- توحيد الألوهية اصطلاحا
توحيد الألوهية هو العلم والاعتراف بأن الله ذو الألوهية على خلقه أجمعين، وإفراده وحده بالعبادة كلها وإخلاص الدين لله وحده.
_________________
(١) ١ انظر الكشاف ١/٣٦، ط/دار المعرفة. ٢ هو محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي اللغوي الشافعي صاحب كتاب بصائر ذوي التمييز وغير ذلك من المصنفات مات سنة ٨١٧هـ؛ الضوء اللامع ١٠/٧٩. ٣ القاموس المحيط ١/١٧٣.
[ ٢٤٥ ]
فحقيقته إخلاص التألّه لله تعالى من المحبة والخوف والرجاء والتوكل والرغبة والرهبة وسائر أنواع العبادة لله تعالى ١.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ "سورة البينة: الآية٥".
ويستحسن في هذه المناسبة أن أذكر أبياتا لابن القيم ضمنها تعريف توحيد العبادة وما يشترط له وهي من الكافية الشافية ٢.
قال رحمه الله تعالى:
هذا وثاني نوعي التوحيد تو
حيد العبادة منك للرحمن
فلا تكون لغيره عبدا ولا
تعبد بغير شريعة الإيمان
فتقوم بالإسلام والإيمان وا
لإحسان في سرٍّ وفي إعلان
والصدق والإخلاص ركنا ذلك
التوحيد كالركنين للبنيان
وحقيقة الإخلاص توحيد المرا
دِ فلا يزاحمه مرادٌ ثان
لكن مرادُ العبد يبقى واحدا
ما فيه تفريق لدى الإنسان
إن كان ربك واحدا سبحانه
فاخصصه بالتوحيد مع إحسان
أو كان ربك واحدا أنشاك لم
يشركه إذ أنشاك ربٌّ ثان
فكذا أيضا وحده فاعبده لا
تعبد سواه يا أخا العرفان
والصدق توحيد الإرادة وهو بذ
لُ الجهد لا كسلا ولا متوان
والسنة المثلى لسالكها فتو
حيد الطريق الأعظم السلطان
فلواحد كن واحدا في واحد
أعني سبيل الحق والإيمان
_________________
(١) ١ انظر تيسير العزيز الحميد ص٣٦؛ والكواشف الجلية ٤١٨. ٢ ص٢/٢٣٦.
[ ٢٤٦ ]
هذي ثلاث مسعدات للذي
قد نالها والفضل للمنان
فإذا هي اجتمعت لنفس حرةٍ
بلغت من العلياء كل مكان
٣- خصائص توحيد الألوهية
"أ" أنه الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ "سورة الذاريات: الآية٥٦".
فتوحيد العبادة غاية محبوبة لله تعالى، لأجلها خلق الثقلين.
"ب" إنه المقصود الأعظم من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، وهو مفتاح دعوتهم، وزبدة رسالتهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ "سورة النحل: الآية ٣٦".
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ "سورة الأنبياء: الآية٢٥".
وأخبر عن رسله نوح، هود، صالح، شعيب، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ " ١.
"ج" أنه أول واجب على المكلف فإن توحيد الألوهية هو معنى لا إله إلا الله، وهي أول دعوة الرسل.
قال ابن أبي العز الأذرعي الحنفي: "ولهذا كان الصحيح أن أول
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآيات: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، وسورة هود: الآيات: ٥٠، ٦١، ٨٤.
[ ٢٤٧ ]
واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر، ولا الشك كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان " ١.
"د" أن الشارع احتاط لهذا التوحيد أعظم الحيطة عن كل قول وفعل وقصد يكون شركا أو وسيلة إلى الشرك كالرياء والحلف بغير الله والطيرة وبناء المساجد على القبور، والعكوف عندها.
وكذلك الألفاظ التي توهم النِّدِّيَّةَ بين الله وبعض خلقه كقول القائل: ما شاء الله وشاء فلان. روى حذيفة بن اليمان عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" ٢.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص ١٦. ٢ أخرجه أحمد في المسند ٥/٣٨٤. * وأبو داود كتاب الأدب باب ما يقال خبثت نفسي ٥/٢٥٩ ح٤٩٨٠. * والنسائي في كتاب عمل اليوم والليلة ص٥٤٤. * والطحاوي في مشكل الآثار ١/٩٠. * والبيهقي في السنن ٣/٢١٦. جميعهم من طريق عبد الله بن يسار عن حذيفة وأورده النووي في كتابه الأذكار ص٣٠٨ وقال: صحيح الإسناد.
[ ٢٤٨ ]