المطلب الرابع: أقوال لأبي حنيفة وبعض١ أتباعه تتعلق بالشرك وأنواعه ووسائله
جاء عن الإمام أبي حنيفة وبعض أتباعه النهي عن أنواع من الشرك الأكبر والأصغر.
كالدعاء، والاستغاثة بغير الله ٢، والسجود لغير الله ٣، والنذر لغير الله ٤، والذبح لغير الله ٥.
واعتقاد أن الأولياء لهم تصرف ٦ في الكون مع الله، أو اعتقاد أن
_________________
(١) ١ كلام المتقدمين كأبي حنيفة وأصحابه الأوائل عن الشرك وأنواعه ووسائله قليل لأن بدع القبورية لم تكن موجودة وإنما كانوا يتكلمون في بعض هذه المسائل عرضا إذا وردت في النصوص بخلاف ما عليه المتأخرون من أتباع أبي حنيفة فقد بسطوا القول في تلك المسائل كما هو ظاهر من النماذج الآتية من نصوصهم. ٢ انظر روح المعاني ١١/٩٨، ٦/١٢٩.. ٣ انظر البحر الرائق ٥/١٢٤، وروح المعاني ١٧/٢١٣، والمرقاة شرح المشكاة ٢/٢٠٢. ٤ انظر حاشية ابن عابدين على الرد المحتار ٢/٤٣٩، ٤٤٠؛ والبحر الرائق ٢/٢٩٨؛ وروح المعاني ١٧/٣١٣. ٥ انظر تحفة الفقهاء ٣/٦٧. ٦ انظر البحر الرائق ٢/٢٩٨، وروح المعاني ١٧/٢١٣.
[ ٢٦٠ ]
أحدا يعلم الغيب ١. والحلف بغير الله ٢.
قال الإمام أبو حنيفة: "لا يحلف إلا بالله متجردا بالتوحيد والإخلاص" ٣.
وقال ابن نجم الحنفي عمن حلف بغير الله: "ويخاف الكفر على من قال بحياتي وحياتك" ٤.
وقال محمد علاء الدين الحصكفي فيمن نذر لغير الله: "واعلم أن النذر الذي يقع للأموات من أكثر العوام، وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الأولياء الكرام؛ تقربا إليهم هو بالإجماع باطل وحرام " ٥.
قال ابن عابدين شارحا هذا النص: "قوله: تقربا إليهم، كأن يقول: يا سيدي فلان إن ردّ غائبي أو عوفي مريضي أو قُضيت حاجتي؛ فلك من الذهب أو الفضة أو من الطعام أو من الشمع أو الزيت كذا قوله: "باطل وحرام" لوجوه منها أنه: نذر لمخلوق، والنذر لمخلوق لا يجوز؛ لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك "٦.
وقال الألوسي واصفا حال المستغيثين بغير الله وتعلقهم الشديد بالأموات؛ حيث صرفوا لهم أنواعا من الطاعات كالنذر وغيره: "ويستغيثون
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى الهندية ٦/٣٢٣، ٣٢٥، ٣٢٦؛ والبحر الرائق ٣/٨٨، ٥/١٢٤. ٢ انظر البحر الرائق ٥/١٢٤. ٣ بدائع الصنائع ٣/٨. ٤ البحر الرائق ٥/١٢٤. ٥ رد المحتار مع حاشية ابن عابدين ٢/٤٣٩. ٦ حاشية ابن عابدين على رد المحتار ٢/٤٤٩-٤٤٠.
[ ٢٦١ ]
بهم في الشدة - أي الأولياء - غافلين عن الله تعالى، وينذرون لهم النذور، والعقلاء منهم يقولون إنهم وسائلنا إلى الله تعالى، وإنما ننذر لله ﷿، ونجعل ثوابه للولي. ولا يخفى أنهم في دعواهم الأولى أشبه الناس بعبدة الأصنام القائلين: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ودعواهم الثانية لا بأس بها لو لم يطلبوا منهم بذلك شفاء مريضهم أو ردّ غائبهم أو نحو ذلك.
والظاهر من حالهم الطلب، ويرشد إلى ذلك أنه لو قيل انذروا لله تعالى واجعلوا ثوابه لوالديكم فإنهم أحوج من أولئك الأولياء لم يفعلوا.
ورأيت كثيرا منهم يسجد على أعتاب حُجَر قبور الأولياء، ومنهم من يثبت التصرف لهم جميعا في قبورهم. لكنهم متفاوتون فيه حسب تفاوت مراتبهم. والعلماء منهم يحصرون التصرف في القبور في أربعة أو خمسة وإذا طولبوا بالدليل قالوا: ثبت ذلك بالكشف. قاتلهم الله تعالى، ما أجهلهم وما أكثر افتراءاتهم.
ومنهم من يزعم أنهم يخرجون من القبور ويتشكلون بأشكال مختلفة. وعلماؤهم يقولون إنما تظهر أرواحهم متشكلة، وتطوف حيث شاءت، وربما تشكلت بصورة أسد أو غزال أو نحوه.
وكل ذلك باطل لا أصل له في الكتاب والسنة وكلام السلف الأمة. وقد أفسد هؤلاء على الناس دينهم، وصاروا ضحكة لأهل الأديان المنسوخة من اليهود والنصارى " ١.
ويقول كذلك: "وقد رأينا كثيرا من الناس يهشون لذكر الأموات؛ يستغيثون بهم، ويطلبون منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم
_________________
(١) ١ روح المعاني ١٧/٢١٢، ٢١٣.
[ ٢٦٢ ]
توافق أهواءهم واعتقادهم فيهم، ويعظمون من يحكي لهم ذلك، وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه ﷿ وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة، وينسبونه إلى ما يكره. وقد قلت يوما لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني قلت له: قل: يا الله فقد قال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ "سورة البقرة: الآية١٨٦".
فغضب وبلغني أنه قال: فلان منكر على الأولياء.
وسمعت بعضهم أنه قال: "الولي أسرع إجابة من الله ﷿"، وهذا من الكفر بمكان، نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان " ١.
وكذا ورد عن أبي حنيفة وبعض أتباعه النهي عما هو من وسائل الشرك، كتجصيص ٢ القبور وتعليتها٣، والكتابة عليها ٤، والبناء
_________________
(١) ١ روح المعاني ١١/٢٤. ٢ تجصيص القبر منهي عنه عند الإمام أبي حنيفة. انظر حاشية رد المحتار لابن عابدين ٢/٢٣٧؛ والفتاوى الهندية ١/١٩٤؛ والبحر الرائق ٢/١٩٤؛ والمبسوط ٢/٦٢؛ وبدائع الصنائع ١/٣٢٠؛ ومعارف السنن ٣/٣٠٦؛ وحاشية مراقي الفلاح ص٤٠٥؛ وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص٣٣٥. ٣ انظر تبيين الحقائق للزيلعي ١/٢٦٤؛ وفتح القدير ٢/١٤١؛ وفتح الملهم ٢/٥٠٦؛ وروح المعاني ١٥/٢٣٧. ٤ كره أبو يوسف الكتابة على القبر. انظر بدائع الصنائع ١/٣٢٠؛ وتحفة الفقهاء ٢/٢٥٦؛ وتبيين الحقائق ١/٢٦٤؛ حاشية مراقي الفلاح ٤٠٥.
[ ٢٦٣ ]
عليها ١، واتخاذها مساجد ٢، إسراجها ٣، واستقبالها للدعاء ٤.
قال محمد محيي الدين بن محمد الكندهلوي الحنفي: "وأما اتخاذ المساجد عليها فلما فيه من الشبه باليهود باتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم، ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام وأما اتخاذ السُرُج عليها، فمع ما فيه من إسراف في ماله المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ "سورة الإسراء: الآية٢٧".
ففيه تشبه باليهود، فإنهم كانوا يسرجون المصابيح على قبور كبرائهم وتعظيم للقبور واشتغال بما لا يعنيه " ٥.
وقال الألوسي الحنفي: "ولقد رأيت من يبيح ما يفعله الجهلة في قبور الصالحين من إشرافها وبنائها بالجص والآجر وتعليق القناديل عليها والصلاة إليها والطواف بها واستلامها والاجتماع عندها في أوقات مخصوصة إلى غير ذلكوكل ذلك محادة لله تعالى ورسوله ﷺ وإبداع
_________________
(١) ١ كره الإمام أبو حنيفة البناء على القبر وأن يعلَّم بعلامة. انظر بدائع الصنائع ١/٣٢٠؛ وتحفة الفقهاء ٢/٢٥٦؛ والمتانة ١/٣٢٠؛ والمتانة ص٣٠١؛ وفتح الملهم ٢/١٢١، ١٢٢، ومعارف السنن ٣/٣٠٥، ٣٠٧؛ وحاشية الطحطاوي على مراقي الفرح ص٣٣٥. ٢ انظر تبيين الحقائق ١/٢٦٤؛ وروح المعاني ١٥/٢٣٧؛ والمرقاة في شرح المشكاة ٢/٢٠٢، والكوكب الدري ١/٣١٦، ٣١٧. ٣ الكوكب الدري ١/٣١٧. ٤ كره أبو حنيفة استقبال قبر النبي ﷺ وقت الدعاء. انظر كتاب التوسل والوسيلة ص٢٩٣؛ وروح المعاني ٦/١٢٥؛ ومجمع الأنهر في شرح ملقتى الأبحر ١/٣١٣. ٥ الكوكب الدري ١/٣١٦-٣١٧.
[ ٢٦٤ ]
دين لم يأذن به الله ﷿ ويكفيك في معرفة الحق تتبع ما صنع أصحاب رسول الله ﷺ في قبره ﵊، وهو أفضل قبر على وجه الأرض والوقوف على أفعالهم في زياراتهم له، والسلام عليه، ﵊.
فتتبع ذاك وتأمل وما هنا وما هناك والله ﷾ يتولى هداك " ١.
هذا وقد صح عن النبي ﷺ النهي عن هذه الأمور، فقد روى مسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يكون بخمس، وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لبي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" ٢.
وروى عن جابر بن عبد الله قال: "نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يُقعد عليه، وأن يُبنى عليه" ٣.
_________________
(١) ١ روح المعاني ١٥/٢٣٩-٢٤٠. ٢ أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد ١/٣٧٧، ٣٧٨ ح٥٣٢. ٣ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب النهي عن تجصيص القبر ٢/٦٦٧ ح٩٧٠. وأبو داود: كتاب الجنائز باب في البناء على القبر ٣/٥٥٢ ح٣٢٢٥. والترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في كراهية تحصيص القبور والكتابة عليها ٣/٣٥٩ ح١٠٥٢. وابن ماجه: كتاب الجنائز باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور =
[ ٢٦٥ ]
وروي عن أبي الهياج الأسدي ١ قال: " قال علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ؟ ألا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سوّيته" ٢.
وروى البخاري ومسلم عن عائشة وابن عباس ﵄ قالا: لما نُزل برسول الله ﷺ، طفق ٣ يطرح خميصة ٤ له على وجهه، فإذا اغتم كشفها عن وجهه. فقال، وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا ٥.
_________________
(١) = وتجصيصها والكتابة عليها ١/٤٩٨ ح١٥٦٢. والنسائي: كتاب الجنائز باب الزيادة على القبر ٤/٨٦ ح٢٠٢٧. جميعهم من طرق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله. ١ هو حيان بن حصين أبو الهياج الأسدي الكوفي. قال عنه ابن حجر: "ثقة من الثالثة". تقريب التهذيب ١/٢٠٨؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٣/٦٧. ٢ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز من صحيحه باب الأمر بتسوية القبر ٢/٦٦٦ ح٩٦٩. والترمذي: كتاب الجنائز باب ما جاء في تسوية القبور ٣/٣٥٧ ح١٠٤٩. والنسائي: كتاب الجنائز باب تسوية القبور إذا رفعت ٤/٨٨ ح٢٠٣١. جميعهم من طريق أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي. ٣ طفق: يقال طفق يفعل كذا أبي جعل يفعل. الصحاح ٤/١٥١٧. ٤ خميصة: الخميصة كساء له أعلام، انظر النهاية ٢/٨٠-٨١ وغريب الحديث لابن سلام ١/٢٦٦، ٢٢٧. ٥ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة من صحيحه باب ٥٥، ١/٥٣٢ ح٤٣٦. ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من صحيحه باب النهي عن بناء المساجد واتخاذ صور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد ١/٣٧٨٧ ح٥٣١. كلاهما من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة وابن عباس.
[ ٢٦٦ ]