طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات
قبل الحديث عن طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات، يحسن ذكر أمور لا بد في هذا المقام من معرفتها:
أولا - معنى توحيد الأسماء والصفات
هو اعتقاد انفراد الله بالكمال المطلق من جميع الوجوه بنعوت العظمة والجلال والجمال، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ من الأسماء والصفات ومعانيها وأحكامها الواردة في الكتاب والسنة، كالإقرار بأن الله بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأنه على العرش استوى، وهو مع عباده أينما كانوا، هذا مع اعتقاد أنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ١.
وهذا التوحيد أجلُّ المعارف لأنه معرفة بالله بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تبنى العبادة. فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ كيف يعبد إلها يجهله؟ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به؛ لأنه كلما كان الأمر مهما كثر إيضاحه وبيانه.
_________________
(١) ١ انظر بتصرف تيسير العزيز الحميد ص٣٤، ٣٥؛ والكواشف الجلية ص٤١٧، ٤١٨.
[ ٢٨٣ ]
ثانيا - ما يقدح في توحيد الأسماء والصفات
يقدح في هذا التوحيد خمسة أمور كلها من ضروب الإلحاد في أسمائه الذي ذمه الله وأهله في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
وهذه القوادح هي التشبيه، والتعطيل وتسميته، ووصفه بما لا يليق به. قال ابن القيم:
الإلحاد في أسماء الله تعالى أنواع:
أحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الآلهة والعزى من العزيز وتسميتهم الصنم إلها" الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له أبا، وتسمية الفلاسفة له موجبا بذاته أو علة فاعلة.
وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: يد الله مغلولة وأمثال ذلك.
رابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني.
خامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرا١.
_________________
(١) ١ بدائع الفوائد ١/١٦٩، ١٧٠.
[ ٢٨٤ ]
ثالثا - مذاهب الناس في الأسماء والصفات
الناس في باب الأسماء والصفات على ثلاثة أصناف:
الصنف الأول - المعطلة:
وهم الذين عطلوا الرب عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات. والتعطيل على ثلاث مراتب، ذكرها شيخ الإسلام في التدمرية وهي:
"١- وصف الله بسلب النقيضين وهو مذهب غلاة المعطلة؛ فإنهم يقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت لأننا لو وصفناه بالإثبات لشبهناه بالمخلوقات، ولو وصفناه بالنفي لشبهناه بالمعدومات.
٢- وصف الله بالسلب والإضافة دون صفات الإثبات، وهو مذهب المعطلة من الفلاسفة والجهمية، وهؤلاء كلهم ينفون الأسماء والصفات.
٣- إثبات الأسماء دون الصفات، وهو مذهب المعتزلة ومن تعبهم" ١.
والمعطلة قسمان:
أهل تأويل، وأهل تجهيل.
أما أهل التأويل: فهم الذين يصرفون معاني نصوص الكتاب والسنة عن معانيها الظاهرة بغير حجة وهذا هو التحريف بعينه ٢.
أما أهل التجهيل: فهم الذين ينكرون معاني الأسماء والصفات، ويثبتون ألفاظا لا معاني لها٣.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٣/٧، ٨. بتصرف. ٢ درء تعارض العقل والنقل ١/٨، ٩. ٣ مختصر الصواعق ص٥٤.
[ ٢٨٥ ]
الصنف الثاني - المشبهة:
وهم الذين يشبهون صفات الله بصفات المخلوقين، كقول بعضهم: لله سمع كسمعي وبصر كبصري.
قال إسحاق بن راهويه: "إنما يكون تشبيه إذا قال: يدٌ كيد أو مثل يد أو سمع كسمع أو مثل سمع فهذا هو التشبيه" ١.
وقال ابن تيمية: "من قال: علم كعلمي أو قوة كقوتي أو حب كحبي أو رضاء كرضائي أو يدان كيديّ أو استواء كاستوائي كان مشبها ممثلا لله بالحيوانات" ٢.
ومن التشبيه التعرض لكيفية صفات الرب وحقيقتها التي لا يعلمها إلا الله ٣.
قال ابن القيم عن إلحاد المشبهة: "فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم إلحاد وتفرقت بهم طرقه" ٤.
الصنف الثالث - المؤمنون الموحدون:
وهم الذين يصفون الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته من غير تمثيل ولا تشبيه، ومن غير تحريف ولا تعطيل لشيء من أوصاف الله
_________________
(١) ١ جامع الترمذي ٣/٥٠، ٥١.. ٢ مجموع الفتاوى ٣/١٦. ٣ عقيدة السلف أصحاب الحديث ص٤ بتصرف. ٤ بدائع الفوائد ١/١٧٠.
[ ٢٨٦ ]
قال الصابوني: "إن أصحاب الحديث المتمسكين بالكتاب والسنة يعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيُه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ منها ما أثبته لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ لا يعتقدون فيها تشبيها لصفاته بصفات خلقه..ولا يحرفون كلاما عن مواضعه، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف والتشبيه، ومنَّ عليهم بالتعريف والتفهم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعليل والتشبيه، واتبعوا قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١" " ١.
وبعد هذا العرض لمذاهب الناس في الأسماء والصفات إجمالا، نتناول مذهب السلف في ذلك بشيء من التفصيل.
رابعا - طريقة السلف في توحيد الأسماء والصفات
١- طريقتهم في الإثبات:
الإثبات عندهم هو إثبات بلا تشبيه وبيان ذلك في الآتي:
"أ" الإيمان والتسليم بما ورد من الأسماء والصفات:
يجب الإيمان بالأسماء والصفات الثابتة في الكتاب والسنة دون تجاوزها بالنقص أو الزيادة.
قال ابن خزيمة: "إن الأخبار في صفات الله موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها الخلف عن السلف قرنا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى
_________________
(١) ١ اعتقاد السلف أصحاب الحديث ص٣، ٤.
[ ٢٨٧ ]
عصرنا هذا على سبيل الصفات لله تعالى والمعرفة والإيمان به والتسليم لما أخبر الله تعالى في تنزيله ونبيه ﷺ مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف" ١.
وقال أبو بكر الإسماعيلي ٢: "اعلموا رحمني الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وكتبه ورسله وقبول ما نطق به كتاب الله وصحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، لا معدل عما ورد به، ولا سبيل إلى رده إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة مضمونا لهم الهدى فيهما مشهودا لهم بأن نبيهم ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه ﷺ " ٣.
فجميع نصوص الأسماء والصفات يقرونها صريحة على ظواهرها كما أتت، ويسلمون لما تقتضيه تلك الصفات من كمالات تليق بالله، من غير تحريف ولا تكييف.
فكل ما نص عليه كتاب الله وحديث رسول الله ﷺ وجب الإيمان به. فمن أنكر أو ألحد فإنه يخشى عليه الكفر بعد ثبوت الحجة عليه كما قال الشافعي: "لله تعالى أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ لا يسع أحدا من خلق الله تعالى قامت عليه الحجة ردها، لأن القرآن نزل بها،
_________________
(١) ١ ذم التأويل لابن قدامة ص١٤٠ ضمن مجموعة الرسائل الكمالية. ٢ هو أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي الجرجاني أبو بكر. قال عنه الذهبي: "الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام" مات سنة ٣٧١هـ. تذكرة الحفاظ ٣/٩٤٧. وانظر ترجمته في طبقات الشافعية ٣/٧. ٣ ذم التأويل لابن قدامة ص١٣٩، ضمن مجموعة الرسائل الكمالية.
[ ٢٨٨ ]
وصح عن رسول الله ﷺ القول بها، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه فهو كافر بالله تعالى، فأما قبل ثبوت الحجة عليه من جهة الخبر فمعذور بالجهل" ١.
"ب" أن أسماء الله ﷿ وصفاته كلها عندهم توقيفية:
فلا يطلقون على الله شيئا منها إلا بإذن من الشرع، فما ورد من الشرع وجب إطلاقه، وما لم يرد به فلا يصح إطلاقه، قال عبد الرحمن بن قاسم العُتَقي ٢: "لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن" ٣.
وقال السجزي: "قد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ" ٤.
وذلك لأن الإيمان بصفات الله وأسمائه من الإيمان بالغيب، ولا يمكن معرفة الغيب إلا عن طريق الرسل الذين يبلغون وحي الله.
"ج" إثباتهم للصفات إثبات وجود معلوم المعنى مجهول الكيفية:
سئل الإمام مالك عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ "سورة طه: الآية٥".
_________________
(١) ١ ذم التأويل ص١٤٣. ٢ هو عبد الرحمن بن قاسم بن خالد بن جنادة العتقي بضم المهملة وفتح المثناة أبو عبد الله البصري. قال عنه ابن حجر: "الفقيه صاحب مالك ثقة من كبار العاشرة". مات سنة إحدى وتسعين ومائة تقريبا. تقريب التهذيب ١/٤٩٥؛ وانظر ترجمته في تهذيب التهذيب ٦/٢٥٢. ٣ أصول السنة لابن أبي زمنين ١/٢١٢. ٤ كتاب الحرف والصوت ص١٣٩.
[ ٢٨٩ ]
كيف استوى؟ قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة" ١.
فبين أن الاستواء معلوم المعنى، مجهول الكيفية. وهكذا بقية الصفات يقال فيها ما قيل في الاستواء.
قال أبو سليمان الخطابي: "فإذا كان معلوما أن إثبات الباري ﷾، هو إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته؛ إنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف" ٢.
وقال الحافظ أبو القاسم التيمي: "وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات وعلى هذا مضى السلف كلهم" ٣.
وقال السجزي: "إن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه" ٤.
وقال السرخسي الحنفي ٥: "وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل المعلوم بالنص - أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية - وتوقفوا
_________________
(١) ١ تقدم تخريج هذا الأثر ص٢٥. ٢ الأربعين في صفات رب العالمين ص١١٧؛ والعلو ص١٧٣، كلاهما للذهبي. ٣ الحجة في بيان المحجة ص٣٤. ٤ الحرف والصوت ص١٨٣. ٥ هو أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي نسبة إلى سرخس بفتح السين والراء بلد بخراسان، قال عنه القرشي: "كان إماما علامة حجة متكلما فقيها أصوليا" مات سنة ٤٩٠هـ، انظر الجواهر المضية ٣/٧٨؛ والفوائد البهية ص١٥٨.
[ ٢٩٠ ]
فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك" ١.
وقال البزدوي الحنفي ٢: "إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلّت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة" ٣.
"د" الإثبات عندهم يكون على وجه التفصيل:
وهذه هي طريقة القرآن، فالإثبات للصفات في كتاب الله يكون مفصلا، والنفي يكون مجملا.٤
ومن شواهد الإثبات المفصل قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ "سورة الحشر: الآيتان ٢٣-٢٤".
والمراد بالتفصيل:
التعيين والتخصيص، وذلك بذكر الأسماء والصفات معينة منصوصا عليها، لا مجملة في لفظ عام، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
_________________
(١) ١ شرح الفقه الأكبر ص٦٠. ٢ سيأتي التعريف به في ص٢٩٩. ٣ أصول البزدوي مع شرحه كشف الأسرار لعلي الدين البخاري ١/٦٠، ٦١. ٤ شرح العقيدة الطحاوية ص٥٣.
[ ٢٩١ ]
"هـ" صفات الله كلها كاملة عندهم:
ما ورد في الكتاب والسنة وصفا لله تعالى إنما هو عندهم من صفات الكمال الواجبة لله تعالى، ولو لم يتصف بها للزم النقص في حقه تعالى وتقدّس. ومما يدل على هذا أن الله تعالى ذكر أن الأصنام لا توصف بالكلام، ولا بالنطق، ولا بالنفع، ولا بالضر، وهذا دليل على عدم إلهيتها. وإذا كان كذلك فهذه الصفات صفات كمال، والفاقد لها لا يستحق أن يكون متصفا بالألوهية.
قال تعالى عمن عبد العجل من دونه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٤٨".
وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ "سورة طه: الآيتان٨٨-٨٩".
"و" وأسماء الله كلها حسنى عندهم:
أسماء الله جميعها حسنى؛ لأنها دالة على صفات كمال عظيمة، ولو كانت أعلاما محضة لم تكن حسنى١، لذلك أمر الله عباده أن يدعوه بها لأنها وسيلة مقربة إليه يحبها ويحب من يحفظها، ويحب من يبحث عن معانيها ويتعبد له بها ٢.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
_________________
(١) ١ انظر مجموع الفتاوى ٣/٨. ٢ انظر تيسير كلام المنان ٣/١٢٠، ١٢١. ٥/١٤٥.
[ ٢٩٢ ]
فكل اسم من أسماء الله دال على جميع الصفة التي اشتق منها، مستغرق لجميع معناها، ودلالة الأسماء على الذات والصفة تكون بالمطابقة إذا فسرنا الاسم بجميع مدلوله، وبالتضمن إذا فسرناه ببعض مدلوله، وبالالتزام إذا استدللنا به على غيره من الأسماء التي يتوقف عليها هذا الاسم، مثال ذلك الرحمن، دلالته على الرحمة والذات دلالة مطابقة، وعلى أحدهما دلالة تضمن لأنها داخلة في الضمن، ودلالة الأسماء التي لا توجد إلا بثبوتها كالحياة والعلم والقدرة ونحوها دلالة التزام١.
فالمقصود أن أسماء الله أعلام وأوصاف دالة على معانيها، وكلها أوصاف مدح وثناء.
٢- طريقتهم في التنزيه:
التنزيه الذي دل عليه الكتاب والسنة وفهمه سلف هذه الأمة هو تنزيه بلا تعطيل، لما أثبت الله لنفسه وأثبته له رسوله ﷺ. وليس نفي الصفات الثابتة في الكتاب والسنة من التنزيه في شيء ٢ بل هو عين التنقص.
_________________
(١) ١ انظر بدائع الفوائد١/١٦٢ بتصرف. ٢ خالف المتكلمون السلف في مفهوم التنزيه حيث جعلوه معولا لهدم بنيان صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة. وأول من أدخل النفي في التنزيه هم الجهمية فقد نقل عنهم الإمام أحمد أن توحيدهم غالبه سلوب وتابعهم بعد ذلك المعتزلة فقد نقل عنهم الأشعري في المقالات أنهم أجمعوا على: "أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وليس بجسم ولا شبه ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عرض ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة ولا بذي حرارة ولا برودة ولا رطوبة ولا يبوسة ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق ولا يتحرك ولا يسكن ولا يتبعض وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء وليس بذي جهات ولا == بذي يمين وشمال وأمام وفوق وتحت ولا يحيط به مكان ولا يجري عليه الزمان ولا يجوز عليه الماسة ولا العزلة ولا الحلول في الأماكن ولا يوصف بشيء من صفات الخلق. فهذه جملة قولهم في التوحيد وقد شاركهم هذه الجملة الخوارج وطوائف من المرجئة وطوائف من الشيعة. قال ابن أبي العزَّ الحنفي في بيان فساد هذه الأمة: " والمعطلة يعرضون عما قاله الشارع من الأسماء والصفات ولا يتدبرون معانيها ويجعلون ما ابتدعوه من المعاني والألفاظ هو المحكم الذي يجب اعتقاده واعتماده والمقصود أن غالب عقائدهم السلوب ليس بكذا ليس بكذا وأما الإثبات فهو قليل وهو أنه عالم قادر حي وأكثر النفي المذكور ليس متلقى عن الكتاب والسنة ولا عن الطرق العقلية التي سلكها غيرهم من مثبتي الذات فإن الله تعالى قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١". ففي هذا الإثبات ما يقرر معنى النفي ففهم أن المراد انفراده سبحانه بصفات الكمال فهو ﷾ موصوف بما وصف به نفسه ووصفه به رسله ليس كمثله شيء في صفاته ولا في أسمائه ولا في أفعاله". انظر كتاب الرد على الجهمية للإمام أحمد ص١٠٥؛ مقالات الإسلاميين ص١٥٥؛ وشرح العقيدة الطحاوية ص٥٤؛ وراجع أيضا مجموع الفتاوى ١١/٤٨٣، ٤٨٤.
[ ٢٩٣ ]
والنوم والذل والسفه والنسيان والغفلة والحاجة والتعب واللغوب، أو كان منفصلا؛ كالشريك والظهير والشفيع بدون إذنه والولد والوالد واتخاذ صاحبة والكفؤ والند والولي من الذل.
قال ابن القيم:
توحيدهم نوعان قولي وفعلي
كلا نوعيه ذو برهان
فالأول القولي ذو نوعين أيضا
في كتاب الله موجودان
إحداهما سلب وذا نوعان
أيضا فيه مذكوران
سلب النقائص والعيوب جميعها
عنه هما نوعان معقولان
سلب لمتصل ومنفصل هما
نوعان معروفان أما الثاني
سلب الشريك مع الظهير مع
الشفيع بدون إذن المالك الديان
وكذاك سلب الزوج والولد الذي
نسبوه إليه عابدو الصلبان
وكذاك نفي الكفء أيضا والولي
ما سوى الرحمن للغفران
والأول التنزيه للرحمن عن
وصف العيوب وكل ذي نقصان
كالموت والإعياء والتعب الذي
ينفي اقتدار الخالق المنان
والنوم والسِّنَة التي هي أصله
وعزوب شيء عنه في الأكوان
إلى أن قال:
وكذاك ظلم عباده وهو الغني
فما له والظلم للإنسان
وكذاك غفلته تعالى وهو علام
الغيوب فظاهر البطلان
وكذلك النسيان جل إلهنا
لا يعتريه قط من نسيان
وكذاك حاجته إلى طعام ورز
قٍ وهو رازق بلا حسبان
هذا وثاني نوعي السلب الذي
هو أول الأنواع في الأوزان
تنزيه أوصاف الكمال له
عن التشبيه والتمثيل والنكران
[ ٢٩٥ ]
لسنا نشبه وصفه بصفاتنا
إن المشبه عابد الأوثان ١
"ب" النفي عندهم مجمل:
تقدّم أن الإثبات عند السلف يكون إثبات ما أثبته الله لنفسه أو أثبته رسول الله ﷺ على وجه التفصيل من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل. أما النفي فهو مجمل عندهم كما في القرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ "سورة الشورى: الآية١١".
وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ "سورة الإخلاص: الآية٤".
والمراد بالإجمال: التعميم والإطلاق، والنفي المجمل: هو الذي لا يتعرض فيه لنفي عيوب ونقائص معينة، فقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، هو نفي مجمل لأنه نفي للمماثلة في جميع الصفات، فلم يقل ليس كمثله شيء في علمه أو في قدرته أو في سمعه أو في بصر. وما ذكر من الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات إنما هو في الغالب؛ وإلا فإنه قد يأتي النفي مفصلا، كما قد يأتي الإثبات مجملا. فالأول، كقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٥".
وقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ "سورة الكهف: الآية٤٩".
والثاني كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ "سورة الأعراف: الآية١٨٠".
وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "سورة الفاتحة: الآية٢".
_________________
(١) ١ القصيدة النونية المعروفة بالكافية الشافية ص١٤٥.
[ ٢٩٦ ]
"ج" لا يصفون الله بالنفي المحض:
ومع نفيهم عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ فهم يثبتون ضد الصفات المنفية، كقوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ "سورة الكهف: الآية٤٩".
فهم يثبتون كمال عدله.
وكقوله تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ "سورة سبأ: الآية٣".
فهم يثبتون كمال علمه.
وكقوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ "سورة ق: الآية٣٨".
فهم يثبتون كمال قدرته.
وكقوله تعالى: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ "سورة البقرة: الآية٢٥٥".
فهم يثبتون كمال حياته وقيّوميته، لأن النفي الصرف عندهم لا مدح فيه ولا كمال لأنه عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء ١.
_________________
(١) ١ انظر الرسالة التدمرية ص٥٧، وشرح العقيدة الطحاوية ص٥٢.
[ ٢٩٧ ]