وفيه المباحث التالية:
المبحث الأول: كراهية الخوض في القدر عند الإمام أبي حنيفة.
المبحث الثاني: مراتب القدر.
المبحث الثالث: أفعال العباد.
المبحث الرابع: الطوائف المنحرفة في القدر ورد الإمام أبي حنيفة عليها.
[ ٥١٣ ]
توطئة
الإيمان بالقدر جانب مهم من جوانب العقيدة الإسلامية؛ كيف لا وهو الركن السادس من أركان الإيمان، كما في حديث جبريل: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" ١.
وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر نصوص قرآنية كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ "سورة القمر: الآية٤٩".
وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ "سورة الحديد: الآية٢٢".
والإيمان بالقدر يدخل ضمن توحيد الأسماء والصفات؛ إذ هو مبني على الإيمان بصفات الله كالعلم والقدرة والإرادة.
قال ابن القيم في الكافية الشافية ٢: "وحقيقة القدر الذي حار الورى في شأنه هو قدرة الرحمن".
واستحسن ابن عقيل ذا من أحمد
لما حكاه عن الرضا الرباني
وكذا يدخل ضمن الإيمان بربوبية الله على خلقه؛ إذ أن من آمن بأن الله هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه كلها، فهو مؤمن بقضائه وقدره.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص٤٦١. ٢ ٢ مع توضيح المقاصد.
[ ٥١٥ ]
فالإيمان بالقدر وربوبية الله يدخلان ضمن توحيد الأسماء والصفات، وذلك أن الرب اسم من أسماء الله، والربوبية والقدرة والعلم والإرادة من صفات الله العليا.
ولفظ القدر قد يراد به التقدير، وقد يراد به المقدر. فإذا أردت أن أفعال العباد نفس تقدير الله الذي هو علمه وكلامه ومشيئته ونحو ذلك من صفاته فهذا غلط وباطل، وإن أردت أنها مقدَّرة لله تعالى فهذا حق؛ فإنها مقدرة كما أن سائر المخلوقات مقدرة ١.
وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء" ٢.
فالله سبق علمه بكل مخلوق وقدره، وكتب ذلك في إمام مبين، ثم شاء وخلق وقدر وجوده على وفق ما قدره، لا يخرج عن ذلك شيء، لا أفعال الإنسان ولا غيرها، سواء كانت هذه الأفعال خيرا أو شرا، طاعة أو معصية. كما لا يخرج عن ذلك ما يصيب الإنسان وما يقع في الكون من أحداث، فإذا آمن العبد بهذا كله علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٨/٤١٠. ٢ أخرجه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى ﵉ ٤/٢٠٤٤ ح٢٦٥٣ من طريق أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
[ ٥١٦ ]