فأما عبادة الله فمعناها: فعل العبادة لله ﷾، مثل: التعبد لله بالصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، والذبح، والدعاء، والاستغاثة، والنذر، ونحو ذلك من أنواع العبادات التي يتقدم بها الإنسان لله ﷿ كالسجود، والركوع، والخضوع، وحلق الرأس تعبدًا، والذهاب إلى المناسك، ونحو ذلك، كل هذه تعتبر من العبادة، ولكن هذه وحدها لا تكفي في توحيد الألوهية، بل لا بد أن ينضاف إليها الكفر بالطاغوت، ولهذا أخبر الله ﷿ أن الأنبياء والمرسلين جاءوا بهذين الأمرين، جاءوا بعباد الله ﷿، وكذلك جاءوا بالكفر بالطاغوت، يقول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦].
ويقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة:٢٥٦].
قال العلماء: إن العروة الوثقى: هي لا إله إلا الله، وسبق أن أشرنا في القاعدة الأولى أن لا إله إلا الله هو توحيد الألوهية، ونحن إذا جئنا إلى هذين الركنين في توحيد الألوهية: عبادة الله، والكفر بالطاغوت نجد أن معناهما هو نفس معنى لا إله إلا الله، فلا إله إلا الله كلمة مركبة من نفي وإثبات، والنفي مأخوذ من قوله: (لا إله)، والإثبات مأخوذ من قوله: (إلا الله)، فالإثبات هو معنى عبادة الله، والنفي هو الكفر بالطاغوت، والطاغوت: هو اسم عام لكل معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله ﷾ وهو راض، فكل معبود أو متبوع أو مطاع من دون الله ﷿ وهو راض فهو طاغوت، فالأصنام طاغوت، والأوثان طاغوت، والقبور التي تعبد من دون الله طواغيت، والحكام الذين يحكمون بغير شريعة الله ﷿ ويبدلون شريعة الله تعالى طواغيت، والكهان الذين يدعون علم الغيب، وينسبون أنفسهم للحديث عن المغيبات التي لا يعلمها إلا الله ﷿ طواغيت، ولهذا عند الكلام حول الآية السابقة وهي قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، تعددت تفسيرات أهل العلم في معنى الطاغوت، فقال بعضهم: الطاغوت هو الشيطان، وقال بعضهم: الطواغيت هم كهان كانوا في أحياء العرب يدعون أن الجن تنزل عليهم، ويتكلمون في المغيبات، وقال بعضهم: الطاغوت هو الحاكم بغير ما أنزل الله.
يقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي﴾ [الأنعام:١٥٣]، قال بعضهم: اتباع الرسول، وقال بعضهم: القرآن، وقال بعضهم: الإسلام، وقال بعضهم: الإيمان، وكل هذه المعاني هي من الصراط المستقيم، ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مقدمته النفيسة لأصول التفسير أنهم قد يذكرون في تفسيرهم أحيانًا مثالًا واحدًا، ولا يعني ذكرهم لهذا المثال أنهم ينفون ما عداه، فالذين قالوا عن الطاغوت بأنه الشيطان، لا يعني هذا أنهم يرون أن الأصنام ليست طواغيت، أبدًا، وإنما هم ذكروا مثالًا على الطاغوت؛ لأن الشيطان يأمر الناس بالشرك، والشرك هو حقيقة الطاغوت، ولهذا كل من عبد غير الله ﷿ فقد حصل منه الكفر والعياذ بالله، وأصبح من الطواغيت.
[ ٤ / ٤ ]