القول الأول:
إن التشيع ظهر بعد وفاة الرسول ﷺ حيث وجد من يرى أن أحقية علي - ﵁ - بالإمامة. وهذا الرأي قال به طائفة من القدامى والمعاصرين، منهم العلامة ابن خلدون، وأحمد أمين، وبعض المستشرقين، وهذا القول منهم مبني على ما نقله البعض من وجود رأي يقول بأحقية قرابة رسول الله ﷺ بالخلافة بعده.
يقول ابن خلدون: "اعلم أن مبدأ هذه الدولة - يعني دولة الشيعة - أن أهل البيت لما توفي رسول الله ﷺ كانوا يرون أنهم أحق بالأمر، وأن الخلافة لرجالهم دون من سواهم" (١) .
ويقول أحمد أمين: "كانت البذرة الأولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي ﷺ أن أهل بيته أولى الناس أن يخلفوه" (٢) . كما قال بمثل ذلك بعض المستشرقين (٣) .
مناقشة هذا الرأي:
وهذا الرأي يستند القائلون به إلى الرأي القائل بأحقية القرابة بالإمامة. ولا شك أنه إذا وجد من يرى أحقية عليّ بالإمامة، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في القرابة، فقد وجد رأي يقول باستخلاف سعد بن عبادة، وأن الإمامة ينبغي أن تكون في الأنصار، وهذا لا دلالة فيه على ميلاد حزب معين، أو فرقة معينة، وتعدد الآراء أمر طبيعي، وهو من مقتضيات نظام الشورى في الإسلام، فهم في
_________________
(١) العبر: ٣/١٠٧-١٧١
(٢) فجر الإسلام ص: ٢٦٦، وانظر: ضحى الإسلام: ٣/٢٠٩، وقال د. علي الخربوطلي: "ونحن نرى أن التشيع بدأ بعد أن آلت الخلافة إلى أبي بكر دون علي بن أبي طالب" (الإسلام والخلافة ص: ٦٢) . كما يقول بهذا الرأي محمد عبد الله عنان (انظر: تاريخ الجمعيات السرية ص: ١٣)
(٣) انظر: دائرة المعارف الإسلامية: ١٤/٥٨
[ ١ / ٦٩ ]
مجلس واحد تعددت آراؤهم "وما انفصلوا حتى اتفقوا، ومثل هذا لا يعد نزاعًا" (١)، "وقد اندرجوا تحت الطاعة عن بكرة أبيهم لأبي بكر - ﵁ - وكان علي - ﵁ - سامعًا لأمره، وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد، ونهض إلى غزو بني حنيفة" (٢) . "وكانوا - على حال ألفة، واجتماع كلمة - يبذلون في طاعة أئمتهم مهج أنفسهم، وكرائم أموالهم على السبيل التي كانوا عليها مع نبيهم.." (٣) .
ولو كان هذا الرأي القائل بأحقية القرابة بالإمامة يمثل البذرة والنواة للتشيع لكان له ظهور وودود زمن أبي بكر وعمر، ولكنه رأي إن ثبت فهو كسائر الآراء التي أثيرت في اجتماع السقيفة، ما إن وجد حتى اختفى بعد أن تمت البيعة.. واجتمعت الكلمة.. واتفق الرأي من الجميع. وموقف أمير المؤمنين علي - ﵁ - ينفي استمرار مثل هذه الآراء أو بقائها بين الصحابة، فقد تواتر عنه - ﵁، من وجوه كثيرة - أنه قال على منبر الكوفة: "خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر" (٤) . فكيف يرى غيره من الصحابة فيه ما لم يره في نفسه؟!
والشيعة ليس لها ذكر أو وجود في عهد أبي بكر ولا عمر ولا عثمان،
_________________
(١) ابن تيمية/ منهاج السنة: ١/٣٦
(٢) الجويني/ الإرشاد ص: ٤٢٨
(٣) الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص: ١٥
(٤) قال ابن تيمية: "روي عن علي من نحو ثمانين وجهًا وأكثر أنه قال على منبر الكوفة هذا القول - كما مر - وقد ثبت في صحيح البخاري من رواية رجال همدان خاصة التي يقول فيها علي: لو كنت بوابًا على باب جنة لقلت لهمدان: ادخلي بسلام، من رواية سفيان الثوري عن منذر الثوري وكلاهما من همدان، قال البخاري: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا جامع بن أبي راشد، حدثنا أبو يعلى عن محمد بن الحنفية قال: "قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله ﷺ؟ " قال: أبو بكر قلت: ثم من؟ قال: عمر. وخشيت أن يقول: عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين". (صحيح البخاري مع فتح الباري، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل أبي بكر جص٢٠) . قال ابن تيمية: وهذا يقوله لابنه الذي لا يتقيه.. (الفتاوى: ٤/٤٠٧-٤٠٨، منهاج السنة: ٤/١٣٧-١٣٨)
[ ١ / ٧٠ ]
فكيف يقال بنشأتها بعد وفاة الرسول ﷺ (١) .؟! وقد أقر بهذه الحقيقة بعض شيوخ الشيعة كما سلف (٢) .
القول الثاني:
أن التشيع لعلي بدأ بمقتل عثمان - ﵁، يقول ابن حزم: "ثم ولي عثمان، وبقي اثني عشر عامًا، وبموته حصل الاختلاف، وابتدأ أمر الروافض" (٣) . والذي بدأ غرس بذرة التشيع هو عبد الله بن سبأ اليهودي (٤)،
_________________
(١) وما ذكره بعضهم من ظهور جماعة بعد وفاة الرسول ﷺ ترى أحقية علي بالإمامة.. ليس له أصل تاريخي ثابت، ويبدو أن عمدته رواية اليعقوبي في تاريخه والتي تقول: بأن جماعة منهم سلمان وأبو ذر وعمار والمقداد تخلفوا عن بيعة أبي بكر ومالوا إلى علي. (تاريخ اليعقوبي: ٢/١٢٤) . وروايات اليعقوبي، ومثله المسعودي يجب الاحتزازوالحذر منهما - لجنوحهما للرفض - ولاسيما فيما يوافق ميولهما المذهبية، وفيما ينفردان به من نقول. يقول القاضي أبو بكر بن العربي: "لا تسمعوا لمؤرخ كلامًا إلا للطبري، وغير ذلك هو الموت الأحمر والداء الأكبر". وقال في المسعودي المؤرخ: "إنه مبتدع محتال". (العواصم من القواصم ص: ٢٤٨-٢٤٩) . وأيضًا لأن الطبري يروي بالسند فيسهل فحص رواياته والتحقق منها
(٢) انظر: ص: (١٦٦)
(٣) الفصل: ٢/٨، وبمثل قول ابن حزم هذا قال طائفة من العلماء والباحثين مثل: الشيخ عثمان بن عبد الله الحنفي صاحب الفرق المتفرقة بين أهل الزيغ والزندقة (انظر: الفرق المفترقة ص:٦) ومثل المستشرق: فلهوزن (انظر: الخوارج والشيعة ص: ١١٢)
(٤) عبد الله بن سبأ رأس الطائفة السبئية وكانت تقول بألوهية علي، كما تقول برجعته وتطعن في الصحابة أصله من اليمن وكان يهوديًا يتظاهر بالإسلام، رحل لنشر فتنته إلى الحجاز فالبصرة فالكوفة، ودخل دمشق في أيام عثمان بن عفان - ﵁ - فأخرجه أهلها، فانصرف إلى مصر وجهر ببدعته. قال ابن حجر: "عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ضال مضل، أحسب أن عليًا حرقة بالنار" اه. وقد تكاثر ذكر أخبار فتنته وشذوذه وسعيه في التآمر هو وطائفته في كتب الفرق والرجال والتاريخ وغيرها من مصادر السنة والشيعة جميعًا. انظر في ذلك: الملطي/ التنبيه والرد ص: ١٨، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: ١/٨٦، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص ٢٣٣، الشهرستاني/ الملل والنحل: ١/١٧٤، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص: ٧١-٧٢، الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين ص: ٨٦، ابن المرتضى/ المنية والأمل ص: ٢٩، ابن حجر/ لسان الميزان: ٣/٢٨٩، ابن عساكر/ تهذيب تاريخ دمشق: ٧/٤٣١، السمعاني/ الأنساب: ٧/٤٦، ابن الأثير/ اللباب: ١/٥٢٧، المقدسي/ البدء والتاريخ: ٥/١٢٩، تاريخ الطبري: ٤/٣٤٠، ابن الأثير/ الكامل: ٣/٧٧، ابن كثير/ البداية والنهاية: ٧/١٦٧، ابن خلدون/ العبر: ٢/١٦٠،١٦١، الطبري/ =
[ ١ / ٧١ ]
والذي بدأ حركته في أواخر عهد عثمان، وأكد طائفة من الباحثين القدماء والمعاصرين على أن ابن سبأ هو أساس المذهب الشيعي والحجر الأول في بنائه (١) . وقد تواتر ذكره في كتب السنة والشيعة على حد سواء.
ونبتت نابتة من شيعة العصر الحاضر تحاول أن تنكر وجوده بجرة قلم دون مبرر واقعي، أو دليل قاطع (٢)، بل ادعى البعض منهم أن عبد الله بن سبأ هو عمار بن ياسر (٣) . وهذه الدعوى هي محاولة أو حيلة لتبرئة يهود من التآمر على المسلمين.. كما هي محاولة أو حيلة لإضفاء صفة الشرعية على الرفض.. والرد على دعوى خصومهم برد أصل التشيع إلى أصل يهودي.
_________________
(١) = تبصير أولي النهى الورقة (١٤) (مخطوط) . ومن مصادر الشيعة: الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص ٢٢-٢٣، القمي/ المقالات والفرق ص: ٢٠، النوبختي/ فرق الشيعة ص: ٢٢، وأورد الكشي عدة روايات في ابن سبأ (رجال الكشي، انظر الروايات رقم: ١٧٠-١٧١، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، من ص ١٠٦-١٠٨)، ابن أبي الحديد/ شرح نهج البلاغة: ٢/٣٠٨.
(٢) انظر - مثلًا -: ابن تيمية الذي يعتبر ابن سبأ أول من أحدث القول بالعصمة لعلي، وبالنص عليه في الخلافة، وأنه أراد إفساد دين الإسلام، كما أفسد بولس دين النصارى (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية/ جمع عبد الرحمن بن قاسم: ٤/٥١٨) . وكذا ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل ص: ١٢٥، ومن المعاصرين - مثلًا - أبو زهرة الذي ذكر أن عبد الله بن سبأ هو الطاغوت الأكبر الذي كان على رأس الطوائف الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، وأنه قال برجعة علي، وأنه وصي محمد، ودعا إلى ذلك. وذكر أبو زرهة أن فتنة ابن سبأ وزمرته كانت من أعظم الفتن التي نبت في ظلها المذهب الشيعي (انظر: تاريخ المذاهب الإسلامية: ١/٣١-٣٣)، وسعيد الأفغاني الذي يرى أن ابن سبأ أحد أبطال جمعية سرية (تلمودية) غايتها تقويض الدولة الإسلامية، وأنها تعمل لحساب دولة الروم (انظر: عائشة والسياسة ص: ٦٠)، وانظر: القصيمي في الصراع: ١/٤١
(٣) وهو: مرتضى العسكري في كتابه "عبد الله بن سبأ.." ص: ٣٥ وما بعدها
(٤) وهو: علي الوردي في كتابه (وعاظ السلاطين) ص: ٢٧٤، وقلده في هذا الشيعي الآخر: مصطفى الشيبي في كتابه (الصلة بين التصوف والتشيع) ص: ٤٠-٤١، ويرى الأستاذ علي البصري أن الوردي هذا مقلد للأستاذ هدايت الوحكيم الهلي أستاذ بجامعة لندن في تلك الآراء والذي نشرها في كتابه: "تخس إمام" أي: الإمام الأول. وأن الوردي قام بنشر ترجمتها تقريبًا في كتابه "وعاظ السلاطين". (انظر: مجلة الثقافة الإسلامية/ بغداد/ العدد (١١)، السنة الأولى، مقال علي البصري بعنوان "من طلاب الشهرة علي الوردي")
[ ١ / ٧٢ ]
وقد اتفق القدماء من أهل السنة والشيعة على السواء على اعتبار ابن سبأ حقيقة واقعية، وشخصية تاريخية، فكيف ينفى ما أجمع عليه الفريقان؟! أما القول بأن ابن سبأ هو عامر بن ياسر فهو قول يرده العقل والنقل والتاريخ، وكيف تلصق تلك العقائد التي قال بها ابن سبأ بعمار بن ياسر، وهل هذا إلا جزء من التجني على الصحابة والطعن فيهم؟!.
ولست بحاجة إلى دراسة هذه المسألة فقد خرجت دراسات موضوعية ومستوفية لهذه القضية (١)، فلا حاجة للوقف عندها طويلًا.. ويكفي - هنا - الاستشهاد بما جاء في كتب الشيعة المعتمدة عن ابن سبأ تمشيًا - أولًا - مع خطة البحث في الاعتماد على أصولهم، وثانيًا: لأن الإنكار لوجود ابن سبأ جاء من جهة الشيعة، فالاحتجاج عليهم من كتبهم المعتمدة يسقط دعواهم من أساسها. وثالثًا: لأن في عرض آراء ابن سبأ من كتب الشيعة تصويرًا لأهل الشيعة وجذورها من كلام الشيعة أنفسهم، وهو موضوع هذا البحث.
فماذا تقول كتب الشيعة عن ابن سبأ؟.. فالشيعي سعد بن عبد الله القمي شيخ الطائفة وفقيهها ووجهها، كما ينعته النجاشي (٢) . (المتوفى سنة ٢٢٩-٣٠١) يقر بوجود ابن سبأ، ويذكر أسماء بعض أصحابه الذين تآمروا معه، ويلقب فرقته بالسبئية، ويرى أنها أول فرقة في الإسلام قالت بالغلو، ويعتبر ابن سبأ "أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر
_________________
(١) من أبرز هذه الدراسات وأهمها: رسالة "عبد الله بن سبأ وأثره في إحداث الفتنة" للدكتور/ سليمان العودة، وقد توفرت لديه أدلة قاطعة على وجود ابن سبأ وسعيه في الفتنة. وهذه دراسة جادة ومستوفية وقد ناقش المشككين والمنكرين والقائلين أن ابن سبأ هو عمار بن ياسر، وأثبت زيف هذه الأقوال بالحجة والبرهان. وكذلك د. عمار الطالبي أثبت بطلان هذه الأقوال في كتابه: "آراء الخوارج" ص: ٧٤ -٨١. وللدكتور عزت عطية مناقشة لهؤلاء وتزييف لأقوالهم في كتابه "البدعة" ص: ٦٤ وما بعدها. وقدم الدكتور سعدي الهاشمي محاضرة قيمة في هذا الموضوع أثبت فيها وجود ابن سبأ بالأدلة من الفريقين (انظر: محاضرات الجامعة الإسلامية عام ١٣٩٨-١٣٩٩هـ: "ابن سبأ حقيقة لا خيال" ص: ٢٠١-٢٢٣)
(٢) رجال النجاشي ص: ١٢٦
[ ١ / ٧٣ ]
وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن عليًا - ﵁ - أمره بذلك"، ويذكر القمي أن عليًا بلغه ذلك فأمر بقتله ثم ترك ذلك واكتفى بنفيه إلى المدائن (١) .
كما ينقل عن جماعة من أهل العلم - كما يصفهم -: "أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم، ووالى عليًا وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ في علي بمثل ذلك، وهو أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي بن أبي طالب وأظهر البراءة من أعدائه.. وأكفرهم، فمن هاهنا قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية (٢) . ثم يذكر القمي موقف ابن سبأ حينما بلغه نعي علي حيث ادعى أنه لم يمت وقال برجعته، وغلا فيه (٣) .
هذا ما يقوله القمي عن ابن سبأ، والقمي عند الشيعة ثقة واسع المعرفة بالأخبار (٤)، ومعلوماته - عندهم - مهمة نظرًا لقدم فترتها الزمنية، ولأن سعدًا القمي كما روى شيخهم الملقب عندهم بالصدوق قد لاقى في إمامهم المعصوم - في نظرهم - الحسن العسكري وسمع منه (٥) . ونجد شيخهم الآخر النوبختي يتحدث عن ابن سبأ ويتفق فيما يقوله عن ابن سبأ مع القمي حتى في الألفاظ نفسها (٦)، والنوبختي ثقة معتمد عندهم (٧) . وعالمهم الكشي (٨) . يروي ست روايات في ذكر
_________________
(١) المقالات والفرق ص: ٢٠
(٢) المقالات والفرق ص: ٢٠
(٣) المقالات والفرق ص: ٢١
(٤) انظر: الطوسي/ الفهرست ص: ١٠٥، الأردبيلي / جامع الرواة: ١/٣٥٢
(٥) انظر: ابن بابويه القمي/ إكمال الدين ص: ٤٢٥-٤٥٣
(٦) انظر: فرق الشيعة للنوبختي ص: ٢٢-٢٣
(٧) انظر: الطوسي/ الفهرست ص: ٧٥، الأردبيلي/ جامع الرواة: ١/٢٢٨، عباس القمي/ الكنى والألقاب: ١/١٤٨، الحائري/ متقبس الأثر: ١٦/١٢٥
(٨) وهو عندهم "ثقة بصير بالأخبار والرجال" (الطوسي/ الفهرست: ١٧١)
[ ١ / ٧٤ ]
ابن سبأ (١) . وذلك في كتابه المعروف "برجال الكشي" والذي هو من أقدم كتب الشيعة المعتمدة في علم الرجال، وتشير تلك الروايات إلى أن ابن سبأ ادعى النبوة وأنه زعم أن أمير المؤمنين هو الله - تعالى الله وتقدس - وأن عليًا استتابه فلم يتب، فأحرقه بالنار، كما ينقل الكشي لعن الأئمة لعبد الله ابن سبأ، وأنه كان يكذب على علي، كقول علي بن الحسين: "لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرًا عظيمًا، ما له لعنه الله، كان علي - ﵁ - والله عبدًا لله صالحًا أخو رسول الله ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته" (٢) .
ثم قال الكشي بعد ذكر تلك الروايات: "ذكر أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديًا فأسلم ووالى عليًا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله ﷺ في علي - ﵁ - مثل ذلك، وكان أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وأكفرهم، فمن ها هنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية" (٣) . هذه مقالة الكشي وهي تتفق مع كلام القمي والنوبختي وكلهم يوثقون قولهم هذا بنسبته إلى أهل العلم.
ثم إن هذه الروايات الست كلها جاءت في رجال الكشي، والذي يعتبرونه أحد الأصول الأربعة التي عليها المعول في تراجم الرجال، وقام الطوسي شيخ الطائفة عندهم بتهذيب الكتاب، فصار عندهم أكثر ثقة وتحقيقًا حيث اجتمع في تأليفه الكشي الذي هو عندهم ثقة، بصير بالأخبار وبالرجال مع الطوسي وهو صاحب كتابين من صحاحهم الأربعة، ومؤلف كتابين من كتبهم الأربعة المعول
_________________
(١) رجال الكشي ص: ١٠٦-١٠٨، ٣٠٥
(٢) المصدر السابق: ص: ١٠٨
(٣) المصدر السابق ص: ١٠٨-١٠٩
[ ١ / ٧٥ ]
عليها في علم الرجال عندهم (١) .
ثم إن كثيرًا من كتب الرجال الأخرى عندهم جاءت على ذكر ابن سبأ (٢)، كما جاء ذكر ابن سبأ في أهم وأوسع كتبهم الرجالية المعاصرة وهو تنقيح المقال (٣) . لشيخهم عبد الله الممقاني (٤) . (المتوفى سنة ١٣٥١هـ) .
ولهذا يلحظ أن ثمة اتجاهًا أخيرًا لدى بعض شيوخ الشيعة المعاصرين إلى العدول عن إنكاره، يقول - مثلًا - محمد حسين الزين: "وعلى كل حال فإن الرجل - أي: ابن سبأ - كان في عالم الوجود، وأظهر الغلو، وإن شك بعضهم في وجوده وجعله شخصًا خياليًا.. أما نحن - بحسب الاستقراء الأخير - فلا نشك بوجوده وغلوه" (٥) .
ذلك أن إنكار وجود ابن سبأ هو تكذيب منهم - وإن لم يصرحوا -
_________________
(١) وما نقلناه عن الكشي هو من تذهيب الطوسي واختياره؛ لأن الأصل - كما يقولون - مفقود لا يعرف له أثر. (انظر: مقدمة رجال الكشي ص ١٧-١٨، يوسف البحراني/ لؤلؤة البحرين ص: ٤٠٣)
(٢) لعل أقدم مصدر عند الشيعة تحدث عن ابن سبأ والسبئية وهو كتاب: مسائل الإمامة ص: ٢٢-٢٣ لعبد الله الناشئ الأكبر (المتوفى سنة ٢٩٣هـ) . (راجع ترجمته في وفيات الأعيان: ٣/٩١-٩٢، أنباء الرواة: ٢/١٢٨-١٢٩) . ومن كتبهم في الرجال التي جاءت على ذكر ابن سبأ: المازندراني/ منتهى المقال (غير مرقم الصفحات)، الاستراباذي/ منهج المقال في تحقيق أحوال الرجال ص: ٢٠٣-٢٠٤، الأردبيلي/ جامع الرواة: ١/٤٨٥، ابن داود الحلي/ الرجال: ٢/٧١، التستري/ قاموس الرجال: ٥/٤٦١ وما بعدها، رجال الطوسي ص: ٥١. ومن كتبهم في الحديث والفقه التي جاء فيها ذكر ابن سبأ: ابن بابويه القمي/ من لا يحضره الفقيه: ١/٢١٣، الخصال ص: ٦٢٨، الطوسي، تهذيب الأحكام: ٢/٣٢٢، المجلسي/ بحار الأنوار: ٢٥/٢٨٦ وما بعدها
(٣) تنقيح المقال: ٢/١٨٣
(٤) انظر: الأعلمي/ مقتبس الأثر: ٢١/٢٣٠
(٥) الشيعة في التاريخ ص: ٢١٣
[ ١ / ٧٦ ]
لشيوخهم الذين ذكروا ابن سبأ، ولكتبهم في الرجال التي تكاثر فيها ذكره، وهو اعتراف منهم - وإن لم يشعروا - أن كتب الرجال لديهم ليست مرجعًا يوثق به وإجماعها لا يعتد به.
وهكذا تعترف كتب الشيعة بأن ابن سبأ هو أول من قال بالوصية لعلي ورجعته وطعن في الخلفاء الثلاثة والصحابة.. وهي آراء وعقائد أصبحت فيما بعد من أسس المذهب الشيعي، وذلك حينما صيغت هذه الآراء وغيرها على شكل روايات وأحاديث ونسبت لآل البيت زورًا وبهتانًا، فوجدت القبول لدى كثير من العوام وغيرهم ولا سيما العجم.
القول الثالث:
ويقول بأن منشأ التشيع كان سنة ٣٧هـ، ومن أشهر القائلين بهذا الرأي صاحب مختصر التحفة الاثني عشرية حيث يقول: "إن ظهور اسم الشيعة كان عام ٣٧هـ" (١) . كما يقول بهذا الرأي الأستاذ وات منتوجمري (Montgomery Watt) حيث يذكر "أن بداية حركة الشيعة هي أحد أيام سنة ٦٥٨م (٣٧هـ) " (٢) . ويبدو أن هذا القول يربط نشأة التشيع بموقعة صفين، حيث وقعت سنة ٣٧هـبين الإمام علي ومعاوية - ﵄ - وما صاحبها من أحداث، وما أعقبها من آثار، ولكن هذا الرأي لا يعني بداية الأصول الشيعية؛ حيث إننا لا نجد في أحداث هذه السنة فيما نقله المؤرخون من نادى بالوصية، أو قال بالرجعة، أو دعا إلى أصل من أصول الشيعة المعروفة، كما أن أنصار الإمام علي لا يمكن أن يقال بأنهم على مذهب الشيعة، أو أصل من أصول الشيعة، وإن كان في أصحاب الإمام علي كما في أصحاب معاوية من أعداء الإسلام الذين تظاهروا بالإسلام ليكيدوا له بالباطن ما لا ينكر، وقد كان للسبئيين أثر في إشعال الفتنة
_________________
(١) مختصر التحفة ص: ٥
(٢) Montgomery Watt، Islam and the Integration of Society p،١٠٤
[ ١ / ٧٧ ]
لا يجحد، وهم وجدوا قبل ذلك، كما أننا نلحظ أنه بعد حادثة التحكيم وفي بنود التحكيم أطلق لفظ الشيعة على الجانبين بلا تخصيص - كما سبق - (١) .
القول الرابع:
بأن التشيع ولد إثر مثل الحسين. يقول شتروتمان (٢) . (Strotnmann، R) "إن دم الحسين يعتبر البذرة الأولى للتشيع كعقيدة" (٣) .