ومع تأخر التأليف عندهم في علم الرجال، واشتماله على ما لا يغني في بيان الحال، فإن القارئ لكتب الشيعة المتأخرة، كمرآة العقول للمجلسي، والمعاصرة مثل الشافي في شرح أصول الكافي، يجد أنهم يذكرون أحيانًا أن هذا الحديث صحيح وذاك ضعيف، وإن كانوا لا يلتزمون هذا في الكثير من مصنفاتهم. وقد مرّ أن هذا مسلك طائفة من الاثني عشرية وهم الأصوليون.
والعهد بالشيعة أنهم لا بصر لهم بهذه الأمور ولا معرفة لهم بهذا الشأن، وقد شنع عليهم أهل السنة لجهلهم بذلك، فمتى بدأ هذا التقسيم عند الشيعة وما سببه؟
لقد ظهر لي أثناء دراستي لعلم الجرح والتعديل عندهم أن تقسيم الحديث إلى صحيح، وحسن، وموثق، وضعيف (١) . قد جاء متأخرًا جدًا عندهم. ولعل
_________________
(١) = الشيعة: ٢٠/١٦٢، وانظر: رجال النجاشي: ص ١١١، رجال الطوسي: ص ١٨١، رجال الحلي: ص ٦٣، جامع الراواة ١/١٨٢-١٨٧)
(٢) الصحيح عندهم: ما اتصل سنده إلى المصوم بنقل الإمامي العدل عن مثله في جميع الطبقات. والحسن: ما اتصل سنده كذلك بإمامي ممدوح من غير نصل على عدالته مع تحقيق ذلك في جميع مراتبه أو في بعضها مع كون الباقي من رجال الصحيح. والموثوق: ما دخل في طريقه من نص الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته. والضعيف: ما لا يجتمع فيه شروط أحد الثلاثة المتقدمين بأن يشمل طريقه على مجروح أو مجهول الحال أو ما دون ذلك. والمرسل: ما رواه عن المعصوم من لم يدركه. =
[ ١ / ٣٨٣ ]
هذه "القضية" تحتاج إلى شيء من التفصيل باعتبارها في نظري جديدة لم أر من نبه عليها من قبل فأقول:
يلحظ أن بداية تقويم الشيعة للحديث وتقسيمه إلى صحيح وغيره، قد كانت في القرن السابع (مع أن بداية دراسة أحوال الرجال عندهم كانت في القرن الرابع- كما مر -)، وجاءت متوافقة مع حملة شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في منهاج السنة حينما شنع على الشيعة قصورهم في معرفة علم الرجال، وقلة خبرتهم في ذلك، كما انبرى يكشف استدلالات الشيعة من كتب السنة ويبين جهلهم وكذبهم في هذا الباب حيث يستدلون بالضعيف والموضوع، وينقلون من المصادر غير المعتمدة.
فهل الشيعة تنبهوا إلى ضعف هذا الجانب عندهم فاتجهوا إلى تمحيص أحاديثهم، أو إنهم رأوا أن تقليدهم لأهل السنة في هذا الباب فيه مجال للتخلص من إلزامات أهل السنة ونقدهم لما جاء في كتب الشيعة من كفر وضلال، فما أن يقول لهم السنيّ: لقد جاء في كتابكم الكافي مثلًا كذا وكذا من الكفر حتى يجد الشيعي الجواب حاضرًا وميسورًا، حينما يحكم على الحديث الوضع وفي التقية
_________________
(١) = (زين الدين العاملي/ الدراية: ص ١٩، ٢١، ٢٣، ٢٤، ٤٧، وانظر: الممقاني مقياس الهداية ص: ٣٣-٣٥)، بهاء الدين العاملي/ الوجيزة: ص ٥. ويلحظ أن المعصوم - كما أشرنا من قبل - ليس هو الرسول ﷺ فحسب، بل أئمتهم لهم هذه الصفة التي يختص بها الرسل، كما أنهم يشترطون إمامية الراوي في الحكم بصحة الحديثة أو حسنه، وما سوى الإمامي فلا يقبل خبره بقول علامتهم ابن المطهر الحلي: "لا تقبل رواية الكافر وإن علم من دينه التحرز عن الكذب". وكذلك "المخالف لا يقبل روايته أيضًا لاندراجه تحت اسم الفاسق" (ابن المطهر/ تهذيب الموصول: ص ٧٧-٧٨) وهم يجرون حكم الكفر أو الفسق على سائر المسلمين من غير طائفتهم. قال الممقاني: ".. والأخبار في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة" (تنقيح المقال: ٣/٢٠٧) وراجع مبحث الإمامة من هذه الرسالة ص (٧٤٩) وما بعدها. ولكنهم متناقضون في تطبيق هذه الشروط.. وقد تعقبهم في ذلك صاحب التحفة وغيره، كما كشف أمرهم إخوانهم من الإخباريين
[ ١ / ٣٨٤ ]
متسع..؟
إن التوافق الزمني بين رد شيخ الإسلام ووضعهم لهذا الاصطلاح قد ينبئ عن تأثيرهم بنقد شيخ الإسلام لهم، حيث اعترفوا بـ"أن هذا الاصطلاح (وهو من تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وموثق وضعيف) مستحدث في زمن العلامة" (١) .
والعلامة إذا أطلق في كتب الشيعة يقصد به ابن المطهر الذي رد عليه شيخ الإسلام. بل هناك ما يؤكد الموضوع أكثر، وهو أن ابن المطهر الحلي هذا هو - كما يقول صاحب الوافي: "أول من اصطلح على ذلك وسلك هذا المسلك" (٢) .
إذن ألا يدل هذا على أن لابن تيمية، ومنهاج السنة أثرا في ذلك، وإن بدء ابن المطهر في وضع هذه المقاييس لشيعته إنما هو سبب النقد الموجه له من ابن تيمية؟
وقد اعترف شيخهم "الحر العاملي" بأن سبب وضع الشيعة لهذا الاصطلاح واتجاههم للعناية بالسند هو النقد الموجه لهم من أهل السنة فقال: "والفائدة في ذكره (أي السند) دفع تعيير (يعني أهل السنة) الشيعة بأن أحاديثهم غير معنعنة، بل منقولة من أصول قدمائهم" (٣) .
وكأن هذا النص الخطير يفيد - أيضًا - أن الإسناد عندهم غير موجود، وأن رواياتهم كانت بلا زمام ولا خطام حتى شنع الناس عليهم بذلك فاتجهوا حينئذ لذكر الإسناد. فالأسانيد التي نراها في رواياتهم هي صنعت فيما بعد وركبت على نصوص أخذت من أصول قدمائهم، ووضعت هذه الأسانيد لتوقي نقد أهل السنة، وقولهم بأن أسانيد الشيعة غير معنعنة. ولا يستبعد أن يقوم من
_________________
(١) وسائل الشيعة: ٢٠/١٠٢، وانظر: الكاشاني/ الوافي/ المقدمة الثانية
(٢) الوافي/ المقدمة الثانية: ١/١١
(٣) وسائل الشيعة: ٢٠/١٠٠
[ ١ / ٣٨٥ ]
يتولى صناعة تلك الأسانيد بوضع أسماء رجال لا مسمى لهم.
وقد لحظت في دراستي لكتاب سليم بن قيس - أول كتاب ظهر لهم - أنهم يضعون روايات أو كتبًا لأشخاص لا وجود لهم، حتى قال بعض شيوخهم وهو يعترف بأن كتاب سليم بن قيس موضوع عليه: "والحق أن هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح نظير كتاب الحسنية، وطرائف بن طاوس، والرحلة المدرسية" (١) . وتبين لنا فيما سلف أن سليم بن قيس قد يكون اسمًا لا مسمى له (٢) .
وقد رأيت صاحب الحور العين يقدم شهادة مهمة لأحد علماء الشيعة الزيدية في هذا الشأن حيث قال: قال السيد أبو طالب (٣): "إن كثيرًا من أسانيد الاثني عشرية مبنية على أسام لا مسمى لها من الرجال، قال: وقد عرفت من رواتهم المكثرين من كان يستحل وضع الأسانيد للأخبار المنقطعة إذا وقعت إليه. وحكي عن بعضهم: أنه كان يجمع روايات بزرجمهر، وينسبها للأئمة بأسانيد يضعها، فقيل له في ذلك، فقال: ألحق الحكمة بأهلها" (٤) .
وقد ذكروا أن من رجالهم حيدر بن محمد بن نعيم السمرقندي قالوا بأنه: "روى جميع مصنفات الشيعة وأصولهم.. وروى ألف كتاب من كتب الشيعة" (٥)، ولو كان هذا واقعًا لانتشر ذكره في كتب الرجال والتاريخ ولكني لم أجد له أي ذكر أو إشارة.
ومما يؤيد هذا وأنه لا سند لهم في الحقيقة النص التالي الذي جاء في أصح كتبهم، حيث قالوا: "إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله - ﵉ -، وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم ولم ترو عنهم، فلما ماتوا صارت
_________________
(١) أبو الحسن الشعراني/ تعليقات علمية (على شرح الكافي للمازندراني): ٢/٣٧٣-٣٧٤
(٢) انظر: ص (٢٦) من هذه الرسالة
(٣) أبو طالب يحيى بن الحسين بن هارون الحسني، وقد قال ذلك في كتابه الدعامة، وقد توفي سنة (٤٢٤هـ) . (انظر: معجم المؤلفين: ١٣/١٩٢-١٩٣٢)
(٤) الحور العين: ص ١٥٣
(٥) وسائل الشيعة: ٢٠/١٨٥
[ ١ / ٣٨٦ ]
الكتب إلينا". ولما سألوا إمامهم عن ذلك قال: "حدثوا بها فإنها حق" (١)، فهذا اعتراف خطير بانقطاع أسانيدهم.
ومن يضمن لهم ولا سيما في ظروف الخوف والتقية التي تشير إليها هذه الرواية، من يضمن أن لا تكون هذه الكتب التي صارت إليهم من وضع زنديق ملحد أراد إضلال الشيعة وإبعادهم عن "حظيرة" الجماعة بنسبة روايات تلك الكتب إلى بعض أهل البيت.. وليس هذا ببعيد.. ومما يثبت ذلك كثرة النصوص عندهم والتي تتناول أقدس ما عند المسلمين وهو كتاب الله سبحانه بالطعن مما لا يوجد عند طائفة من طوائف الضلال والكفر إلا عند هذه الطائفة.
ويؤكد شيخهم الحر العاملي أن الاصطلاح الجديد (وهو تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره) والذي وضعه ابن المطهر هو محاولة لتقليد أهل السنة حيث قال: "والاصطلاح الجديد موافق لاعتقاد العامة واصطلاحهم، بل هو مأخوذ من كتبهم كما هو ظاهر بالتتبع" (٢) .
وهذا يفيد تأخر الشيعة في الاهتمام بهذه القضية، وإن الدافع لذلك ليس هو الوصول إلى صحة الحديث بقدر ما هو توقي نقد المذهب من قبل الخصوم والدفاع عنه. ولذلك جاء علم الجرح والتعديل عندهم مليئًا بالتناقضات والاختلافات حتى قال شيخهم الفيض الكاشاني: "في الجرح والتعديل وشرايطهما اختلافات وتناقضات واشتباهات لا تكاد ترتفع بما تطمئن إليه النفوس كما لا يخفى إلى الخبير بها" (٣) .
وهذه الاعترافات الخطيرة من الكاشاني، والحر العاملي لم تظهر إلا في ظل الخلاف الذي دار ويدور بين الإخباريين والأصوليين.. والذي - كما نلاحظ -
_________________
(١) أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: ١/٥٣
(٢) وسائل الشيعة: ٢٠/١٠٠
(٣) الوافي، المقدمة الثانية: ١/١١-١٢
[ ١ / ٣٨٧ ]
ارتفعت فيه التقية لاسيما وأن في الشيعة - كما يقول الكافي - خصلتين: "النزق (١) . وقلة الكتمان" (٢)، فجاءت هذه الإقرارات لتكشف أن "الإسناد" خصيصة من خصائص أهل السنة، وأن اتجاه الشيعة لذلك إنما هو من باب التقليد وصيانة المهذب من النقد.. وكان وضع هذا الاصطلاح على يد ابن المطهر الذي حظي بنقد قوي من شيخ الإسلام ابن تيمية مما يدل على أثر ذلك في الشيعة.
وقد صار هذا الاصطلاح مثل عقيدة التقية يتسترون به على غلوهم، فإذا وجه إليه نقده ادعوا أن في رواياتهم الصحيح وغيره، كما تلحظ هذه الظاهرة في كتابات ثلة من شيوخهم المعاصرين.
ومنهج التصحيح والتضعيف الذي وضعه المتأخرون إن طبقوه لم يبق لهم من حديثهم إلا القليل، كما كشف ذلك شيخهم يوسف البحراني المتوفى (١١٨٦هـ) حيث قال: "والواجب إما الأخذ بهذه الأخبار، كما هو عليه متقدمو علمائنا الأبرار، أو تحصيل دين غير هذا الدين، وشريعة أخرى غير هذه الشريعة، لنقصانها وعدم تمامها، لعدم الدليل على جملة من أحكامها، ولا أراهم يلتزمون شيئًا من الأمرين، مع أنه لا ثالث لهما في البين، وهذا بحمد الله ظاهر لكل ناظر، غير متعسف ولا مكابر" (٣) .
فهذا نص مهم يكشف أخبارهم في ضوء علم الجرح والتعديل الخاص بهم، وأنهم لو استخدموه بدقة لسقطت معظم رواياتهم.. وليس لهم إلا الأخذ برواياتهم بدون تفتيش، كما فعل قدماؤهم، وقبولها بأكاذيبها وأساطيرها، أو البحث عن مذهب سوى مذهب الشيعة، لأن مذهبهم ناقص لا يفي بمتطلبات الحياة.
_________________
(١) نزق نزقًا من باب تعب: خف وطاش (المصباح المنير: ص ٧٣٤)
(٢) أصول الكافي: ٢/٢٢١-٢٢٢
(٣) لؤلؤة البحرين: ص٤٧
[ ١ / ٣٨٨ ]
وإذا أخذنا هذا الاعتراف، ووضعناه مع إقرارهم الذي جاء في أخبارهم بأنهم كانوا لا يعرفون مناسك الحج والحلال والحرام حتى جاء أبو جعفر (١)، وأنه في عهد أبي جعفر وابنه كثر الكذابون على الأئمة (٢) .- تكاملت الصورة في أن معظم رواياتهم مكذوبة، ولو طبق علم الجرح والتعديل لانكشف أمرها بذلك وظلوا كما كانوا من قبل أبي جعفر لا يعرفون الكثير من أمور دينهم إلا عن طريق كتب المسلمين.
ولكن يبدو أنهم لم يلتزموا بتطبيق هذه الأصول التي وضعوها. فتراهم مثلًا يحكمون بصحة كتاب نهج البلاغة، حتى قال أحد شيوخهم المعاصرين: "إن الشيعة على كثرة فرقهم واختلافها متفقون متسالمون على أن ما نهج البلاغة هو من كلام أمير المؤمنين - ﵁ - اعتمادًا على رواية الشريف ودرايته ووثاقته".. حتى كاد أن يكون إنكار نسبته إليه - ﵁ - عندهم من إنكار الضروريات وجحد البديهيات اللهم إلا شاذًا منهم.. وأن جميع ما فيه من الخطب والكتب والوصايا والحكم والآداب حاله كحال ما يروى عن النبي ﷺ (٣) . مع أن كتاب النهج مطعون في سنده ومتنه، فقد جمع بعد أمير المؤمنين بثلاثة قرون ونصف بلا سند، وقد نسبت الشيعة تأليف نهج البلاغة إلى الشريف الرضي (٤) . وهو غير مقبول عند المحدثين لو أسند خصوصًا فيما يوافق بدعته فيكف إذا لم يسند كما فعل في النهج؟، وأما المتهم - عند المحدثين - بوضح النهج فهو أخوه علي (٥) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأهل العلم يعلمون أن أكثر خطب هذا الكتاب مفتراه على علي، ولهذا لا يوجد غالبها في كتاب متقدم
_________________
(١) أصول الكافي: ٢/٢٠، ومضى ذكر النص بحروفه ص (٣٤٦)
(٢) انظر: ص (٣٦٢) من هذه الرسالة
(٣) الهادي كاشف الغطا/ مدراك نهج البلاغة: ص ١٩٠-١٩١
(٤) محمد بن الحسين بن موسى الرضي أبو الحسن، قال الذهبي: رافضي جلد. (ميزان الاعتدال: ٣/٥٢٣)
(٥) علي بن الحسين العلوي الشريف المرتضى المتكلم الرافضي المعتزلي.. المتوفى سنة (٤٣٦هـ) (انظر: ميزان الاعتدال: ٣/١٢٤)
[ ١ / ٣٨٩ ]
ولا لها إسناد معروف" (١) .
كما أن علامات الوضع لنصوص الكتاب كثيرة ليس هذا موضع تفصليها (٢) .
والغرض هنا أن الشيعة يشترطون في الحكم بالصحة اتصال السند فأين اتصال السند هنا؟ ومن قديم كان شيوخهم لا يعملون بمقاييس الصحة والضعف التي وضعوها بأنفسهم. قال الحر العاملي عن شيخهم الطوسي إنه "يقول: هذا ضعيف، لأن روايه فلان ضعيف، ثم نراه يعلم برواية ذلك الرواي بعينه، بل برواية من هو أضعف منه في مواضع لا تحصى. وكثيرًا ما يضعف الحديث بأنه مرسل ثم يستدل بالحديث المرسل، بل كثيرًا ما يعمل بالمراسيل وبرواية الضعفاء، ويرد المسند ورواية الثقات" (٣) .
وإذا كان شيخهم البحراني المتوفى سنة (١١٨٦هـ) يقرر بأن تطبيق منهجهم في الجرح والتعديل (على ما فيه) يلغي الكثير من أحاديثهم - كما مر - فإن شيخهم الأردبيلي (٤) . والمتوفى سنة (١١٠١هـ) يؤلف كتابه جامع الرواة ويدعي دعوى في غاية الغرابة، حيث زعم - وهو في القرن الحادي عشر - أنه بتأليفه لكتابه المذكور تتغير أحكامه في اثني عشر ألف حديث عن الأئمة في العصور الأولى، تتغير من القول بضعفها أو إرسالها أو جهالتها إلى القول بصحتها، حيث قال: "بسبب نسختي هذه يمكن أن يصير قريبًا من اثني عشر ألف حديث أو أكثر من الأخبار التي كانت بحسب المشهور بين علمائنا - رضوان الله عليهم - مجهولة أو ضعيفة أو مرسلة معلومة الحال وصحيحة لعناية الله تعالى، وتوجه - كذا - سيدنا محمد وآله الطاهرين" (٥) .
_________________
(١) ابن تيمية/ منهاج السنة: ٤/٢٤، المنتقى من منهاج الاعتدال ص ٤٣٠
(٢) انظر في نقد نهج البلاغة: ابن تيمية/ منهاج السنة: ٤/١٥٩، المنتقى من منهاج الاعتدال: ص ٥٠٨-٥٠٩، الذهبي/ ميزان الاعتدال (ترجمة علي بن الحسين الشريف المرتضى: ٣/١٢٤)، ابن حجر/ لسان الميزان: ٤/٢٢٣، مختصر التحفة الاثني عشرية: ص ٣٦، محب الدين الخطيب/ حاشية مختصر التحفة: ص ٥٨، وحاشية المنتقى: ص ٤٣٠، أحمد أمين/ فجر الإسلام: ص ١٧٨، أحمد زكي صفوت/ ترجمة علي بن أبي طالب: ص ١٢٥-١٦٢، الزعبي/ البينات في الرد على أباطيل المراجعات: ص ٣٦-٤٠، مجلة المقتطف المجلد ٤٢ جص٢٤٨ عدد (٢٥) ربيع الأول عام ١٣٣١هـ، الوادعي/ رياض الجنة: ص١٦٢-١٦٣
(٣) وسائل الشيعة: ٢٠/١١١
(٤) محمد بن علي الأردبيلي الغروي الحائري
(٥) الأردبيلي/ مقدمة جامع الرواة
[ ١ / ٣٩٠ ]
ويستدل بهذا القول صاحب فصل الخطاب على أنه لا مانع من أن تصبح أحاديث التحريف ضعيفة عند قدمائهم لعدم علمهم بطرق صحتها فتتحول عندهم إلى صحيحة (١) .
ونجد شيخهم المجلسي في كتابه مرآه العقول يضعف جملة من أحاديث الكافي مع أنه يقول: فإننا لا نحتاج إلى سند لهذه الأصول الأربعة، وإذا أوردنا سندًا فليس إلا للتيمن والتبرك والاقتداء بسنة السلف (٢)، وهذا تناقض غريب. ولكن شيخهم هاشم معروف يرى "أن اتصاف هذا المقدار من مرويات الكافي بالضعف (٣) . لا يعني عدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها، لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة، أو في بعض الكتب المعتبرة.. أو لكونها معمولًا بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء على أن الرواية الضعيفة إذا اشتهر العمل بها والاعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة، وربما تترجح عليها في مقام التعارض" (٤) . ولهذا قال شيخهم الشعراني - كما مر - بأن أسانيد الكافي وإن كان أكثرها ضعيفًا فإن مضامينها صحيحة (٥) .
ويلحظ أن هذا مع ما قبله محاولة للتخلص من تطبيق مبادئ الجرح والتعديل التي وضعها لهم ابن المطهر في القرن السابع وانتهت بهم إلى سقوط كثير من رواياتهم، كما كشف ذلك شيخهم البحراني، فطفقوا يبحثون عما يسند رواياتهم بأي قرينة.. وإلا فما معنى وجودها في كتاب معتبر وهل هناك أكثر
_________________
(١) فصل الخطاب: ص ٣٥٤
(٢) رسالة لزوم نقد رجال من لا يحضره الفقيه، عن أبي زهرة/ الإمام الصادق: ص ٤٧٠-٤٧١
(٣) قالوا بأن عدد الضعيف من روايات الكافي (٩٤٨٥) حديثًا، والصحيح (٥٠٧٢)، الحسن (١٤٤)، والموثق (١٧٨)، القوى (٣٠٢) . (انظر: الذريعة: ١٧/٢٤٥-٢٤٦، النوري/ مستدرك الوسائل: الفائدة الرابعة)
(٤) هاشم معروف/ دراسات في الحديث والمحدثين: ص ١٣٧
(٥) الشعراني/ تعاليق علمية (على شرح الكافي للمازندراني) ٢/١٢٣
[ ١ / ٣٩١ ]
اعتبارًا عندهم من الكافي المعروض على مهديهم؟!، أمام قوله: "كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة" (١) . فإن شيوخهم يقولون بأن الكتب الأربعة وغيرها من كتبهم المعتمدة كالخصال، والأمالي، ومدينة العلم.. منقولة من الأصول الأربعمائة (٢) .
فكيف يجعلون علامة صحة أخبارهم عن الأئمة في الكافي وجودها في أحد الأصول، والكافي برمته منقولة منها - كما يزعمون - أليس هذا تناقضًا؟!.