علم الأئمة يتحقق - في نظرهم - عن طريق الإلهام، وحقيقته كما قال صاحب الكافي في روايته عن أئمته: "النكت في القلوب" (٣)، وفي لفظ آخر له: "فقذف في القلوب" وصرح أن ذلك هو الإلهام حيث قال: "وأما النكت في القلوب فإلهام" (٤)، أي أن العلم ينقدح في قلب الإمام فيلهم القول الذي لا يتصور فيه
_________________
(١) محمد تقي الحكيم/ سنة أهل البيت ص: ٩
(٢) محمد رضا المظفر/ أصول الفقه: ٣/٥١
(٣) أصول الكافي: ١/٢٦٤
(٤) أصول الكافي: ١/٢٦٤
[ ١ / ٣١٠ ]
الخطأ لأن الإمام معصوم.
والإلهام ليس هو الوسيلة الوحيدة في هذا، كما حاول أن يلطف من الأمر ذلك الشيعي المعاصر الذي نقلنا كلامه آنفًا، بل صرح صاحب الكافي في أن هناك طرقًا أخرى غيره، حيث ذكر في بعض رواياته أن من وجوه علوم الأئمة "النقر في الأسماع" من قبل الملك، وفرّق بين هذا والإلهام حيث قال: "وأما النكت في القلوب فإلهام، وأما النقر في الأسماع فأمر الملك" (١) .
إذن هناك وسيلة أخرى غير الإلهام، وهو نقر في الأسماع بتحديث الملك (٢)، وهو يسمع الصوت ولا يرى الملك كما جاء في الروايات الأربع في باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدّث من أصول الكافي، وكلها قالت: إن "الإمام هو الذي يسمع الكلام ولا يرى الشخص" (٣) . وذكر صاحب البحار (١٥) رواية في هذا المعنى في باب عقدة بعنوان: "باب أنهم محدثون مفهمون" (٤) .
ولكن كيف يعلم أنه كلام الملك وهو لا يراه؟ قال إمامهم: "إنه يعطى السكنية والوقار حتى يعلم أنه كلام الملك" (٥) .
ثم بعد أبوابٍ عدة يعود صاحب الكافي ينقض ما قرره في الروايات السابقة، ويثبت تحقيق رؤية الإمام للملك في روايات أربع في باب عقده بعنوان: "باب الأئمة تدخل الملائكة بيوتهم وتطأ بسطهم، وتأتيهم بالأخبار ﵈" (٦)، ثم ما تلبث أن تزيد هذه الروايات الأربع، لتصل إلى ست وعشرين رواية عند
_________________
(١) أصول الكافي: ١/٢٦٤
(٢) المازندراني/ شرح جامع (على الكافي): ٦/٤٤
(٣) انظر: أصول الكافي: ١/١٧٦-١٧٧، وقد صحح هذه الروايات صاحب الشافي شرح الكافي: ٣/٢٩
(٤) المجلسي: ٢٦/٧٣ وما بعدها
(٥) أصول الكافي: ١/٢٧١، بحار الأنوار: ٢٦/٦٨، الصفار/ بصائر الدرجات ص: ٩٣
(٦) أصول الكافي: ١/٣٩٣-٣٩٤
[ ١ / ٣١١ ]
صاحب بحار الأنوار ليجمعها في باب أكثر صراحة على التأكيد على رؤية الإمام للملك حيث جعل عنوانه "باب أن الملائكة تأتيهم وتطأ فرشهم وأنهم يرونهم" (١) .
وتتحدث رواية أخرى لهم عن أنواع الوحي للإمام فتذكر أن جعفرًا قال: "إن منا لمن ينكت في أذنه، وإن منا لمن يؤتى في منامه، وإن منا لمن يسمع صوت السلسلة تقع على الطشت (كذا)، وإن منا لمن يأتيه صورة أعظم من جبرائيل وميكائيل" (٢) .
وثمة روايات أخرى في البحار بهذا المعنى (٣) . وكأنهم بهذا المقام أرفع من النبي الذي لا يأتيه إلا جبرائيل، وتأتي روايات تبين هذه الصورة التي أعظم من جبرائيل وميكائيل بأنها الروح (٤) . عندهم، وقد خصها صاحب الكافي بباب مستقل بعنوان: "باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة"، وذكر فيها ست روايات (٥)، منها: "عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله عن قول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ قال: خلق من خلق الله ﷿ أعظم من جبرائيل وميكائيل كان مع رسول الله - صلى الله عليه وآله - يخبره ويسدده وهو مع الأئمة من بعده" (٦) .
ومعلوم أن الروح في هذه الآية المراد بها القرآن، كما يدل عليه لفظ الآية ﴿أَوْحَيْنَا﴾، وقد سماه الله سبحانه روحًا لتوقف الحياة الحقيقية على الاهتداء به (٧) . وكأن هذه
_________________
(١) بحار الأنوار: ٢٦/٣٥٥ وما بعدها
(٢) بحار الأنوار: ٢٦/٣٥٨، بصائر الدرجات ص: ٦٣
(٣) انظر: بحار الأنوار: ٢٦/٣٥ وما بعدها، الروايات رقم: ١١٠، ١١١، ١١٢، ١٣٠
(٤) وقد ورد في معاني الأخبار لابن بابويه تفسير للروح بأنها - كما يقول إمامهم -: "عمود من نور بيننا وبين الله ﷿". عيون الأخبار ص: ٣٥٤
(٥) أصول الكافي: ١/٢٧٣-٢٧٤
(٦) أصول الكافي: ١/٢٧٣
(٧) شرح الطحاوية: ص ٤
[ ١ / ٣١٢ ]
الدعاوى حول الوحي للإمام قد غابت عن مفيدهم (المتوفى سنة ٤١٣هـ) أو أنها صنعت فيما بعد؛ إذ رأينا المفيد يقرر الاتفاق والإجماع على "أنه من يزعم أن أحدًا بعد نبينا يوحى إليه فقد أخطأ وكفر.." (١)، أو يكون قولهُ هذا تقية.
إذن الإمام يلهم، ويسمع صوت الملك، ويأتيه الملك في المنام واليقظة، وفي بيته ومجلسه، أو يرسل له ما هو أعظم من جبرائيل يخبره ويسدده، وليس ذلك نهاية الأمر، بل لدى الأئمة أرواح أخرى، ووسائل أخرى؛ لديهم خمسة أرواح: روح القدس، وروح الإيمان، وروح الحياة، وروح القوة، وروح الشهوة.
ذكر ذلك صاحب الكافي في باب بعنوان: "باب فيه ذكر الأرواح التي في الأئمة ﵈" (٢) . فذكر في ذلك ست روايات، بينما تطورت هذه المسألة عند صاحب البحار فبلغت رواياتها (٧٤) رواية (٣) .
وقد ركزت رواياتهم على روح القدس، فذكرت أن هذه الروح تنتقل إلى الأئمة بعد موت الأنبياء "فإذا قبض النبي - صلى الله عليه وآله - انتقل روح القدس إلى الإمام" (٤) . "وبروح القدس" عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى" (٥)، "وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو" (٦)، وبروح القدس يستطيع أن يرى الإمام "ما غاب عنه في أقطار الأرض وما في عنان السماء وبالجملة ما دون العرش إلى ما تحت الثرى" (٧) .
بل إن الأئمة تذهب إلى عرش الرحمن - كما يزعمون - كل جمعة لتطوف
_________________
(١) أوائل المقالات: ص٣٩
(٢) أصول الكافي: ١/٢٧١
(٣) بحار الأنوار: ٢٥/٤٧-٩٩
(٤) أصول الكافي: ١/٢٧٢
(٥) أصول الكافي: ١/٢٧٢
(٦) أصول الكافي: ١/٢٧٢، والزهو: الرجاء الباطل والكذب والاستخفاف (هامش الكافي: ١/٢٧٢)
(٧) الغفاري/ تعاليق على أصول الكافي: ١/٢٧٢ (الهامش)
[ ١ / ٣١٣ ]
به فتأخذ من العلم ما شاءت.
قال أبو عبد الله: "إذا كان ليلة الجمعة وافى رسول الله - صلى الله عليه وآله- العرش ووافى الأئمة - ﵈ - معه ووافينا معهم، فلا ترد أرواحنا إلى أبداننا إلا بعلم مستفاد، ولولا ذلك لأنفذنا" (١) .
وجاءت روايات أخرى بهذا المعنى ذكرها الكليني في باب خصصه لهذه الدعوى بعنوان: "باب في أن الأئمة ﵈ يزدادون في ليلة الجمعة". وذكر فيه ثلاث روايات (٢)، ثم جاء صاحب البحار فذكر في هذا الموضوع (٣٧) رواية في باب عقده في هذا الشأن بعنوان: "باب أنهم يزدادون وأرواحهم تعرج إلى السماء" (٣) .
بل جاء في البحار تسع عشرة رواية تذكر بأن الله تعالى ناجى عليًا، وأن جبرائيل يملي عليه.. (٤) . كما جاءت فيه سبع عشرة رواية تتحدث عن تحف الله تعالى وهداياه إلى علي (٥) . كما ذكر المجلسي: "أن الله - بزعمهم - يرفع للإمام عمودًا ينظر به إلى أعمال العباد" واستشهد لذلك بست عشرة رواية (٦) .
كل هذه العلوم التي تتحقق لهم بهذه الوسائل يسمونها: "العلم الحادث" (٧) . وتحققها موقوف على مشيئة الأئمة، كما أكدت ذلك روايات صاحب الكافي التي جاءت في الباب الذي عقده بعنوان: "باب أن الأئمة ﵈ إذا شاؤوا أن يعلموا علموا" (٨)، وذكر فيه روايات ثلاثًا كلها تنطق بـ"أن الإمام إذا شاء أن يعلم أعلم" (٩)، وفي لفظ آخر: "إذ أراد الإمام أن يعلم شيئًا
_________________
(١) أصول الكافي: ١/٢٥٤، بحار الأنوار: ٢٦/٨٨-٨٩، بصائر الدرجات: ص٣٦
(٢) انظر: أصول الكافي: ١/٢٥٣
(٣) انظر: بحار الأنوار: ٢٦/٨٦-٩٧
(٤) بحار الأنوار: ٣٩/١٥١-١٥٧
(٥) بحار الأنوار: ٣٩/١١٨-١٢٩
(٦) بحار الأنوار: ٢٦/١٣٢-١٣٦
(٧) انظر: أصول الكافي: ١/٢٦٤
(٨) أصول الكافي: ١/٢٥٨
(٩) أصول الكافي: ١/٢٥٨
[ ١ / ٣١٤ ]
أعلمه الله ذلك" (١) . فالوحي للأئمة ليس بمشيئة الله وحده كما هو الحال مع الرسل - ﵈ - بل تابع لمشيئة الإمام!!
وهذا العلم الحادث الذي يحدث للأئمة متى شاؤوا فيجعل كلامهم مثل كلام الله ورسوله، ليس هو كل ما عند الأئمة، بل لديهم ما تسميه رواياتهم بالعلم الغابر، العلم المزبور (٢)، وهو ما أودع الأئمة من علوم ومن كتب وصحف، وهي الأساس الثاني لقولهم بأن كلام الإمام يجري مجرى كلام الله ورسوله، وهو ما سنبينه في المبحث التالي.