عرضنا فيما سبق معظم الآراء في نشأة التشيع، وناقشنا ما يحتاج إلى مناقشة.. والذي أرى أن الشيعة كفكر وعقيدة لم تولد فجأة، بل إنها أخذت طورًا زمنيًا، ومرت بمراحل.. ولكن طلائع العقيدة الشيعية وأصل أصولها ظهرت على يد السبئية باعتراف كتب الشيعة التي قالت بأن ابن سبأ أول من شهد بالقول بفرض إمامة علي، وأن عليًا وصي محمد - كما مر - وهذه عقيدة النص على علي بالإمامة، وهي أساس التشيع كما يراه شيوخ الشيعة كما أسلفنا ذكره في تعريف الشيعة. وشهدت كتب الشيعة بأن ابن سبأ وجماعته هم أول من أظهر الطعن في أبي بكر وعمر وعثمان أصهار رسول الله ﷺ وأرحامه وخلفائه وأقرب الناس إليه - ﵃ - والطعن في الصحابة الآخرين، وهذه عقيدة الشيعة في الصحابة كما هي مسجلة في كتبهم المعتمدة. كما أن ابن سبأ قال برجعة
_________________
(١) انظر: (ص ٣٨)
(٢) رودلف شتروتمان من المستشرقين المتخصصين في الفرق ومذاهبها، وله عنها مباحث. من آثاره: الزيدية، وأربعة كتب إسماعيلية. (انظر: نجيب العقيقي/ المستشرقون: ٢/٧٨٨)
(٣) دائرة المعارف الإسلامية: ١٤/٥٩
[ ١ / ٧٨ ]
علي (١) . والرجعة من أصول الشيعة كما سيأتي. كما أن ابن سبأ قال بتخصيص علي وأهل البيت بعلوم سرية خاصة. كما أشار إلى ذلك الحسن بن محمد بن الحنفية (٢) . (ت ٩٥ أو ١٠٠هـ) في رسالة الإرجاء (٣) .
وهذه المسألة أصبحت من أصول الاعتقاد عند الشيعة، وقد ثبت في صحيح البخاري ما يدل على أن هذه العقيدة ظهرت في وقت مبكر، وأن عليًا - ﵁ - سئل عنها، وقيل له: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن ومما ليس عند الناس؟، فنفى ذلك نفيًا قاطعًا (٤) .
هذه أهم الأصول التي تدين بها الشيعة (٥)، وقد وجدت إثر مقتل عثمان -
_________________
(١) انظر: القمي/ المقالات والفرق ص: ٢١، النوبختي/ فرق الشيعة ص: ٢٣، الناشئ الأكبر/ مسائل الإمامة ص: ٢٢-٢٣، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: ١/٨٦، الملطي/ التبيه والرد ص: ١٨، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: ٢٣٧، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص: ٧٢، الرازي/ محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين ص: ٢٤٢، الإبجي / المواقف ص: ٤١٩
(٢) قال ابن حجر: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، أبو محمد المدني، وأبوه يعرف بابن الحنفية. له رسالة في الإرجاء أخرجها محمد بن يحيى العدني في كتاب الإيمان. انظر تهذيب التهذيب: ٢/٣٢
(٣) رسالة الإرجاء (ضمن كتاب الإيمان، لمحمد بن يحيى العدني ص ٢٤٩-٢٥٠)
(٤) وقد أخرج الإمام البخاري هذا الحديث في باب كتابة العلم (البخاري مع الفتح: ١/٢٠٤) وباب حرم المدينة (البخاري مع الفتح ٤/٨١) وباب فكاك الأسير (٦/١٦٧)، وباب ذمة المسلمين وجوارهم (٦/٢٧٣) وباب إثم من عاهد ثم غدر (٦/٢٧٩-٢٨٠) وباب إثم من تبرأ من مواليه (١٢/٤١-٤٢) وباب العاقلة (١٢/٢٤٦) وباب لا يقتل مسلم بكافر (١٢/٢٦٠)، وباب ما يكره من التعمق والتنازع والغلو (١٣/٢٧٥-٢٧٦) . وأخرجه مسلم في باب فضل المدينة وبيان تحريمها (مسلم مع النووي: ٩/١٤٣-١٤٤) وكتاب الذبائح (مسلم مع النووي ١٣/١٤١) . وأخرجه النسائي (المجتبى: ٨/١٩) . والترمذي (٤/٦٦٨) . وأحمد (المسند: ١/١٠٠)
(٥) مما ينبغي أن يلحظ أن ربط نشأة التشيع بابن سبأ هو في التشيع المتضمن لهذه الأصول الغالية، أما "التشيع المتوسط والذي مضمونه تفضيل علي وتقديمه على غيره ونحو ذلك فلم يكن هذا من إحداث الزنادقة، بخلاف دعوى النص والعصمة فإن الذي ابتدع ذلك كان منافقًا زنديقًا". =
[ ١ / ٧٩ ]
﵁ - في عهد علي - ﵁ - ولم تأخذ مكانها في نفوس فرقة معنية معروفة، بل إن السبئية ما كادت تطل برأسها حتى حاربها علي - ﵁ - (١)، ولكن ما تلا ذلك من أحداث هيأ جوًا صالحًا لظهور هذه العقائد، وتمثلها في جماعة وذلك كمعركة صفين، وحادثة التحكيم التي أعقبتها، ومقتل علي، ومقتل الحسين.. كل هذه الأحداث دفعت القلوب والعواطف إلى التشيع لآل البيت، فتسلل الفكر الوافد من نافذة التشيع لعلي وآل بيته، وصار التشيع وسيلة لكل من أراد هدم الإسلام من ملحد ومنافق وطاغوت، ودخلت إلى المسلمين أفكار ومعتقدات أجنبية اكتست بثوب التشيع وتيسر دخولها تحت غطائه، وبمرور الأيام كانت تتسع البدعة ويتعاظم خطرها، حيث قد وجد لابن سبأ خلفاء كثيرون.
ولم يكن استعمال لقب "الشيعة" في عهد علي - ﵁ - إلا بمعنى الموالاة والنصرة، ولا يعني بحال الإيمان بعقيدة من عقائد الشيعة اليوم.. ولم يكن يختص إطلاق هذا اللقب بعلي - ﵁ - يدل على ذلك ما جاء في صحيفة التحكيم من إطلاق اسم الشيعة على كل من أتباع علي وأتباع معاوية كما سلف (٢) .
فإذن كانت الأحداث التي جرت على آل البيت (مقتل علي، مقتل الحسين،
_________________
(١) = (ابن تيمية/ مجموعة الفتاوى: ٢٠/٤٦٦) وهو ابن سبأ وعصابته من اليهود والمنافقين والحاقدين والموتورين
(٢) فقد أمر بإحراق أولئك الذين ادعوا فيه الألوهية. (انظر: ابن تيمية/ منهاج السنة: ١/٢١٩ تحقيق د. محمد رشاد سالم، فتح الباري: ٢/٢٧٠، الملطي/ التنبيه والرد ص: ١٨، الإسفراييني/ التبصير في الدين: ص ٧٠) . وأما السبابة الذين يسبون أبا بكر وعمر فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل: إنه أراد قتله، فهرب منه. وأما المفضلة الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر فروي أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري". (منهاج السنة: ١/٢١٩-٢٢٠)
(٣) انظر ص: (٣٨)
[ ١ / ٨٠ ]
إلخ) هي من العوامل المؤثرة للاندفاع إلى التشيع لآل البيت، وكان التعاطف والتأثر لما حل بالآل هو شعور كل مسلم، ولكن قد استغل هذا الأمر من قبل الأعداء الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر فدخلوا من هذا المنفذ، وأشاعوا الفرقة في صفوف الأمة، وحققوا بالكيد والحيلة ماعجزوا عنه بالسلاح والسنان، ودخل أتباع الديانات الأخرى، والمتآمرون، والمتربصون في التشيع، وبدأوا يضعون أصولًا مستوحاة من دينهم، ألبسوها ثوب الإسلام.. كما سندرس هذا في أصل التشيع.
[ ١ / ٨١ ]