تقول الشيعة - مخالفة بذلك النقل والعقل، والطب والحكمة بأن تربة الحسين هي الكفيلة لشفاء الأدواء والأسقام بشتى أنواعها وأشكالها، وكأنهم بهذا اعتقدوا فيما لا ينفع بالحس والمشاهدة، وبالطبع والعقل، اعتقدوا فيه النفع، وزعموا أن الشفاء يتحقق من تراب قبر لا من رب الأرباب، مخالفين بذلك قول الله: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ﴾ (١)، وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٣) .
فهم باعتقادهم بهذا التراب الدواء والشفاء قد شابهوا المشركين في اعتقادهم بأحجارهم النفع والضر.
ولقد ذكر صاحب البحار ما يصل إلى ثلاث وثمانين رواية عن تربة الحسين وفضلها وآدابها وأحكامها (٤)، فجعلت هذه الرّوايات من هذه التّربة البلسم الشّافي من كلّ داء (٥)، والحصن الحصين من كلّ خوف (٦)، يشرب منها المريض
_________________
(١) يونس، آية:١٠٧
(٢) النمل، آية:٦٢
(٣) الشعراء، آية:٨٠
(٤) انظر: ج/ص١١٨-١٤٠
(٥) ، (٦) جاء في أخبارهم: ".. عن الحارث بن المغيرة قال: قلت لأبي عبد الله - ﵇ -: إنّ رجل كثير العلل والأمراض، وما تركت دواء إلا تداويت به، فقال لي: أين أنت عن طين قبر الحسين بن علي فإنّ فيه شفاء من كلّ داء وأمنًا نم كلّ خوف" (أمالي الطّوسي: ١/٣٢٦، وبحار الأنوار: ١٠١/١١٩، وانظر شواهد أخرى في هذا المعنى في: وسائل الشّيعة: ١٠/٤١٥، كامل الزّيارات ص٢٧٨، ٢٨٥ وغيرهما)
[ ٢ / ٤٨٩ ]
فيتحوّل إلى صحيح، كأن لم يكن به بأس (١) . ويحنّك بها الطّفل فتكون مأمنه من الأخطار (٢)، وتوضع مع الميّت في قبره لتقيه من العذاب (٣)، ويمسك بها الرّجل يعبث بها ساهيًا يقلّبها فيكتب له أجر المسبّحين، لأنّها تسبّح بيد الرّجل من غير أن يسبّح (٤) .
إنّ الله جعل تربة جدّي الحسين ﵁ شفاء من كلّ داء، وأمانًا من كلّ خوف، فإذا تناولها أحدكم فليقبّلها ويعضها على عينه وليمرّها على سائر جسده وليقل: "اللهمّ بحقّ هذه التّربة وبحقّ من حلّ بها وثوى فيها.. إلخ" (٥) .
وما أن يحس الشيعي بألم المرض وشدته حتى يتجه إلى طينة الضريح وعليه أن يختار الوقت المناسب، فيتجه إليه - كما تقول أخبارهم - في جنح الليل البهيم وليكن في آخره، ويغتسل ويلبس أطهر ثيابه، وإذا وصل فليقف عند الرأس ويصلي، وإذا فرغ من صلاته سجد سجدة طويلة يكرر فيها كلمة واحدة ألف مرة، هذه الكلمة هي "شكرًا"، ثم يقوم ويتعلق بالضريح ويقول: "يا مولاي يا ابن رسول الله إني آخذ من تربتك بإذنك اللهم فاجعلها شفاء من كل داء، وعزًا من كل ذل، وأمنًا من كل خوف، وغنىً من كل فقر.." (٦) .
_________________
(١) وقد اخترعا في ذلك حكايات وأساطير، كلّ واحد من أصحاب هذه الحكايات يسوق قصّة مرضه، وتعذّر شفائه، وما إن يأكل من طين الحسين حتى ينهض كأن لم يكن به علّة. يقول أحدهم في نهاية حكايته: "فلمّا استقر الشّراب في جوفي فكأنّما نشطت من عقال". (بحار الأنوار: ١٠١/ ١٢٠-١٢١، كامل الزّيارات: ص٢٧٥)
(٢) قال أبو عبد الله: "حنّكوا أولادكم بتربة الحسين فإنّه أمان". (كامل الزّيارات ص٢٧٨، بحار الأنوار: ١٠١/١٢٤)
(٣) انظر: مبحث اعتقادهم في اليوم الآخر: ص (٦٣١)
(٤) جاء في تهذيب الأحكام للطّوسي "عن محمّد الحميري قال: كتبت إلى الفقيه (إمامهم المنتظر) أسأله هل يجوز أن يسبّح الرّجل بطين القبر؟ وهل فيه فضل؟ فأجاب، وقرأت التّوقيع ومنه نسخت: تسبّح به فما من شيء من التّسبيح أفضل منه، ومن فضله أنّ المُسبّح ينسى التّسبيح ويدير السّبحة تكتب له ذلك التّسبيح" (تهذيب الأحكام/ ٦/٧٥، بحار الأنوار: ١٠١/ ١٣٢-١٣٣) . وفي رواية أخرى عندهم: "إذا قلبها ذاكرًا الله كتب له بكلّ حبّة أربعون حسنة، وإذا قلّبها ساهيًا يعبث بها كتب الله له عشرين حسنة" (تهذيب الأحكام ٦/٧٥، بحار الأنوار ١٠١/ ١٣٢)
(٥) أمالي الطّوسي: ١/٣٢٦، بحار الأنوار: ١٠١/١١٩
(٦) بحار الأنوار: ١٠١/٣٧، وقد نقل ذلك عن مصباح الزائر ص١٣٦
[ ٢ / ٤٩٠ ]
ثم بعد ذلك يأخذ من الطينة "بثلاث أصابع ثلاث قبضات" وتوصيه الرواية بأن يجعل ذلك في خرقة نظيفة ويختمها بخاتم فصه عقيق.. ثم يستعمل منها وقت الحاجة مثل الحمصة فإنه يشفي (١) .
وتزيد رواية أخرى بأن عليه أن يتباكى ويقول: "بسم الله وبالله وبحق هذه التربة المباركة، وبحق الوصي الذي تواريه وبحق جده وأبيه، وأمه وأخيه، وبحق أولاده الصادقين، وبحق الملائكة المقيمين عند قبره ينتظرون نصرته، صلّ عليهم أجمعين، واجعل لي ولأهلي وولدي وإخوتي وأخواتي فيه الشفاء من كل داء.." (٢) .
وتتحدث بعض الروايات عن طرق أخرى للاستشفاء بها فتقول: قال أبو عبد الله: إن الله جعل تربة جدي الحسين ﵁ شفاء من كل داء، وأمانًا من كل خوف، فإذا تناولها أحدكم فليقبلها ويضعها على عنه وليمرها على سائر جسده وليقل: "اللهم بحق هذه التربة وبحق من حل بها وثوى فيها.. إلخ" (٣) .
وتذكر رواية أخرى طريقة تناولها ببيان المقدار والصفة، حيث قال جعفرهم - حينما سئل عن كيفية تناولها -: "إذا تناول التّربة أحدكم فليأخذ بأطراف أصابعه وقدره مثل الحمّصة فليقبّلها وليضعها على عينه.." (٤) . فهذا هو المستشفى المتنقل مع كل شيعي.
ويبدو أن هذه الطينة زادت مرضهم مرضًا، ومن تعلق بشيء وكل إليه، ولهذا شكا بعض الشيعة لإمامه ما يجده من ضعف القدرة، فعزاه إمامه بقوله: "كذلك جعل الله أولياءنا وأهل مودتنا وجعل البلاء إليهم سريعًا" (٥) .
_________________
(١) بحار الأنوار: ١٠١/٣٧، وقد نقل ذلك عن مصباح الزائر ص١٣٦
(٢) بحار الأنوار: ١٠١/١٣٨
(٣) أمالي الطوسي: ١/٣٢٦، بحار الأنوار: ١٠١/١١٩
(٤) مكارم الأخلاق ص١٨٩ (ط: إيران ١٣٧٦هـ)، بحار الأنوار: ١٠١/١٢٠
(٥) كامل الزيارات ص٢٧٥، بحار الأنوار: ١٠١/١٢١
[ ٢ / ٤٩١ ]
هذا وكما أن الشيعي يتجه حين نزول المرض به إلى صنمه والذي يسميه "بالطينة"، فإنه أيضًا يلجأ إلى هذا الصنم وقت الخوف ومداهمة العدو، فيصطحبه معه في ظروف الخوف. يقول إمامهم: "إذا خفت سلطانًا أو غير سلطان فلا تخرجنّ من منزلك إلا ومعك من طين قبر الحسين" (١) وأمره أن يقول: "اللهمّ إنّي أخذته من قبر وليّك وابن وليّك، فاجعله لي أمنًا وحرزًا لِمَا أخاف وما لا أخاف" (٢) .
ولا ينسى راوي هذه الأسطورة أن يذكر طائفته بأنه فعل ذلك فكانت له الأمان من كل ما خاف وما لم يخف ولم ير مكروهًا (٣) .
وهذه الطينة هي أمل الحور العين، ولذلك فالحور كما تقول أساطيرهم يطلبن من الملائكة حينما يهبطون إلى الأرض أن تكون هداياهن من طين قبر الحسين (٤) .
كما تصف رواياتهم السّجود على هذه الطّينة بأنّها "تخرق الحُجُب السّبع" (٥) .
هذا جزء من دعاواهم حول طينة الحسين، وكأنهم في اعتقادهم بهذه الطينة فعلوا أكثر من المشركين الذين قالوا في أصنامهم بأنها تقربهم إلى الله زلفى، فقد جعلوا لهذه الطينة خواص لا يقدر عليها إلا رب العزة جل علاه، اتخذوها ربًا وإلهًا مع الله سبحانه.
ودعوى الاستشفاء بهذه الطينة منكر من القول وزور، وهي من دين الشيعة لا من دين الإسلام ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ
_________________
(١) أمالي الطّوسي: ١/٣٢٥، بحار الأنوار: ١٠١/١١٨
(٢) أمالي الطّوسي: ١/٣٢٥، بحار الأنوار: ١٠١/١١٨
(٣) أمالي الطّوسي: ١/٣٢٥، بحار الأنوار: ١٠١/١١٨
(٤) بحار الأنوار: ١٠١/١٣٤، وقد نقل ذلك عن كتاب المزار الكبير لشيخهم محمد المهدي: ص١١٩
(٥) مصباح التّهجّد للطّوسي: ص٥١١، بحار الأنوار: ١٠١/١٣٥
[ ٢ / ٤٩٢ ]
مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (١)، وليس لها ذكر في كتاب ربنا ولا سنة نبينا، والله سبحانه بيّن في كتابه أن القرآن العظيم شفاء لعباده المؤمنين ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء﴾ (٢) . ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣) .
وسنة المصطفى ﷺ بينت من الأدعية والأوراد التي فيها اللجوء إلى الله وحده لا إلى تراب ولا صنم، بل ولا ملك مقرب ولا نبي مرسل وإنما إلى الله وحده، ويتحقق بسببها - بإذنه تعالى - الحفظ للمسلم والأمان (٤) .
كما أن المسلم مأمور بالأخذ بالسباب الطبيعية للشفاء..
أما أكل التراب فهو بدعة كبرى، وأضحوكة ليس لها مثيل إلا في دين هؤلاء القوم.
_________________
(١) آل عمران، آية:٨٥
(٢) فصلت، آية:٤٤
(٣) الإسراء، آية:٨٢
(٤) راجع كتب الأذكار مثل: الأذكار للنووي، والكلم الطيب لشيخ الإسلام ابن تيمية، والوابل الصيب لابن القيم، وتحفة الذاكرين للشوكاني وغيرها
[ ٢ / ٤٩٣ ]