أثناء مطالعتي في كتب الشيعة رأيت هذه المسألة يؤكد عليها في أكثر من كتاب من كتبهم المعتمدة عندهم، وما كان يخطر بالبال أن تذهب طائفة من الطوائف التي تزعم لنفسها الإسلام إلى القول: "بأن القرآن ليس حجة" والله يقول - لمن طلب آية تدل على صدق الرسول -: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ (١) .
فالقرآن العظيم هو الشاهد والدليل والحجة، ولكن شيخ الشيعة ومن يسمونه بـ"ثقة الإسلام" (الكليني) يروي في كتابه: أصول الكافي والذي هو عندهم كصحيح البخاري عند أهل السنة (٢) . يروي ما نصه: " أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم: وأن عليًا كان قيم القرآن وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله" (٣) .
_________________
(١) العنكبوت، آية: ٥١
(٢) انظر: فصل "اعتقادهم في السنة" من هذا الكتاب
(٣) أصول الكافي: ١/١٨٨
[ ١ / ١٢٧ ]
كما توجد هذه المقالة أيضًا في طائفة من كتبهم المعتمدة كرجال الكشي (١)، وعلل الشرائع (٢)، والمحاسن (٣)، ووسائل الشيعة (٤)، وغيرها.
فماذا يعنون بهذه العقيدة: أيعنون بذلك أن النص القرآني لا يمكن أن يحتج به إلا بالرجوع لقول الإمام؟ وهذا يعني أن الحجة هي في قول الإمام لا قول الرحمن، أم يعنوان أن القرآن لا يؤخذ بنظامه إلا بقوة السلطان وهو القيم على تنفيذه؟ ولكن ورد عندهم في تتمة النص ما ينفي هذا الاحتمال وهو قولهم: "فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجئ، والقدري، والزنديق الذي لا يؤمن به حتى يغلب الرجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيم" (٥) .
ومعنى هذا أن قول الإمام هو أفصح من كلام الرحمن، ويظهر من هذا أنهم يرون أن الحجة في قول الإمام لأنه الأقدر على البيان من القرآن، ولهذا سموه بالقرآن الصامت وسمو الإمام بالقرآن الناطق، ويروون عن علي أنه قال: "هذا كتاب الله الصامت وأنا كتاب الله الناطق" (٦) . وقال: "ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم أخبركم عنه " (٧) .
ويقولون - في رواياتهم -: "وعليٌّ تفسير كتاب الله" (٨)، ومرة أخرى يدعون بأن الائمة هم القرآن نفسه (٩)، وحينًا يزعمون بأن القرآن لم يفسر إلا لرجل
_________________
(١) رجال الكشي: ص٤٢٠
(٢) الصدوق/ علل الشرائع: ص ١٩٢
(٣) البرقي/ المحاسن: ص ٢٦٨
(٤) الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ١٨/١٤١
(٥) الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ١٨/١٤١
(٦) الحر العاملي/ الفصول المهمة: ص ٢٣٥
(٧) أصول الكافي: ١/٦١
(٨) البحار: ٣٧/٢٠٩، الطبرسي/ الاحتجاج: ص ٣١-٣٣، البروجودي/ تفسير الصراط المستقيم: ٣٠/٢٠
(٩) ولهذا نجدهم يفسرون قوله سبحانه: ﴿.. وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ..﴾ يقولون: النور: علي والأئمة ﵈ (فالأئمة بناء على هذا أنزلوا من السماء إنزالًا) الكافي: ١/١٩٤، =
[ ١ / ١٢٨ ]
واحد هو علي (١) . وما ندري لم يكون علي قيم القرآن وهو القرآن نفسه؟! وإذا كان هو القرآن أو القيم عليه فلماذا يفسر له، وكيف يفسر له وهو تفسيره؟! إنها أقوال يضرب بعضها بعضًا، وهي برهان أكيد على أنها من وضع زنديق أراد إفساد دين المسلمين، وكيف يقال مثل ذلك في كتاب أنزله الله ﷾ ليكون هداية للناس ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٢) .
قال الخليفة الراشد علي - ﵁ -: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، من قال به صدق، ومن عمل
_________________
(١) = ويفسرون قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ يونس: آية ١٥. يقولون: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ﴾ يعني: أمير المؤمنين. (انظر: تفسير العياشي: ٢/١٢٠، أصول الكافي: ١/٤١٩، تفسير البرهان: ٢/١٨٠، تفسير نور الثقلين: ٢/٢٩٦، تفسير القمي: ١/٣١٠، بحار الأنوار: ٣٦/٨٠) . ومثل ذلك تفسيرهم لقولهم تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ، فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ .الطور: آية: ٣٣، ٣٤. جاء في تفسير القمي: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ يعني: أمير المؤمنين ﴿بَل لا يُؤْمِنُونَ﴾ أنه لم يتقوله ولم يقمه برأيه، ثم قال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾ أي: رجل مثله من عند الله ﴿إِن كَانُوا صَادِقِينَ﴾ . (انظر: تفسير القمي: ٢/٣٣٣، البحراني/ البرهان في تفسير القرآن: ٤/٢٤٢، بحار الأنوار: ٣٦/٨٥) ومثل ذلك كثير.
(٢) أصول الكافي: ١/٢٥٠
(٣) الإسراء، آية: ٩
[ ١ / ١٢٩ ]
به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" (١) .
وقال ابن عباس - ﵁ -: تضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ هذه الآية: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ (٢) .
ومسألة أن كتاب الله هو الحجة والإمام لا تحتاج إلى بسط الأدلة، والتوسع في إقامة البراهين، ولقد آثرنا فيما عرضنا من دليل أن نأخذه من كتاب الله سبحانه، ومما جاء عن بعض أهل البيت في مصادر أهل السنة. وقبل أن ننهي الحديث في هذه القضية نشير إلى ما ينقضها من كتب الشيعة نفسها كبرهان على تناقضهم، كما نشير إلى الهدف من وضع تلك المقالة.
ففي بعض مصادرهم المعتمدة جاء النص التالي: "ذكر الرضا - ﵁ - يومًا القرآن فعظم الحجة فيه.. فقال: هو حبل الله المتين وعروته الوثقى..
_________________
(١) قال ابن كثير في تعليقه على هذا الخبر: "وقد وهم بعضهم في رفعه، وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين علي - ﵁ -". (انظر: ابن كثير/ فضائل القرآن: ص ١٥) . وقد أخرجه مرفوعًا الترمذي، في ثواب القرآن، باب ما جاء في فضل القرآن رقم (٢٩٠٦): ٤/١٧٢، والدارمي في سننه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل القرآن ص:٨٣١، ورواه الإمام أحمد في مسنده: ٢/٧٠٣ رقم (٧٠٤)، (تحقيق أحمد شاكر) . والحديث في سنده مقال. قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث (أحد رجال السند) مقال". (انظر: الترمذي: ٤/١٧٢)، وقال الحافظ ابن العربي المالكي: وحديث الحرث لا ينبغي أن يعول عليه. (انظر: عارضة الأحوذي: ١١/٣٠) . قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف جدًا من أجل الحارث. (انظر: المسند ٢/٧٠٤) وقال الشيخ الألباني: إسناده ضعيف، فيه الحارث الأعور، وهو لين، بل اتهمه بعض الأئمة بالكذب، ولعل أصله موقوف على علي - ﵁ - فأخطأ الحارث فرفعه إلى النبي ﷺ (انظر: اشرح الطحاوي، الطبعة التي خرج أحاديثها الألباني ص: ٦٨) وهذا الأثر مروي عن علي في كتب الشيعة: انظر: تفسير العياشي: ١/٣، البرهان: ١/٧، تفسير الصافي: ١/١٥، بحار الأنوار: ١٩/٧
(٢) انظر: تفسير ابن جرير الطبري: ١٦/٢٢٥
[ ١ / ١٣٠ ]
جعل دليل البرهان (١) . وحجة على كل إنسان، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (٢) .
وفي نص آخر لهم: ".. فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم، فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفع، من جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل.." (٣) .
وفي نهج البلاغة المنسوب لعلي (٤) . - ﵁ - والذي هو عند الشيعة: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه (٥) . جاء النص التالي: "فالقرآن آمر زاجر، وصامت ناطق، حجة الله على خلقه.." (٦) .
ولهذه النصوص شواهد أخرى وهي تكشف لنا مدى التناقض والاضطراب الواقع في مصادر هؤلاء القوم؛ فرواياتهم - كما ترى - يعارض بعضها بعضًا، لكنهم في حالة التناقض تلك قد وضعوا لهم منهجًا خطيرًا وهو الأخذ بما خالف العامة - وهم أهل السنة عندهم - كما سيأتي تفصيل ذلك في معتقدهم في الإجماع - فيأخذون بالجانب الشاذ عن الجماعة، وإن جاء نص يخالفه، وإن استيقظ شيخ
_________________
(١) كذا وردت في المصدر المنقول عنه، وقد تكون صوابها «الحيران» لأن البرهان لا يحتاج إلى دليل
(٢) انظر: (المجلسي/ البحار: ٩٢/١٤، ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: ٢/١٣٠
(٣) انظر: تفسير العياشي: ١/٢، البحار: ٩٢/١٧
(٤) لقد شك في صحة نسبة الكتاب إلى علي النقاد قديمًا وحديثًا. قال الذهبي: "ومن طالع نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي -﵁ -"، ثم بين علامات ذلك. (انظر: ميزان الاعتدال: ٣/١٢٤، ترجمة الشريف المرتضى) . وسيأتي - إن شاء الله - حديث عنه في فصل السنة، وذكر للمصادر الناقدة له
(٥) ذكر الهادي كاشف الغطا (أحد شيوخ الشيعة المعاصرين) أن إنكار نسبته إلى علي يعد عندهم من إنكار الضروريات. وقال: "إن جميع ما فيه حاله كحال ما يروى عنه النبي - ﵌ -". انظر: مدارك نهج البلاغة ص: ١٩٠
(٦) نهج البلاغة ص:٢٦٥، تحقيق صبحي الصالح، البحار: ٩٢/٢٠
[ ١ / ١٣١ ]
من شيوخهم واستمع إلى نداء الحق وأعلن مخالفته لضلالهم قالوا في ذلك كله: تقية - كما سيأتي في مبحث التقية -.
والمتأمل لتلك المقالة التي تواترت في كتب الشيعة يلاحظ أنها من وضع عدو حاقد أراد أن يصد الشيعة عن كتاب الله سبحانه، ويضلهم عن هدى الله، فما دامت تلك المقالة ربطت حجية القرآن بوجود القيم، والقيم هو أحد الأئمة الاثني عشر؛ لأن القرآن فسر لرجل واحد وهو علي، وقد انتقل علم القرآن من علي إلى سائر الأئمة الاثني عشر، كل إمام يعهد بهذا العلم إلى من بعده، حتى انتهى إلى الإمام الثاني عشر (١) . وهو غائب مفقد عند الاثني عشرية منذ ما يزيد على أحد عشر قرنًا، ومعدوم عند طوائف من الشيعة وغيرهم..
فما دامت هذه المقالة ربطت حجية القرآن بهذا الغائب أو المعدوم فكأن نهايتها أن الاحتجاج بالقرآن متوقف لغياب قيمه أو عدمه، وأنه لا يرجع إلى كتاب الله، ولا يعرج عليه في مقام الاستدلال؛ لأن الحجة في قول الإمام فقط، وهو غائب فلا حجة فيه حينئذ، ولذلك فإن طائفة الأخبارية من الاثني عشرية "أنكروا- كما يعترف شيوخ الاثني عشرية - الأدلة الثلاثة (٢) . بما فيها القرآن الكريم، وخصوا الدليل بالواحد أعني الأخبار فلذلك سمو بالاسم المذكور" (٣) .
وحسبك بهذا ضلال، وإضلال عن صراط الله وتلك ليست هي نهاية التآمر على كتاب الله، وعلى الشيعة، ولكنها حلقة من حلقات، ومؤامرة ضمن سلسلة مؤامرات طوحت بالشيعة بعيدًا عن جماعة المسلمين، وهي مقدمة، أو إرهاص لبدء المحاولة في تفسير كتاب الله على غير وجهه، وزعمهم أن هذا هو ما جاء عن القيم والإمام من أهل البيت، والحجة فيه لا في غيره، وهو الناطق عن القرآن، والمبين له.. ولا حجة في القرآن إلا به.
_________________
(١) سنبين هذا بالتفصيل - إن شاء الله - في فصل السنة
(٢) يعني: الإجماع، والعقل، والقرآن الكريم
(٣) انظر: التقليد في الشريعة الإسلامية ص: ٩٣، وقد مضى الحديث عن ذلك ص: (١٤٣) من هذه الرسالة
[ ١ / ١٣٢ ]