بناءً على اعتقاد الشيعة بأن الإمام هو قيم القرآن، وهو القرآن الناطق (١) . وأنهم هم خزنة علم الله وعيبة (٢) . وحيه (٣)، وأنه بوفاة الرسول ﷺ لم يكمل التشريع، بل إن بقية الشريعة أودعها الرسول لعلي، وأخرج علي منها ما يحتاجه عصره، ثم أودع ما بقي لمن بعده، وهكذا إلى أن بقيت عند إمامهم الغائب (٤) .
بناءً على ذلك فإن مسألة تخصيص عام القرآن، أو تقييد مطلقة، أو نسخه هي مسألة لم تنته بوفاة الرسول ﷺ؛ لأن النص النبوي، والتشريع الإلهي استمر ولم ينقطع بوفاة الرسول، بل استمر عندهم إلى بداية القرن الرابع الهجري وذلك بوقوع الغيبة الكبرى (٥) . والتي انتهت بها صلتهم بالإمام، وانقطع تلقي الوحي الإلهي عنه؛ لأنهم يعتقدون "أن حديث كل واحد من الأئمة الطاهرين قول الله ﷿، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى" (٦) .
وقالوا: يجوز لمن سمع حديثًا عن أبي عبد الله (يعنون جعفر بن محمد الصادق) أن يرويه عن أبيه أو أحد أجداده؛ بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى (٧) . فكان
_________________
(١) انظر: مسألة أن القرآن ليس بحجة إلا بقيم ص: (١٢٧)
(٢) العيبة: زبيل من أدم، ومن الرجل موضع سره. (انظر: أصول الكافي: (الهامش): ١/١٩٢)
(٣) انظر: أصول الكافي: باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه: ١/١٩٢
(٤) انظر: فصل السنة
(٥) انظر: مسألة الغيبة في موضعها من هذه الرسالة
(٦) المازندراني/ شرح جامع (علي الكافي): ٢/٢٧٢
(٧) المصدر السابق: ٢/٢٧٢
[ ١ / ١٤٥ ]
للإمام - في اعتقادهم - تخصيص القرآن أو تقييده أو نسخه، وهو تخصيص أو تقييد أو نسخ للقرآن بالقرآن، لأن قول الإمام كقول الله - كما يفترون -!!.
ذلك أنهم يرون - كما يقول أحد آياتهم في هذا العصر -: "أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه - سلام الله عليه - أودعها عند أوصيائه: كل وصي يعهد بها إلى الآخر، لينشرها في الوقت المناسب لها حسب الحكمة: من عام مخصص، أو مطلق، أو مقيد، أو مجمل مبين إلى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عامًا ويذكر مخصصة بعد برهة من حياته، ولا قد يذكره أصلًا، بل يودعه عند وصية إلى وقته" (١) .
ومسألة النسخ والتخصيص والتقييد ليست إلا جزءًا من وظيفة الأمئة الكبرى وهي (التفويض في أمر الدين) والتي يقررها صاحب الكافي في باب يعقده في هذا الشأن بعنوان: "باب التفويض إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - وإلى الأئمة - ﵈ - في أمر الدين" (٢) .
فالأئمة قد فوضوا في أمر هذا الدين، كما فوض رسول الله ﷺ، فلهم حق التشريع. تقول كتب الشيعة عن الأئمة: "إن الله عز مجل.. فوض إلى نبيه ﷺ فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٣) . فما فوض إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - قد فوضه إلينا" (٤) .
وقال أبو عبد الله - كما تزعم كتب الشيعة -: "لا والله ما فوض الله إلى أحد من خلقه إلا إلى رسول الله - صلى الله عليه وآله - وإلى الأئمة. قال ﷿: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥) . وهي جارية في الأوصياء" (٦) .
_________________
(١) محمد حسين آل كاشف الغطا/ أصول الشيعة ص: ٧٧
(٢) أصول الكافي: ١/٢٦٥
(٣) الحشر، آية: ٧
(٤) أصول الكافي: ١/٢٦٦
(٥) النساء، آية: ١٠٥
(٦) أصول الكافي: ١/٢٦٨
[ ١ / ١٤٦ ]
ثم إن الأئمة هم مستودع علوم الملائكة والأنبياء والرسل، وعندهم جميع الكتب التي نزلت من السماء، كما تقرره كتبهم المعتمدة في روايات كثيرة كما سيأتي (١) . فهذه المهام التشريعية هي من فيض هذه العلوم المخزونة عند الأئمة.
أما التطبيق العلمي لهذه العقيدة فهو ذلك الكم الهائل من الروايات في مسائل العقيدة وغيرها، والتي شذوا بها عن أئمة الإسلام. فمثلًا ألفاظ الكفر والكفار والشرك والمشركين الواردة في كتاب الله سبحانه، والتي تعم كل من كفر بالله وأشرك.. جاءت عندهم روايات كثيرة تخص هذا العموم بالكفر بولاية علي والشرك باتخاذ إمام معه - كما سيأتي - (٢) . فخصصوا عموم الكتاب بلا مخصص، أو حرفوا النصوص وزعموا أنه تخصيص، واعتبروا مسألة الإمامة أخطر من الشرك والكفر، بلا دليل من عقل أو نقل صحيح، وخرجوا عن إجماع المسلمين، وما تواتر من نصوص الدين، وتجاهلوا حتى اللغة التي نزل بها القرآن العظيم ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٣) .
وسنرى أمثلة كثيرة فيما سيأتي لهذا الضرب من التحريف.
نقد هذه العقيدة:
قد ختم الله سبحانه بمحمد ﷺ الرسالات، وأكمل برسالته الدين، وانقطع بموته الوحي. وهذه أمور معلومة من دين الإسلام بالضرورة. وهذه المقالة تقوم على إنكار هذه الأركان، أو تنتهي بقائلها إلى ذلك، وهذا بلا شك نقض لحقيقة "شهادة أن محمدًا رسول الله" والتي لا يتم إسلام أحد إلا بالإيمان بها.
ولعل المتأمل لهذه المقالة، والمحلل لأبعادها يدرك أن الهدف من هذه المقالة تبديل دين الإسلام، وتغيير شريعة سيد الأنام؛ إذ إن كلام الله سبحانه عرضة
_________________
(١) انظر: فصل السنة، ومبحث "الإيمان بالكتب"
(٢) سيأتي شواهد لذلك في مبحث: أمثلة من تأويلات الشيعة لآيات القرآن، ومبحث توحيد الألوهية
(٣) يوسف، آية: ٢
[ ١ / ١٤٧ ]
للتبديل والتغيير بناسخ، أو مخصص، أو مقيد، أو مبين، أو عام يزعم شيوخ الشيعة نقله عن أئمتهم.
ولعل صورة التغيير تبدو بشكل أوضح وأجلى، إذا أدركنا ما جبل عليه هؤلاء القوم من الكذب حتى جعلوه دينًا وقربة - كما سيأتي (١) . - "ومن تأمل كتب الجرح والتعديل رأى المعروف عند مصنفيها بالكذب في الشيعة أكثر منهم في سائر الطوائف" (٢) . وقد شهد طائفة من أئمة المسلمين بأنه لم ير أكذب وأشهد بالزور منهم، وأنهم يضعون الحديث ويتخذونه دينًا، وأن الناس كانوا يسمونهم بالكذابين، ونهى أهل العلم عن أخذ الحديث عن هؤلاء الروافض (٣)، "بل في كتب هؤلاء نصوص تتضمن شكوى آل البيت من كذب هؤلاء وبهتانهم" (٤) .
وهذه الدعوى تقوم على أن دين الإسلام ناقص ويحتاج إلى الأئمة الاثني عشر لإكماله، وأن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ لم يكمل بهما التشريع.. إذ إن بقية الشريعة مودعة عند الأئمة، وأن رسول الهدى ﷺ لم يبلغ ما أنزل إليه من ربه، وإنما كتم بعض ما أنزله إليه وأسره لعلي.. وكل ذلك كفر بالله ورسوله، ومناقضة لأصول الإسلام، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٥) .
ويقول سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن
_________________
(١) انظر: مسألة التقية
(٢) انظر: المنتقى: ص ٢٢
(٣) انظر: منهاج السنة: ١/١٦، ١٧، السيوطي/ تدريب الراوي: ١/٣٢٧
(٤) انظر: البحار: ٢٥/٢٦٣، الممقاني/ تنقيح المقال: ١/١٧٤ (المقام الثالث من المقدمة)، وانظر: رجال الكشي رقم: ١٧٤، ٢١٦، ٥٤١، ٥٤٢، ٥٤٤، ٥٤٩، ٥٨٨، ٦٥٩، ٧٤١، ٩٠٩، ١٠٠٧، ١٠٤٧، ١٠٤٨، وسيأتي ذكر بعض ذلك في "اعتقادهم في السنة"
(٥) المائدة، آية: ٣
(٦) النحل، آية: ٨٩
(٧) آل عمران، آية: ١٨٧
[ ١ / ١٤٨ ]
بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ الَّلاعِنُونَ، إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ﴾ (١) .
وقد نسب الإمام الأشعري هذه المقالة إلى الصنف الخامس عشر من أصناف الغالية من الشيعة - حسب تقسيمه - فهم الذين "يزعمون أن الأئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة، وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات ويوحى إليهم" (٢) .
وهذه العقائد أصبحت من أصول الاثني عشرية (٣)، لأنها شربت مذاهب الغلاة حتى الثمالة.
وقد أشار أبو جعفر النحاس (المتوفى سنة ٣٣٨هـ) إلى هذه المقالة ولم ينسبها لأحد فقال: "وقال آخرون: باب الناسخ والمنسوخ إلى الإمام، ينسخ ما يشاء" (٤) . وعدّ ذلك من عظيم الكفر، ثم بين بطلانه بقوله: "لأن النسخ لم يكن إلى النبي ﷺ إلا بالوحي من الله - جل وعز - إما بقرآن مثله على قول قوم، وإما بوحي من غير القرآن (٥)، فلما ارتفع هذان بموت النبي ﷺ ارتفع النسخ (٦) .
_________________
(١) البقرة، الآيتان: ١٥٩، ١٦٠
(٢) مقالات الإسلاميين: ١/٨٨
(٣) انظر في دعوى الاثني عشرية أن الأئمة يوحى إليهم وتهبط عليهم الملائكة: فصل السنة من هذا الكتاب، وانظر في قول الاثني عشرية بأن الأئمة تظهر عليهم المعجزات: مبحث الإيمان بالأنبياء من هذا الكتاب
(٤) الناسخ والمنسوخ: ص ٨
(٥) يعني سنة المصطفى ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ النجم، آية:٣-٤
(٦) الناسخ والمنسوخ: ص ٨-٩
[ ١ / ١٤٩ ]