أنكر وتبرأ؟ وسنذكر أولًا ما تقوله كتب السنة، ثم نرجع لتحقيق ذلك من كتب الشيعة الاثني عشرية نفسها:
بداية هذا الافتراء - كما تقوله مصادر أهل السنة:
يقول الإمام أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري (١): "لم يزل أهل الفضل والعقل يعرفون شرف القرآن وعلو منزلته.. حتى نبغ في زماننا هذا زائع عن الملة وهجم على الأمة بما يحاول به إبطال الشريعة.. فزعم أن المصحف الذي جمعه عثمان - ﵁ - باتفاق أصحاب رسول الله ﷺ على تصويبه فيما فعل لا يشتمل على جميع القرآن، إذا كان قد سقط منه خمسمائة حرف.. (ثم ذكر ابن الأبناري) أن هذا الزنديق أخذ يقرأ آيات من القرآن على غير وجهها زندقة وإلحادًا، فكان يقرأ: (ولقد نصركم الله ببدر بسيف علي وأنتم أذلة) " (٢) .
هذا النص قاله ابن الأنباري المولود سنة (٢٧١هـ) والمتوفى سنة (٣٢٨هـ) وهو يشير إلى أن هذا الافتراء بدأ في زمنه في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع. ويدل النص المذكور أيضًا على: أن مصدر هذا الافتراء من طائفة الشيعة كما تفيده تلك الزيادة المفتراة (بسيف علي) كما يدل على أنه لم يكن للأمة المسلمة في ماضيها عهد بهذه المفتريات حتى ظهر هذا الزائغ عن الملة، وكأن ابن الأنباري بهذا يشير إلى شخص بعينه إلا أنه لم يذكره باسمه.. ولكن بدت هويته المذهبية من خلال افتراءاته.
بينما نجد المطلي (ت ٣٧٧هـ) يشير إلى أن هذا الشخص صاحب هذه
_________________
(١) محمد بن القاسم بن محمد.. أبو بكر بن الأنباري، قال الخطيب البغدادي: "كان صدوقًا فاضلًا دينًا خيرًا من أهل السنة، وصنف كتبًا كثيرة في علوم القرآن.. والوقف والابتداء والرد على من خالف مصحف العامة.. وكان من أحفظ الناس للغة وتفسير القرآن". (انظر: تاريخ بغداد: ٣/١٨١-١٨٦)
(٢) تفسير القرطبي: ١/٢٨
[ ١ / ٢٠٤ ]
الفرية هو هشام بن الحكم (١) . فإنه زعم أن القرآن الذي في أيدي الناس وضع أيام عثمان، وأما القرآن فقد صعد به إلى السماء لردة الصحابة بزعمه (٢) .
ولكن هشام بن الحكم توفي سنة (١٩٠هـ) وهذا يعني أن هذا الافتراء أقدم مما يذكره ابن الأنباري، وإذا لاحظنا أن هذه الفرية مرتبطة أشد الارتباط بمسألة الإمامة والأئمة عند الشيعة، وذلك حينما بدأ شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها فلم يجدوا في كتاب الله ما يثبت مزاعمهم في ذلك فأدى بهم هذا إلى القول بهذه الفرية وغيرها.. إذا أدركنا ذلك فإنه لا يبعد أن يكون ما يقوله المطلي في أن هشامًا هو الذي تولى كبر هذا الافتراء.. لا يبعد أن يكون هذا واقعًا لاسيمًا أن هشامًا كان من أول من تكلم في الإمامة، حتى قال ابن النديم: "إن هشام بن الحكم ممن فتق الكلام في الإمامة، وله من الكتب كتاب الإمامة" (٣)، وقال ابن المطهر الحلي: "وكان ممن فتق الكلام في الإمامة وهذب المذهب بالنظر" (٤) .
ويشفع لتأهيل هشام بن الحكم - أيضًا - لهذه الفرية ما جاء في رجال الكشي- عمدة الشيعة في كتب الرجال - ونصه: "هشان بن الحكم من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق" (٥) . وقال القاضي عبد الجبار (المعتزلي): "هشام.. ليس من أهل القبلة، وهو معروف بعداوة الأنبياء، وقد أخذ مع أبي شاكر الديصاني (٦) . صاحب الديصانية (٧) . وكان
_________________
(١) هشام بن الحكم: أصله كوفي، وسكن بغداد، وتربى في أحضان بعض الزنادقة، وكان في الأصل على مذهب الجهمية، ثم قال بالتجسيم.. نقلت عنه مقالات ضالة وتنسب له كتب الفرق فرقة "الهشامية" من الشيعة. توفي سنة (١٧٩هـ) كما في رجال الكشي، وقيل: (١٩٠هـ) انظر: رجال الكشي: ص ٢٥٥-٢٨٠، رجال النجاشي: ص ٣٣٨، وانظر: ابن حجر/ لسان الميزان: ٦/١٩٤، وانظر عن الهشامية: الملطي/ التنبيه والرد: ص ٢٤، الأشعري/ مقالات الإسلاميين: ١/١٠٦، البغدادي الفرق بين الفرق: ص ٦٥، الشهرستاني/ الملل والنحل: ١/١٨٤وغيرها
(٢) التنبيه والرد: ص ٢٥
(٣) الفهرست: ص١٧٥
(٤) رجال الحلي: ص ١٧٨
(٥) رجال الكشي: ص ٢٧٨
(٦) انظر: ابن النديم/ الفهرست: ص ٣٣٨
(٧) الديصانية: إحدى فرق الثنوية القائلين بالأصلين النور والظلمة، وأن العالم صدر عنهما، وتعتبر أصلًا للمانوية، وإنما اختلفت الفرقتان في كيفية اختلاط النور بالظلمة (الملل والنحل: ١/٢٥٠، الفهرست لابن النديم: ص ٣٣٨-٣٣٩)
[ ١ / ٢٠٥ ]
معروفًا به وبصحبته، فادعى أنه من الشيعة، فخلصه بعض أصحاب المهدي حين ادعى أنه يتشيع لبني هاشم فلم يصلبه مع أبي شاكر (١)، فهو قد تربى في أحضان الزنادقة، والشيء من معدنه لا يستغرب.. وقد أوعز إليه - كما في رجال الكشي - بلزوم الصمت حين جدّ المهدي العباسي بتتبع الزنادقة" (٢) . قال هشام: "فكففت عن الكلام حتى مات المهدي" (٣) .
فتشير القرائن - كما ترى - إلى هشام وشيعته، فهذا يدل على أقل الافتراضات أن هذه "الفرية" وجدت في عصر هشام، ومما يدل على وجود هذه الدعوى في تلك الفترة ما ذكره ابن حزم عن الجاحظ قال: "أخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام وبشر بن خالد أنهما قالا لمحمد بن جعفر (٤) . الرافضي المعروف بشيطان الطاق: ويحك! أما استحيت من الله أن تقول في كتابك في الإمامة: إن الله تعالى لم يقل قط في القرآن: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (٥) . قالا: فضحك والله شيطان الطاق طويلًا حتى كأنّا نحن الذي أذنبنا" (٦) .
هذه الحكاية أوردها ابن حزم عن الجاحظ، وقد قال ابن حزم عن الجاحظ بأنه رغم مجونه وضلاله: "فإننا ما رأينا له في كتبه تعمد كذبة يوردها مثبتًا لها، وإن
_________________
(١) انظر: تثبيت دلائل النبوة: ص ٢٢٥
(٢) انظر: رجال الكشي: ص ٢٦٥-٢٦٦
(٣) رجال الكشي: ص ٢٦٦
(٤) كذا في الطبعة المحققة من "الفصل" ولعل الصواب أبو جعفر، لأن أباه علي كما هو المشهور في كتب التراجم
(٥) التوبة، آية: ٤٠
(٦) الفصل: ٥/٣٩
[ ١ / ٢٠٦ ]
كان كثيرًا لإيراد كذب غيره" (١) . وشيطان الطاق وهو محمد بن علي ابن النعمان أو جعفر الأحول توفي سنة (١٦٠هـ) (٢)، والمعروف أن شيطان الطاق معاصر لهشام بن الحكم، قال ابن حجر: "قيل إن هشام بن الحكم شيخ الرافضة لما بلغه أنهم لقبوه شيطان الطاق سماه هو مؤمن الطاق" فقد يكون أحد الشركاء في هذه "الجريمة" مع هشام بن الحكم، فهو شريك في التأليف حول مسألة الإمامة والتي هي السبب والأصل للقول بهذا الافتراء كما تدل عليه نصوص هذه الفرية.