الإجماع عند جمهور المسلمين ينظر فيه إلى إجماع الأمة، لأن الأمة لا يمكن أن تجتمع على ضلالة. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٤) .
_________________
(١) وقد جاء في أصول الكافي القول بإمامة الإمام، ولو كان عمره ثلاث سنين. انظر (أصول الكافي، كتاب الحجة، باب الإشارة والنص على أبي جعفر الثاني: ١/٣٢١)، وانظر: (المفيد/ الإرشاد ص ٢٩٨، الطبرسي/ أعلام الورى: ص ٣٣١. وفيهما "ولو كان ابن أقل من ثلاث سنين"، وبحار الأنوار: ٢٥/١٠٢-١٠٣)
(٢) أوائل المقالات: ص ١٠٠
(٣) المصدر السابق ونفس الصفحة
(٤) النساء، آية: ١١٥، فمن خرج من إجماع الأمة فقد اتبع غير سبيل المؤمنين (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٩/١٩٤) . ولذلك عوّل الإمام الشافعي - ﵀ - في الاحتجاج =
[ ١ / ٤١١ ]
وقال ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهو ظاهرون على الناس" (١) .
وروي عنه ﷺ عدة روايات في أن هذه الأمة "لا تجتمع على ضلالة" (٢) .
_________________
(١) = على كون الإجماع حجة تحرم مخالفته بهذه الآية الكريمة، وذلك بعد التروي والفكر الطويل، وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها (تفسير ابن كثير: ١/٥٩٠) . ولشيخ الإسلام تحقيق بديع حول هذه الآية والإجماع (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام: ١٩/١٧٨، ١٧٩، ١٩٢ وما بعدها، وانظر: تفسير القاسمي: ٥/٤٥٩ وما بعدها) . قال الإمام ابن كثير: "قوله ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا ملازم للصفة الأولى، ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية فيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفًا لهم وتعظيمًا لنبيهم. وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذلك.. ومن العلماء من ادعى تواتر معناها". (تفسير ابن كثير: ١/٥٩٠)
(٢) رواه مسلم في كتاب الجهاد، باب قول النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم" ٢/١٥٢٤. والحديث بهذا المعنى أخرجه - أيضًا - البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق" ٨/١٤٩
(٣) قال السخاوي: "حديث مشهور المتن ذو أسانيد كثيرة وشواهد متعددة في المرفوع وغيره (المقاصد الحسنة ص٤٦٠) فروي عنه ﷺ أنه قال: "إن الله أجاركم من ثلاث خلال (ومنها) وأن لا يجتمعوا على ضلالة" رواه أبو داود في سننه: ٤/٤٥٢ (رقم ٤٢٥٣) . قال الحافظ في التلخيص: في إسناده انقطاع، وقال في موضع آخر: سنده حسن (عون المعبود: ١١/٣٢٦) . وروى الإمام أحمد عن أبي بصرة الغفاري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "سألت الله ﷿ أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها" (المسند ٦/٣٩٦) قال الحافظ في التلخيص: ".. رجاله ثقات لكن فيه راو لم يسم" (عون المعبود:١١/٣٢٦) . وروى الترمذي عن ابن عمر "أن الله تعالى لا يجمع أمتي - أو قال: أمة محمد ﷺ - على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار". قال أبو عيسى: حديث غريب من هذا الوجه (سنن الترمذي ٤/٤٦٦) (رقم ٢١٦٧) . وقال ابن حجر في تخريج المختصر: حديث =
[ ١ / ٤١٢ ]
هذا بالنسبة لجمهور المسلمين، أما طائفة الشيعة فالنظر عندهم في الإجماع إلى الإمام لا إلى الأمة، والاعتبار بمن دان بإمامة الاثني عشر بشرط أن يكون من ضمنهم الإمام، أو يكون إجماعهم كاشفا عن قول الإمام - كما قدمنا - ولا يلتفت إلى اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد ﷺ.
بل الأمر أعظم من عدم اعتبار إجماعهم، حيث تعدى ذلك إلى القول بأن مخالفة إجماع المسلمين فيه الرشاد، وصار مبدأ المخالفة أصلًا من أصول الترجيح عندهم، وأساسًا من أسس مذهبهم، وجاءت عندهم نصوص كثيرة تؤكد هذا المبدأ وتدعو إليه.
ففي أصول الكافي سؤال أحد أئمتهم يقول: إذا ".. وجدنا أحد الخبرين موافقًا للعامة (يعني أهل السنة) والآخر مخالفًا لهم بأي الخبرين يؤخذ؟ فقال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، فقلت (القائل هو الراوي): جعلت فداك، فإن وافقها الخبران جميعًا؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكامهم وقضاتها فيترك ويؤخذ بالآخر، قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعًا؟ قال: إذا كان ذلك فارجئه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات" (١) .
_________________
(١) = غريب خرجه أبو نعيم في الحلية، واللالكائي في السنة ورجاله رجال الصحيح لكنه معلوم، فقد قال الحاكم: لو كان محفوظًا حكمت بصحته على شرط الصحيح، لكن اختلف فيه على معتمر بن سليمان على سبعة فذكرها، وذلك مقتضي للاضطراب والمضطرب من أقسام الضعيف (عن فيض القدير ٢/٢٧١) . ورواه ابن ماجه بلفظ: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" (سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب السواد الأعظم ٢/١٣٠٣) (رقم ٣٩٥٠) . وأورده السيوطي في الجامع ورمز له بالصحة (فيض القدير: ٢/٤٣١) . لكن قال السندي: "وفي الزوائد في إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء وهو ضعيف" (حاشية السندي على سنن ابن ماجه: ٢/٤٦٤)، وقال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي: "جاء الحديث بطرق في كلها نظر" (المصدر السابق) . وقال ابن حجر: "له طرق لا يخلو واحد منها من مقال" (عن فيض القدير: ٢/٢٠٠) وقد أورده أصحاب الأصول محتجين به. (انظر: المستصفى: ١/١٧٥، والإحكام للآمدي: ١/٢١٩)
(٢) الكليني/ أصول الكافي: ١/٦٧-٦٨، ابن باوبيه القمي/ من لا يحضره الفقيه: ٣/٥، الطوسي/ =
[ ١ / ٤١٣ ]
وذكر ثقتهم الكليني أن من وجوه التمييز عند اختلاف رواياتهم قول إمامهم: "دعوا ما وافق القوم فإن الرشد في خلافهم" (١) .
وقال أبو عبد الله - كما يفترون -: "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فخذوا بما يخالف القوم" (٢) .
وعن الحسن بن الجهم قال: قلت للعبد الصالح (٣) .- ﵁ -: "هل يسعنا فيما ورد علينا منكم إلا التسليم لكم؟ فقال: لا والله لا يسعكم إلا التسليم لنا، فقلت: فيروى عن أبي عبد الله شيء، ويروى عنه خلافه فأيهما نأخذ؟ فقال: خذ بما خالف القوم (إشارة لأهل السنة) وما وافق القوم فاجتنبه" (٤) .
ويعللون الأخذ بهذا المبدأ بما يرويه أبو بصير عن أبي عبد الله قال: "ما أنتم والله على شيء مما هم فيه، ولا هم على شيء مما أنتم فيه، فخالفوهم فما هم من الحنيفية على شيء" (٥) .
ويغرر هؤلاء الزنادقة الذين يبغون في الأمة الفرقة والخلاف، بأولئك الأتباع الجهال الذين تعطلت ملكة التفكير عندهم بعدما شحنت نفوسهم بما يسمى "محن آل البيت" و"خدرت" عقولهم بما يقال لهم من ثواب كبير ينتظرهم بمجرد حب آل البيت، غرر هؤلاء الزنادقة بأولئك الأتباع فقالوا: إن الأصل في هذا المبدأ "أن عليًا - ﵁ - لم يكن يدين الله بدين إلا خالف - كذا - عليه الأمة إلى غيره إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء الذي لا
_________________
(١) = التهذيب: ٦/٣٠١، الطبرسي/ الاحتجاج ص ١٩٤، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ١٨/٧٥-٧٦
(٢) أصول الكافي/ خطبة الكتاب ص ٨، وانظر: وسائل الشيعة: ١٨/٨٠
(٣) وسائل الشيعة: ١٨/٨٥
(٤) هذا اللقب المراد به الإمام
(٥) وسائل الشيعة: ١٨/٨٥
(٦) الموضع نفسه من المصدر السابق
[ ١ / ٤١٤ ]
يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له - كذا - من عندهم ليلتبسوا - كذا - على الناس" (١) .
مع أنهم يقولون بأن عمر كان يستشيره في كل صغيرة وكبيرة، ويأخذ بقوله ويعمل بفتواه، وأن الصحابة كانت ترجع إليه في مشكلاتهم (٢)، وأن عمر قال: لا عشت في أمة لست لها يا أبا الحسن (٣) . لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبا الحسن (٤) .
فأي القولين نأخذ به ونصدقه؟ ولكن هذا هو دأب هؤلاء الوضّاع التناقض، وهذه ثمار الكذب.
كما يوصون أتباعهم بالوصية التالية والتي تعمق الخلاف وتضمن استمراره، وتكفل لهذه الفئة العزلة عن جماعة المسلمين وإجماعهم: عن علي ابن أسباط قال: قلت للرضا - ﵁ -: يحدث الأمر لا أجد بدًّا من معرفته، وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من مواليك، قال: ائت فقيه البلد، فاستفته عن أمرك، فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه، فإن الحق فيه" (٥) .
وعلق على هذا النص أحد شيوخهم، فقال: "من جملة نعماء الله على هذه الطائفة المحقة أنه خلى بين الشيطان وبين علماء العامة، فأضلهم في جميع المسائل النظرية حتى يكون الأخذ بخلافهم ضابطة لنا، ونظيره ما ورد في حق النساء شاوروهن وخالفوهن" (٦) .
هذه النصوص في منتهى الخطورة، وهي من وضع زنديق ملحد أراد الكيد
_________________
(١) ابن بابويه/ علل الشرائع: ص ٥٣١، وسائل الشيعة: ١٨/٨٣
(٢) انظر: منهاج السنة حيث نقل كلام ابن المطهر في ذلك: ٤/١٦٠
(٣) مناقب آل أبي طالب: ١/٤٩٢-٤٩٣، الصادقي/ علي والحاكمون: ص١٢٠
(٤) الإرشاد للمفيد ص ٩٧-٩٨، مناقب آل أبي طالب: ١/٤٩٤
(٥) ابن بابويه/ علل الشرائع: ص ٥٣١، الطوسي/ التهذيب: ٦/٢٩٥، وسائل الشيعة: ١٨/٨٢-٨٣، وبحار الأنوار: ٢/٢٣٣
(٦) الحر العاملي: الإيقاظ من الهجعة ص ٧٠-٧١
[ ١ / ٤١٥ ]
للأمة ودينها، وأراد أن يفتح للقوم بابًا واسعًا للخروج من الإسلام، حيث يتجهون إلى مخالفة كل أمر من الدين عليه أمة الإسلام. وكيف يدعو قوم هذه عقائدهم إلى التقريب؟! وكيف يزعمون إمكانية اللقاء مع أهل السنة الذين يكون الرشد في خلافهم؟!