إن مصنفي هذه المدونات لم يحصل لهم ملاقاة الأئمة، وما أخذوا أقوالهم إلا بواسطة رجال بينهم وبين الأئمة، فما حال هؤلاء الرجال الذين رووا كل ذلك الضلال عن جعفر وغيره؟
لقد شهد طائفة من أعلام السنة بأن الروافض من أكذب الناس في الحديث واتقوا الرواية عنهم.. لكن الاثني عشرية لا تقبل هذه الشهادات، فهي لا تقبل "روايات العامة" كما يقولون فضلًا عن الأخذ بجرحهم.
وقد استقرأ صاحب التحفة الاثني عشرية أحوال رجالهم في الكتب الأربعة
_________________
(١) انظر: فصل الخطاب: ص ٣٠ وما بعدها (النسخة المطبوعة)
(٢) انظر: قوامع الفضول: ص ٢٩٨
(٣) الإمام الصادق: ص ٤٤٠
(٤) رجال الحلي: ص ٤٥
(٥) رجال الحلي: ص ١٤٥
(٦) رجال الحلي: ص ١٣٧
[ ١ / ٣٧١ ]
من خلال ما تقوله عنهم كتب الشيعة نفسها (١)، كما فعل مثل ذلك صاحب "الصواقع المحرقة" (٢) . وقدم الألوسي - ﵀ - في "كشف غياهب الجهالات" إلمامة موجزة بأحوالهم (٣)، كما صدر حديثًا كتاب بعنوان: "رجال الشيعة" درس فيه مؤلفه مجموعة كبيرة من رجالهم من خلال مصادر الشيعة، وما قد يوجد في مصادر السنة، وهي خطوة تستحق الإشادة (٤) .
وتبين من خلال ذلك أن رجال كتبهم في الغالب ما بين كافر لا يؤمن بالله ولا بالأنبياء ولا بالبعث والمعاد، ومنهم من كان من النصارى ويعلن بذلك جهارًا وَيتَزيّا بزيّهم، ولم يدع صحبتهم، ومنهم من أعلن جعفر الصادق كذبهم ونص على ذلك باعتراف كتب الشيعة وقال: "يروون عنا الأكاذيب ويفترون علينا أهل البيت" (٥) . إلى غير ذلك من أحوال رجالهم، وأنواع ضلالهم. وقد ذكرت هذه المصنفات جملة من أسماء هؤلاء الرجال الذين ذهبوا لهذه المذاهب الملحدة (٦) .
ولقد لخص شيخ الطائفة، وصاحب كتابين (٧) . من كتبهم الأربعة في الحديث، وصاحب كتابين أو ثلاثة من كتبهم الأربعة المعتمدة في الرجال (٨) .
_________________
(١) انظر: التحفة الاثني عشرية: ص ٩٧، ١٠٧ وما بعدها (مخطوط)، ومختصر التحفة ص ٦٩
(٢) الصواقع - بتقديم القاف على العين - المحرقة لإخوان الشياطين والزندقة من تأليف نصير الدين محمد الشهير بخواجه نصر الله الهندي المكي، وقد قام الشيخ محمود الألوسي باختصار الكتاب باسم "مختصر الصواقع.." وانظر (ما أشرنا إليه في) مختصر الصواقع: ص ١١٢ (مخطوط)
(٣) كشف غياهب الجاهلات: ص ١٠ (مخطوط)
(٤) وقد نشرته: دار الأرقام - الكويت عام ١٤٠٣هـتأليف عبد الرحمن الزرعي
(٥) انظر: التحفة ص ٩٧
(٦) ولعل بعض أقسام "السنة" في الجامعات الإسلامية تقوم بدراسة متأنية وشاملة لأحوال هؤلاء الرجال الذين قام على رواياتهم مذهب الاثني عشرية لكشف حالهم وبيان الحقيقة.
(٧) وهما: التهذيب والاستبصار
(٨) وهي: الفهرست للطوسي، ورجال الطوسي، والكتاب الثالث وهو رجال الكشي، والذي قام بتهذيبه الطوسي، وقد فقد الأصل اليوم عند الشيعة فلا يوجد إلا تهذيب الطوسي، بالإضافة إلى كتاب الرجال للنجاشي
[ ١ / ٣٧٢ ]
لخص الطوسي أحوال رجالهم باعتراف مهمّ أجراه الله سبحانه على لسانه، يقول الطوسي: "إن كثيرًا من مصنفي أصحابنا ينتحلون المذاهب الفاسدة - ومع هذا يقول: إن كتبهم معتمدة -" (١) . فكأن المهم عندهم تشيع الرجل ولا يضر بعد ذلك انتحاله لأي مذهب فاسد. ولكنهم يردون روايات الزيدية. كما ردوا روايات زيد بن علي وهو من أهل البيت كما فعل الطوسي في الاستبصار (٢) . مع أن الزيدية شيعة.
إذن المقصود عندهم هو الإمام أو الغالي، ولهذا ارتضوا أمر الجارودية مع أنها من غلاة الزيدية، ولكن ارتضوا مذهبها لأنها تكفر معظم صحابة رسول الله ﷺ وترد مروياتهم فتشاركهم في عموم مذهبهم (٣) . ثم بعد ذلك لا يضر أن يكونوا من أصحاب المذاهب الفاسدة، والنحل الزائفة.
بل قرر جملة من علماء الرجال عندهم كابن الغضائري، وابن المطهر الحلي بأن القدح في دين الرجل لا يؤثر في صحة حديثه (٤) . - كما مر -.
ولكن هناك جملة من رجالهم ورواة مذهبهم هم من الغلاة كما نص على ذلك شيوخ المذهب القدامى، فلم يكونوا يأخذون برواياتهم، ولكن هذا القدح في هؤلاء الرجال لم يرتضه الشيعة المتأخرون بحجة غريبة، وهي أن المذهب يتطور ويتغير فأصبح ما يعتبر عند القدامى غلوًا هو اليوم من ضرورات المذهب الشيعي، فصارت مقاييسهم في نقد مذهب الرجل تتغير من عصر لعصر تبعًا لتغير المذهب وتطوره. قال الممقاني - أكبر شيوخهم في علم الرجال في هذا العصر -: "إن القدماء - يعني من الشيعة - كانوا يعدون ما نعده اليوم من ضروريات مذهب الشيعة غلوًا وارتفاعًا، وكانوا يرمون بذلك أوثق الرجال كما لا يخفى على من أحاط
_________________
(١) الفهرست: ص ٢٤-٢٥
(٢) انظر: الاستبصار: ١/٦٥-٦٦
(٣) كما قرر ذلك شيخهم المفيد في أوائل المقالات، وقد مضى ذكر كلامه ص: (٤١)
(٤) رجال الحلى: ص ١٣٧
[ ١ / ٣٧٣ ]
خبرًا بكلماتهم" (١) .
وأمر آخر أخطر من هذا، لقد جاءت روايات بأسانيد ثابتة وصحيحة لديهم تذم وتعلن مجموعة من الكذابين الذين قام الدين الشيعي على رواياتهم، تذمهم بأعيانهم.. فلم يقبل شيوخ الشيعة الذم الوارد فيهم (لأنهم لو قبلوا ذلك لأصبحوا من أهل السنة وتخلوا عن شذوذهم) وقد فزعوا إلى التقية لمواجهة هذا الذم، وهذا ليس له تفسير إلا رد قول الإمام من وجه خفي، وإذا كان منكر نص الإمام كافرًا في المذهب الشيعي فهم خرجوا بهذا عن الدين رأسًا.
وقد اعترف محمد رضا المظفر - وهو من شيوخهم وآياتهم المعاصرين - اعترف بأن جلّ رواتهم قد ورد فيهم الذم من الأئمة ونقلت ذلك كتب الشيعة نفسها، قال وهو يتحدث عما جاء في هشام بن سالم الجواليقي من ذم قال: "وجاءت فيه مطاعن، كما جاءت في غيره من أجلة أنصار أهل البيت وأصحابهم الثقات والجواب عنها عامة مفهوم" (٢) . (أي العلة المعروفة السائرة عندهم وهي التقية) ثم قال: "وكيف يصح في أمثال هؤلاء الأعاظم قدح؟ وهل قام دين الحق وظهر أمر أهل البيت إلا بصوارم حججهم" (٣) .
لاحظ كيف يصنع التعصب بأهله.. فهم يدافعون عن هؤلاء الذين جاء ذمهم عن أئمة أهل البيت، ويردون النصوص المروية عن علماء أهل البيت في الطعن فيهم والتحذير منهم، والتي تنقلها كتب الشيعة نفسها.. فكأنهم بهذا يكذبون أهل البيت.. بل ويصدقون ما يقوله هؤلاء الأفاكون حيث زعموا أن ذم الأئمة لهم جاء على سبيل التقية.. فهم لا يتبعون أهل البيت في أقوالهم التي تتفق مع نقل الأمة، بل يقتفون أثر أعدائهم ويأخذون بأقوالهم، ويفزعون إلى
_________________
(١) تنقيح المقال: ٣/٢٣، وراجع ما ذكره محب الدين الخطيب في ذلك في حاشية المنتقى: ص ١٩٣
(٢) محمد الحسين المظفر/ الإمام الصادق: ص ١٧٨
(٣) محمد الحسين المظفر/ الإمام الصادق: ص ١٧٨
[ ١ / ٣٧٤ ]
التقية في رد أقوال الأئمة.
وهناك مجموعة من رجالهم تميزوا بالإكثار من الرواية في كتبهم، وهم يحظون بتوثيق شيوخهم على الرغم من أنهم قد لعنوا أو كفروا أو كذبوا على ألسنة الأئمة وباعتراف كتب الشيعة نفسها.
وفي ظني أن جمع ما ورد في هؤلاء الرجال الذين شاعت رواياتهم في كتب الاثني عشرية.. جمع ما ورد فيهم من ذك في كتب الشيعة وما قد يوجد من ذلك في كتب السنة يسهم في إيضاح الرؤية وكشف الكذب على أهل البيت، ويسقط الكثير من تلك الروايات السوداء التي أخذت بالشيعة بعيدًا عن جماعة المسلمين، ويكشف الأمر أمام عوام الشيعة وجهالهم الذين لا يعرفون عن مذهبهم إلا أنه مأخوذ عن أهل البيت، كما خدعهم بذلك شيوخهم، وما علموا أن تلك الروايات جاءت بواسطة حثالة من الكذابين الذين تبرأ الأئمة منهن وكذبوهم. فالعوام في الغالب في غفلة من مذهبهم وما يراد بهم.
ويأتي على رأس هؤلاء الذين تميزوا بكثرة الرواية عندهم جابر الجعفي، قال الحر العاملي: "روى سبعين ألف حديث عن الباقر - ﵇ - وروى مائة وأربعين ألف حديث، والظاهر أنه ما روي بطريق المشافهة عن الأئمة ﵈ أكثر مما روى جابر" (١) .
إذًا فجابر يأخذ المرتبة الأولى في الرواية من ناحية العدد، وإذا لحظنا أن مجموع أحاديث كتبهم الأربعة لم تبلغ سوى (٤٤٢٤٤) (٢)، أدركنا ضخامة ما رواه جابر الجعفي، وأن رواياته تأخذ النصيب الأكبر في المدونات الشيعية، فهو أحد أركان دينهم.
ولكن جاء في رجال الكشي - أصل كتب الرجال عندهم - عن زرارة بن أعين قال: "سألت أبا عبد الله - ﵇ - عن أحاديث جابر؟ فقال ما رأيته عن أبي قط إلا مرة واحدة، وما دخل عليّ قط" (٣) . فالإمام
_________________
(١) وسائل الشيعة: ٢٠/١٥١
(٢) أعيان الشيعة: ١/٢٨٠
(٣) رجال الكشي: ص ١٩١، وقد مضى الاستشهاد به
[ ١ / ٣٧٥ ]
الصادق هنا يكذب مما يزعمه جابر من روايته عنه وعن أبيه.. فكيف إذًا يروي هذا العدد الضخم من الأحاديث عمن لم يلتق به، أو لم يلتق به إلا مرة واحدة مع أنه صرح بالسماع والتحديث؟!
ولم يجد شيخهم الخوئي مخرجًا من هذه الرواية التي تكذب جابرًا إلا أن يفزع إلى التقية فيقول بأنه: "لابد من حمله إلى نحو من التورية" (١) . لأنه يرى أنه من ثقاتهم، حيث يقول: "الذي ينبغي أن يقال: إن الرجل لابد من عده من الثقات الأجلاء" (٢) .
واستشهد لذلك بتوثيق بعض شيوخهم له كابن قولويه وعلي بن إبراهيم والمفيد، ثم قال: ويقول الصادق في صحيحة زياد إنه كان يصدق علينا (٣) . وقد جاء في جامع الرواة الإشارة إلى أن هذه الرواية التي يصفها الخوئي بالصحيحة قد رويت عندهم بطريق مجهول (٤)، وما أدري لم يؤول الرواية الأخرى ويأخذ بهذه الرواية بلا دليل؟
كما أن المفيد الذي يعتبره الخوئي ممن وثقه كان ينشد أشعارًا كثيرة عنه يستدل بها على اختلاطه كما أشار إلى ذلك النجاشي (٥) .
كما أن النجاشي قال عنه: "وكان في نفسه مختلطًا" (٦) . وقال هاشم معروف: "إن جابر الجعفي من المتهمين عند أكثر المؤلفين في الرجال" (٧) . وقال وهو يحكم على بعض رواياتهم: "في سند هذه الرواية صباح المزني، وجابر الجعفي وهما ضعيفان، وقد ورد في جابر قدح ومدح والأكثر على أنه كان مخلطا" (٨) .
_________________
(١) معجم رجال الحديث: ٥/٢٥
(٢) معجم رجال الحديث: ٤/٢٥
(٣) المصدر السابق: ٤/٢٥
(٤) الأردبيلي/ جامع الرواة: ١/١٤٤
(٥) النجاشي/ الرجال ص١٠٠
(٦) النجاشي/ الرجال: ص ١٠٠
(٧) الموضوعات في الآثار والأخبار: ص٣٣٤
(٨) المصدر السابق: ص ١٨٤
[ ١ / ٣٧٦ ]
كما أن النجاشي (ت٤٥٠هـ) وهو خبير رجالهم وصاحب أحد كتبهم الأربعة في الرجال ذكر أنه: "قلّ ما يورد عنه شيء في الحلال والحرام" (١)، ولكن الخوئي يقول: "فإن الروايات عنه في الكتب الأربعة كثيرة في الحلال والحرام (٢) . فهذا قد يشير إلى شيء آخر وهو أن الرجل بالإضافة إلى كذبه في نفسه، قد كثر الذين يكذبون عليه، وهذا ما صرح به النجاشي في رجاله حينما قال: "روى عنه جماعة غمز فيهم وضعفوا منهم عمرو بن شمر، ومفضل بن صالح.." (٣) .
وقال هاشم معروف في ترجمة عمر بن شمر: "ضعفه المؤلفون في الرجال ونسبوا إليه أنه دس أحاديث في كتب جابر الجعفي" (٤)، و"أنه كان يضع الأحاديث في كتب جابر الجعفي وينسبها إليه" (٥) . فهذا جانب آخر يكشف كذب هذه الروايات الكثيرة المنتشرة في كتبهم عن جابر.
كما جاء في رواياتهم مما يثبت أن جابرًا أحد المجانين، وإن زعموا أنه افتعل ذلك خشية بطش الخليفة (٦) . كما صورته رواياتهم بأنه واحد من أمهر السحرة والمشعوذين وإن لم تسمه بذلك (٧) .
وإذا لحظنا أن جابرًا قد شاركت رواياته في كثير من أركان الكفر في المذهب الشيعي فهو الذي روى في الكافي أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة.. إلخ، وهو أول من وضع التأويل الباطني في كتاب - كما سلف -. وجاء في رواياتهم ما يشير إلى وجوب كتمان تلك التأويلات إلى غير ذلك مما أسهم به في تشييد
_________________
(١) النجاشي/ الرجال: ص ١٠٠
(٢) الخوئي/ معجم رجال الحديث: ٤/٢٦
(٣) النجاشي/ الرجال: ص ١٠٠
(٤) دراسات في الحديث: ص ١٩٥
(٥) هاشم معروف/ الموضوعات والآثار: ص ٢٣٤
(٦) انظر ذلك في رجال الكشي: ص ١٩٤-١٩٥
(٧) انظر مخاريقه التي ينقلونها عنه في ذلك في رجال الكشي: ص ١٩٧
[ ١ / ٣٧٧ ]
الكفر والضلال، كما أن رواياته هي من أكبر الأدلة على كذبه وبهتانه، وقد شهد علماء السنة بأنه أحد الكذابين المفترين.
قال الإمام أبو حنيفة: "ما رأيت أحدًا أكذب من جابر الجعفي". وقال ابن حبان: "كان سبئيًا من أصحاب عبد الله ابن سبأ، وكان يقول: "إن عليًا ﵇ يرجع إلى الدنيا". وقال جرير بن عبد الحميد: "لا أستحل أن أحدث عن جابر الجعفي"، وقال: "هو كذاب يؤمن بالرجعة". وقال زائدة: رافضي يشتم أصحاب رسول الله ﷺ (١) .
ومثل جابر الجعفي، زرارة بن أعين (ت١٥٠هـ)، وثقه شيوخهم كالطوسي (٢)، والنجاشي (٣)، وابن المطهر (٤)، وغيرهم (٥) . واعتبروه أحد الرجال الستة - من أصحاب أبي جعفر، وأبي عبد الله - الذين أجعمعت (٦) . العصابة على تصديقهم (٧)، وله روايات كثيرة في كتب الشيعة، كما أن له إخوة وأبناء شاركوا في ذلك (٨) . ولهذا قال الطوسي: "ولهم روايات كثيرة وأصول وتصانيف" (٩) .
وذكر الخوئي مجموع رواياته في كتبهم الأربعة فقال: "وقع بعنوان زرارة في إسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين وأربعة وتسعين موردًا، فقد روى عن أبي جعفر - ﵇ -، ورواياته عنه تبلغ ألفًا ومائتين وستة وثلاثين موردًا، وروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله - عليهما لسلام - ورواياته عنهما بهذا العنوان
_________________
(١) انظر: العقيلي/ الضعفاء الكبير: ١/١٩٦، ابن حبان/ المجروحين: ١/٢٠٨، ميزان الاعتدال: ١/٣٧٩
(٢) الفهرست: ص١٠٤، رجال الطوسي: ص ٢٠١، ٣٥٠
(٣) رجال النجاشي: ص ١٣٢، ١٣٣
(٤) رجال الحلي: ص ٧٦
(٥) انظر: الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ٢٠/١٩٦، الأردبيلي/ جامع الرواة: ١/٣٢٤
(٦) لاحظ استدلالهم بمبدأ الإجماع وهم لا يقولون به كما سيأتي في فصل الإجماع
(٧) انظر: معجم رجال الحديث: ٧/٢١٩
(٨) انظر: الفهرست للطوسي: ص ١٠٤
(٩) انظر: الفهرست للطوسي: ص ١٠٤
[ ١ / ٣٧٨ ]
تبلغ اثنين وثمانين موردًا، وروى عن أبي عبد الله - ﵇ - ورواياته عنه بهذا العنوان، وقد يعبر عنه بالصادق - ﵇ - تبلغ أربعمائة وتسعة وأربعين موردًا، وروى عن أحدهما ﵉ ورواياته عنهما بهذا العنوان تبلغ ستة وخمسين موردًا.." (١) .
هذا ما يقولون، ولكن يقول سفيان الثوري بأن زارة: "ما رأى أبا جعفر" (٢) . ويقول سفيان بن عيينة - حينما قيل له: روى زرارة بن أعين عن أبي جعفر كتابًا -: "ما هو ما رأى أبا جعفر ولكنه كان يتتبع حديثه" (٣) .
وقد جاء في ميزان الاعتدال أن زرارة نسب لجعفر الصادق علم أهل الجنة وأهل النار، وقال لابن السماك: إذا لقيته فاسأله هل أنا من أهل النار أم من أهل الجنة؟ ولما بلغ ذلك جعفرًا قال: أخبره أنه من أهل النار، فمن ادعى علي علم هذا فهو من أهلها (٤)، غير أن بعض آياتهم وشيوخهم في هذا العصر يقول: "لم نجد أثرًا مما نسبوه إلى كل من زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم، ومؤمن الطارق وأمثالهم، مع أنا قد استفرغنا الوسع والطاقة بالبحث عن ذلك وما هو إلا البغي والعدوان" (٥) .
فكأنه يشير إلى أنه لا أصل لما يذكر عن زرارة من ذم، وأن ذلك من عدوان الخصوم، وأنه بحث عن ذلك في مصادره واستفرغ الوسع في التقصي فلم يجد له أي أثر.. فهل هذا حق؟ لابد من الرجوع لمصادرهم المعتمدة في الرجال لأجل التثبت من صحة هذه الدعوى، لاسيما وأن عقيدة التقية هي شبهة تمنع الباحث من التصديق، وأولى ما يرجع إليه في هذا الشأن كتب الرجال المعتمدة عندهم.. ففي الفهرست للطوسي يتبين أن زرارة من أسرة نصرانية، إذ إن جده
_________________
(١) الخوئي/ معجم رجال الحديث: ٧/٢٤٧
(٢) انظر: لسان الميزان: ٢/٤٧٤
(٣) انظر: لسان الميزان: ٢/٤٧٤
(٤) انظر ميزان الاعتدال: ٢/٦٩-٧٠، لسان الميزان: ٢/٤٧٣-٤٧٤
(٥) الموسوي/ المراجعات: ص ٣١٣
[ ١ / ٣٧٩ ]
"سنسن" كان راهبًا في بلاد الروم، وكان أبوه عبدًا روميًا لرجل من بني شبيان" (١) .
ويبدو تأثير زرارة في مذهب الشيعة أشبه بتأثير ابن سبأ، بل قال أبو عبد الله: "ما أحدث أحد في الإسلام ما أحدث زرارة من البدع عليه لعنة الله" (٢) . وقال: ".. زرارة شر من اليهود والنصارى، ومن قال: إنّ مع الله ثالث ثلاثة" (٣) .
ونقل الكشي أن أبا عبد الله لعنه ثلاثًا (٤)، وقال: "إن الله نكس قلب زرارة.." (٥) . وذكر روايات أخرى في ذمه.
ولذلك كان زرارة - كما ينقل الكشي - يقول: "وأما جعفر فإن في قلبي عليه لفتة " وعلل لذلك راوي الخبر عن زرارة بقوله: "لأن أبا عبد الله أخرج مخازيه" (٦) . وقد بلغ تطاول زرارة على أبي عبد الله - كما في رجال الكشي- أن كذبه في قوله (٧) . وأساء في القول له (٨)، وكان يتعمد الكذب، ويصر على نسبته إليه، ففي رجال الكشي ".. عن محمد بن أبي عمير، قال: دخلت على أبي عبد الله - ﵇ - فقال: كيف تركت زرارة؟ قلت: تركته لا يصلى العصر حتى تغيب الشمس فقال: فأنت رسولي إليه فقل له: فليصل في مواقيت أصحابي فإني قد حرقت. قال: فأبلغته ذلك فقال (يعني زرارة): أنا والله أعلم أنك لم تكذب عليه،
_________________
(١) الطوسي/ الفهرست: ص ١٠٤، ابن النديم/ الفهرست ص ٢٢٠، والذي جاء في فهرست ابن النديم أنه اسم جده سنبس لا سنسن كما في فهرست الطوسي
(٢) رجال الكشي: ص ١٤٩
(٣) رجال الكشي: ص ١٦٠
(٤) السابق: ص ١٤٩-١٥٠
(٥) السابق: ص ١٦٠
(٦) السابق: ص ١٤٤-١٤٥
(٧) انظر: السابق: ص ١٥٨
(٨) حتى قال: سألت أبا عبد الله عن التشهد - إلى أن قال - فلما خرجت ضرطت في لحيته وقلت لا يفلح أبدًا. السابق: ص ١٥٩
[ ١ / ٣٨٠ ]
ولكن أمرني بشيء فأكره أن أدعه" (١) .
فهو يزعم أن جعفر الصادق هو الذي أمره إلا يصلي العصر حتى تغيب الشمس!! وجعفر بريء من هذا الافتراء.
فهذا هو زرارة كما تصفه كتب الشيعة نفسها، ومع ذلك يقول كبير شيوخهم في هذا العصر بأنه قد استفرغ الوسع والطاقة في البحث فلم يجد شيئًا في ذمه، فهل يخفى عليه ذلك أم أن في التقية متسعًا لأن يقول ما يشاء ولا أحد ينكر عليه؟!
وكيف يذهب شيوخ الشيعة إلى توثيق زرارة مع هذا التجريح، وهذا التكفير واللعن الذي صدر عن "المعصوم" في اعتقادهم.. والذي يتفق في روايته الكشي، وشيخ الطائفة الطوسي (٢) .؟
يجيب على ذلك شيخهم الحر العاملي فيقول: "روي أحاديث في ذمه (أي زرارة) ينبغي حملها على التقية، بل يتعين، وكذا ما ورد في حق أمثاله من أجلاء الإمامية" (٣)، ويحتجون لذلك بما يروونه عن محمد بن عبد الله بن زرارة وابنيه الحسن والحسين عن عبد الله بن زرارة، قال: قال لي أبو عبد الله (جعفر الصادق): "اقرأ على والدك السلام وقل له: إنما أعيبك دفاعًا مني عنك، فإن الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه، لإدخال الأذى فيمن نحبه ونقربه، فيذمونه لمحبتنا له وقربه ودنوه منا، ويرون إدخال الأذى عليه وقتله.." (٤) .
يحتجون بهذا ولا يلتفتون إلى أن رواية الابن مجروحة، لأنه يدافع عن أبيه،
_________________
(١) رجال الكشي: ص ١٤٣، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ٣/١١٣، الخوئي/ معجم رجال الحديث: ٧/٢٢٢
(٢) لأن رجال الكشي من تأليف الكشي، وتهذيب واختيارات الطوسي، والمتداول هو اختيارات الطوسي، لأن الأصل مفقود - كما مر -
(٣) وسائل الشيعة: ٢٠/١٩٦
(٤) رجال الكشي: ص ١٣٨، وسائل الشيعة: ٢٠/١٩٦، معجم رجال الحديث: ٧/٢٤٥
[ ١ / ٣٨١ ]
ثم لو كان ذلك الذم تقية لم يصل إلى هذا الحد من اللعن والتكفير، ثم إن جعفرًا كان في عصره محل الإجلال والتكريم فكيف يهان من يحبه ويقربه؟، وإذا كانت التقية من جعفر للدفاع عن زرارة فلماذا يفتري زرارة عليه بأنه أمره ألا يصلي العصر إلا بعد غروب الشمس ويكذبه، ويسيء إليه، فهل في هذا تقية؟!، ولذلك حاول شيخهم أن يتخلص من روايات ذم زرارة في كتبهم بحمل قسم منها على التقية (١) . والتخلص من القسم الآخر في الطعن في سنده.
وقد لحظت أن طعنه في بعض رجال تلك الروايات لا يستقيم مع ما جاء عنه في كتب الرجال عندهم فهو - مثلًا - قد ردّ روايات في ذم زرارة بحجة أن فيها جبرائيل بن أحمد هو - كما يقول - مجهول (٢)، في حين أنه ليس بمجهول عندهم، لأنه كما يقول الأردبيلي: كان مقيمًا بكش كثير الرواية عن العلماء بالعراق وقم وخراسان (٣) .
ثم إنه قام بالطعن في روايات الذم فقط وأهمل النظر في روايات المدح وهذا تحيز ظاهر.
ولكن شيوخهم يجرون هذا الحكم في كل رجل ذمه الأئمة وارتضى شيوخهم أخباره مثل أحمد بن محمد المروزي (٤)، وإسماعيل بن جابر الجعفي (٥)، وبريد بن معاوية العجلي (٦)، وحريز بن عبد الله السجستاني (٧) . وغيرهم.
_________________
(١) معجم رجال الحديث: ٧/٢٤٥
(٢) السابق: ٧/٢٤١
(٣) جامع الرواة: ١/١٤٦
(٤) قال الحر العاملي: روى الكشي وغيره فيه مدحًا وذمًا، ولعل وجه الذم يأتي في زرارة (أي حمل الذم على التقية) . (وسائل الشيعة: ٢٠/١٢٧، انظر: رجال الكشي: ص ٥٥٩-٥٦٢، جامع الرواة: ١/٤٨-٤٩)
(٥) قال الحر العاملي: "وفيه ذم يسير ضعيف السند والدلالة، ويأتي وجهه في زرارة" (وسائل الشيعة: ٢٠/١٣٩، وانظر رجال الكشي: ص ١٩٩)
(٦) قال الحر العاملي: "وجه من وجوه أصحابنا، ثقة فقيه، وعدّه الكشي من أصحاب الإجماع (أي ممن أجمعت الشيعة على تصحيح رواياتهم) وفيه بعض الذم يأتي الوجه في مثله في زرارة". (وسائل الشيعة: ٢٠/١٤٥-١٤٦، وانظر: رجال النجاشي: ص ٨٧، رجال الحلي: ص ٢٦-٢٧، جامع الرواة: ١/١١٧-١١٩، رجال الكشي: ص ١٤٨ "وفيه قال أبو عبد الله: لعن الله بريدًا")
(٧) قال الحر العاملي: "كوفى ثقة، وفيه مدح، وفيه ذم محمول على التقية لما يأتي في زرارة" (وسائل =
[ ١ / ٣٨٢ ]
ولاشك بأن أمر التقية في مثل هذه الحالات ليس بمؤكد، فكان أقل الأحوال أن يتوقف في هؤلاء، وإذا كان شيوخ الشيعة لم يقبلوا ما قيل في رواتهم من قبل أهل السنة، لأنهم خصوم - على حد زعمهم - فإنهم أيضًا لم يقبلوا ما ورد عن أئمتهم وادعو أنه صدر منهم مجاملة ومصانعة لأهل السنة.. فضاعت الحقيقة حينئذ، وقام مذهب الشيعة على أهواء الشيوخ، والرواة الكذبة.