حفلت كتب المقالات والفرق بذكر فرق الشيعة وطوائفهم (١)، فبعد وفاة كل إمام من الأئمة عند الشيعة تظهر فرق جديدة، وكل طائفة تذهب في تعيين الإمام مذهبًا خاصًا بها.. وتنفرد ببعض العقائد والآراء عن الطوائف الأخرى، وتدعي أنها هي الطائفة المحقة.
وهذا الاختلاف والتفرق كان محل شكوى وتذمر من الشيعة نفسها، قال أحد الشيعة لإمامه - كما في رجال الكشي -: "جعلني الله فداك، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ فقال: وأي الاختلاف؟. فقال: إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أشك في اختلافهم في حديثهم.. فقال: أبو عبد الله أجل هو كما ذكرت أن الناس أولعوا بالكذب علينا، وإني أحدث أحدهم بالحديث، فلا يخرج من عندي، حتى يتأوله على غير تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله، وإنما يطلبون الدنيا، وكل يحب أن يدعى رأسًا" (٢) .
فيدل هذا النص على أن حب الرياسة، ومتاع الدنيا الزائل كان وراء تشيع الكثيرين، وأن هؤلاء أولعوا بالكذب على آل البيت.. ولهذا كثر الخلاف والتفرق.
وقد ذكر المسعودي وهو شيعي (٣) . أن فرق الشيعة بلغت ثلاثًا وسبعين
_________________
(١) والملفت للنظر هو كثرة هذه الفرق، وتعددها بدرجة كبيرة حتى تكاد تنفرد الشيعة بهذه السمة، أو قل: بهذا البلاء
(٢) رجال الكشي: ص ١٣٥-١٣٦، بحار الأنوار: ٢/٢٤٦
(٣) علي بن الحسين بن علي المسعودي المؤرخ. قال ابن حجر: كتبه طافحة بأنه كان شيعيًا معتزليًا، ويعتبره الاثنا عشرية - في تراجمهم - من شيوخهم. توفي سنة (٣٤٦هـ)
[ ١ / ٩٠ ]
فرقة (١) . وكل فرقة تكفر الأخرى، ولهذا زعم الرافضي مير باقر الداماد (٢) . أن الفرق المذكورة في حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة (٣) . هي فرق الشيعة وأن الناجية منها هي طائفته الإمامية (٤)، وأما أهل السنة والمعتزلة وغيرهم من سائر الفرق فجعلهم من أمة الدعوة، أي ليسوا من أمة الإجابة، فهم في اعتقاده
_________________
(١) مروج الذهب: ٣/٢٢١، وانظر: الرازي/ اعتقادات فرق المسلمين: ص ٨٥
(٢) محمد باقر بن محمد الاسترابادي الشهير بداماد، من شيوخ الشيعة في الدولة الصفوية. توفي سنة (١٠٤٠هـ) مترجم له في: الكنى والألقاب: ٢/٢٠٦، المحبي/ خلاصة الأثر: ص ٣٠١، الحكيمي/ تاريخ العلماء: ص ٨٣
(٣) حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة هو كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: حديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد (الفتاوى ٣/٣٤٥ جمع عبد الرحمن بن قاسم) . وقال المقبلي: حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة رواياته كثيرة يشد بعضها بعضًا بحيث لا يبقى ريبة في حاصل معناها (العلم الشامخ: ص ٤١٤) . ويلحظ أن أحاديث افتراق الأمة: منها ما لا نص فيه على الهالك، وهذه قد أخرجها أكثر المحدثين منهم أصحاب السنن إلا النسائي وغيرهم، ومنها ما فيه بيان أن واحدة ناجية والباقين هلكى، وهذه لم يخرجها من أصحاب السنن إلا أبو داود في كتاب السنة رقم (٤٥٧٣) وأخرجها الدارمي: ٢/٢٤١، وأحمد: ٤/١٠٢، والحاكم: ١/١٢٨، والآجري في الشريعة: ص١٨. ومنها: ما يحكم بنجاة كل الفرق سوى واحدة وهي الزنادقة، وهذه قد حكم عليها علماء الحديث بأنها موضوعة. انظر: كشف الخفاء: ١/٣٦٩، والأسرار المرفوعة: ص ١٦١. وكما أخرج أهل السنة حديث افتراق الأمة، فقد رواه الشيعة أيضًا بلفظ: "إن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة تهلك إحدى وسبعون ويتخلص فرقة، قالوا: يا رسول الله، ومن تلك الفرقة؟ قال: الجماعة الجماعة الجماعة"، وبلفظ آخر: "إن أمتي ستفترق بعدي على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية، واثنتان وسبعون في النار" (انظر: ابن بابويه القمي/ الخصال: ٢/٥٨٤-٥٨٥) . وليس في رواياتهم هذا التصريح بأن هذه الفرق كلها من الشيعة، كما فيها تصريح بأن الناجية الجماعة وليست الشيعة
(٤) جمال الدين الأفغاني/ التعليقات على شروح الدّوّاني للعقائد العضدية (ضمن كتاب الأعمال الكاملة للأفغاني دراسة وتحقيق: محمد عمارة: ١/٢١٥)، وقد نسب رشيد رضا هذا الكتاب لمحمد عبده (تفسير المنار: ٨/٢٢١)، لكن حقق محمد عمارة أنه للأفغاني (انظر: محمد عمارة/ الأعمال الكاملة للأفغاني: ١/١٥٥-١٥٦، الأعمال الكاملة/ لمحمد عبده: ١/٢٠٩)
[ ١ / ٩١ ]
لم يدخلوا في الإسلام. وهذه المقالة قد قالها الشيعة من قبل وأشار إلى ذلك الشهرستاني (١)، والرازي (٢) .
وقد ورد في دائرة المعارف: أنه ظهر من فروع الفرق الشيعية ما يزيد كثيرًا عن الفرق الاثنين والسبعين فرقة المشهورة (٣)، بينما يذكر المقريزي أن فرق الشيعة بلغت ثلاثمائة فرقة (٤) .
ومرد هذا الاختلاف في الغالب هو اختلافهم حول الأئمة من آل البيت فيذهبون مذاهب شتى في أعيان الأئمة، وفي عددهم، وفي الوقف على أحدهم وانتظاره، أو المضي إلى آخر والقول بإمامته.. فضلًا عما تباينوا فيه من التفريع أو تنازعوا فيه من التأويل، ولهذا قال العلامة ابن خلدون بعدما ساق اختلافهم في تعيين الأئمة: "وهذا الاختلاف العظيم يدل على عدم النص" (٥) . أي يدل على أنهم ليسوا على شيء فيما ذهبوا إليه من دعوى أن الرسول ﷺ نص على عليّ والأئمة الآخرين.. إذ لو كان من عند الله لما كان هذا الاختلاف والتباين، ولكن لما وجدوا اختلافًا كثيرًا كان من أعظم الأدلة على عدم وجود نص صحيح، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٦) .
وأمر الإمامة عندهم هو أصل الدين، فلا يقبل فيها الخلاف، كما يقبل في الفروع. وقد عدّ شيخ الشيعة الزيدية في زمنه أحمد بن يحيى المترضى (٧) . (المتوفى سنة ٨٤٠هـ) اختلاف الشيعة عند موت كل إمام في القائم بعده أوضح
_________________
(١) الملل والنحل: ١/١٦٥
(٢) الرازي: اعتقادات فرق المسلمين: ص ٨٥
(٣) دائرة المعارف الإسلامية: ١٤/٦٧
(٤) الخطط: ٢/٣١٥
(٥) ابن خلدون/ لباب المحصل: ص ١٣٠
(٦) النساء، آية: ٨٢
(٧) وهو من كبار شيوخ الشيعة الزيدية حتى كانت مصنفاته الفقهية عمدة زيدية اليمن، ومن المنتسبين لأهل البيت. (انظر: الشوكاني/ البدر الطالع: ١/١٢٢)
[ ١ / ٩٢ ]
دليل على إبطال ما يدعون من النص (١) .
وإذا رجعنا إلى كتب الفرق - أو غيرها - التي ذكرت طوائف الشيعة، فإننا نجد بينها اختلافًا في الأصول التي انبثقت منها صنوف الفرق الشيعية الكثيرة والمختلفة، فالجاحظ يرى أن الشيعة فرقتان: الزيدية والرافضة: يقول: "اعلم رحمك الله أن الشيعة رجلان: زيدي، ورافضي، وبقيتهم بدد لا نظام لهم" (٢) . ويأخذ بهذا التقسيم شيخ الشيعة المفيد، ويقول: بأن الشيعة رجلان: إمامي، وزيدي (٣) .
أما الإمام الأشعري - ﵀ - فيجعل أصول فرق الشيعة ثلاث فرق: الغالية، والرافضة (الإمامية)، والزيدية. ويبلغ مجموع الفرق الشيعية عنده خمسًا وأربعين فرقة، حيث جعل الغالية خمس عشرة فرقة، والرافضة أربعًا وعشرين فرقة، والزيدية ست فرق (٤) . وهو يعتبر الاثني عشرية من فرق الرافضة (الإمامية) ويسميها بالقطعية، ويصفهم بأنهم جمهور الشيعة (٥) .
وقد سار على منهج الأشعري في تقسيم فرق الشيعة الرئيسة إلى ثلاث.. طائفة من كتاب الفرق وغيرهم مثل: الرازي حيث سماها زيدية، وإمامية، وكيسانية (٦) . ومثل الإسفرايني، وكذلك ابن المرتضى حيث قال: والشيعة ثلاث: زيدية، وإمامية، وباطنية (٧)، وشيخ الإسلام ابن تيمية الذي صنف الشيعة إلى ثلاث درجات، شرها الغالية، وهم الذين يجعلون لعلي شيئًا من الألوهية،
_________________
(١) المنية والأمل: ص ٢١
(٢) ثلاث رسائل للجاحظ (نشرها السندوبي) ص: ٢٤١. أو رسائل الجاحظ، رسالة استحقاق الإمامة ص ٢٠٧ (تحقيق عبد السلام هارون)
(٣) الإرشاد: ص ١٩٥
(٤) مقالات الإسلاميين: ١/٦٦، ٨٨، ١٤٠
(٥) المصدر السابق: ١ /٩٠
(٦) اعتقادات فرق المسلمين: ص ٧٧
(٧) المنية والأمل: ص ٢٠، وانظر المقدسي/ البدء والتاريخ: ٥/١٢٥
[ ١ / ٩٣ ]
أو يصفونه بالنبوة.. والدرجة الثانية وهم الرافضة.. والدرجة الثالثة المفضلة من الزيدية وغيرهم الذين يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر، ولكن يعتقدون إمامتهما وعدالتهما ويتولونهما (١) . وغير هؤلاء من أهل العلم بالفرق والمقالات (٢) .
أما عبد القاهر البغدادي فيرجع فرق الشيعة إلى أربع فرق: زيدية، وإمامية، وكيسانية، وغلاة، ويلقب الجميع بالرافضة (٣)، ويصل عدد فرق الشيعة عنده - باستثناء الفرق الغالية (٤) . - إلى عشرين فرقة (٥) . ويعتبر الاثني عشرية من فرق الإمامية، ويسميهم بالقطعية، كما يسميهم بالاثني عشرية (٦) . وإن كان قبل ذلك ذكر القطعية والاثني عشرية كاسمين لفرقتين مختلفتين من فرق الإمامية (٧) . لا فرقة واحدة (٨) .
أما الشهرستاني فيرى أن الشيعة فرق كثيرة، لأنه يقول: "لهم في تعدية الإمام كلام وخلاف كثير، وعند كل تعدية وتوقف: مقالة، ومذهب، وخبط" (٩) . ولكنه يرجعهم إلى خمس فرق: كيسانية، وزيدية، وإمامية، وغلاة، وإسماعيلية" (١٠) .
_________________
(١) ابن تيمية / التسعينية: ص ٤٠ ضمن مجموع فتاوى شيخ الإسلام، المجلد (٥) ط. كردستان ١٣٢٩هـ
(٢) انظر: زين العابدين بن يوسف الأسكوبي حيث قال: "أما الشيعة فهم اثنتان وعشرون فرقة، أصولهم ثلاث فرقة: غلاة، وزيدية، وإمامية" (الرد على الشيعة - الورقة ٩ "مخطوط")
(٣) الفرق بين الفرق: ص ٢١
(٤) حيث وصل عدد الغلاة عنده إلى عشرين فرقة (الفرق بين الفرق: ص ٢٣٢)
(٥) الفرق بين الفرق: ص ٢٣
(٦) المصدر السابق: ص ٦٤
(٧) المصدر السابق: ٥٣
(٨) ولهذا أشار محيي الدين عبد الحميد إلى أن سرد البغدادي في الفرق بين الفرق يدل على أن الاثني عشرية غير القطعية (هامش مقالات الإسلاميين: ١/٩٠) وفاته أن البغدادي نص على أن القطعية والاثني عشرية فرقة واحدة. (الفرق بين الفرق: ص ٦٤)
(٩) الملل والنحل: ١/١٤٧
(١٠) نفس الموضع من المصدر السابق
[ ١ / ٩٤ ]
أما صاحب الحور العين فيرجع الفرق الشيعية الكثيرة إلى ست فرق (١)، ويصل عدد فرق الشيعة عند ابن قتيبة إلى ثمان (٢) .
وأبو الحسين الملطي يرى أن الشيعة ثماني عشرة فرقة، ويلقبهم جميعًا بالرافضة (٣)، ويشايعه في هذا الرأي السكسكي في كتابه البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان (٤) . ولكن الغريب أن الملطي يسمي الاثني عشرية بالإسماعيلية (٥) .
وابن الجوزي يعتبر الشيعة اثنتي عشرة فرقة، ويسميها بالرافضة (٦)، ويوافقه على هذا التقسيم الإمام القرطبي (٧) .
والذي يلاحظ على إطلاق اسم الرافضة على كل فرق الشيعة هو أنه ينبغي استثناء الزيدية، أو بعبارة أدق استثناء الزيدية ما عدا فرقة الجارودية منها؛ لأن الجارودية سلكت مسلك الروافض، ولذلك فإن شيخ الشيعة المفيد اعتبر الجارودية هي الشيعة، وما عداها من فرق الزيدية، فليسوا بشيعة، وذلك لأن طائفة الجارودية هي التي تشاركه في أساس مذهبه في الرفض (٨) .
أما كتب الفرق عند الشيعة الاثني عشرية فإنها تأخذ بمنهج آخر في ذكر الفرق، فهي تذكر فرق الشيعة حسب الأئمة حيث تجد أن الشيعة تفترق إلى فرق كثيرة بعد وفاة كل إمام، وقد وصل عدد فرق الشيعة في المقالات والفرق
_________________
(١) الحور العين: ص ١٤٥
(٢) ابن قتيبة/ المعارف: ص ٦٢٢-٦٢٣
(٣) التنبيه والرد: ص ١٨
(٤) البرهان: ص ٣٦
(٥) انظر: التنبيه والرد: ص ٣٢-٣٣
(٦) تلبيس إبليس: ص ٣٢ تحقيق خير الدين علي
(٧) بيان الفرق/ الورقة ١ (مخطوط)
(٨) انظر: المفيد/ أوائل المقالات ص: ٣٩، وانظر عن الجارودية ص: (٤٢) من هذه الرسالة هامش رقم (٣)
[ ١ / ٩٥ ]
للقمي، وفرق الشيعة للنوبختي إلى ما يربو على ستين فرقة، ويلاحظ أن الاثني عشرية كانت عند النوبختي والقمي فرقة من أربع عشرة، أو خمس عشرة فرقة افترقت إليها الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري سنة (٢٦٠هـ) (١) .
أما كتب الرواية عندهم فإن الكليني في الكافي يذكر رواية تجعل فرق الشيعة ثلاث عشرة فرقة كلها في النار إلا واحدة (٢) .
هذا ودراسة نشأة الفرق الشيعية وتطورها يحتاج إلى بحث آخر، وهو أقرب إلى البحث التاريخي، فلا نستطرد في حكاية تفاصيله، ولكن من الملاحظ - كما سيأتي في عرض آراء وعقائد الاثني عشرية - أن طائفة الاثني عشرية قد استوعبت جل الآراء والعقائد التي قالت بها الفرق الشيعية الأخرى، وأنها كانت بمثابة النهر الذي انسكبت فيها كل الجداول والروافد الشيعية المختلفة، ودراسة هذه المسألة، دراسة مقارنة بين روايات الاثني عشرية وآراء الفرق الأخرى هو أيضًا يحتاج إلى دراسة مستقلة، وقد أشرت إلى بعض الوجوه في هذا الباب في رسالة الماجستير (٣) .
فهذه الفرق لم تفن - كما يقال - بل إن أكثرها باق، وهو يطل علينا خلال الفكر الاثني عشري. وقد انحصرت الفرق الشيعية المعاصرة بثلاث فرق، هي (٤):
١- الاثنا عشرية.
_________________
(١) انظر: النوبختي/ فرق الشيعة ص: ٩٦ حيث ذكر أن أصحاب الحسن العسكري افترقوا أربع عشرة فرقة بعد وفاته، بينما ذكر القمي أنهم خمس عشرة فرقة. (القمي/ المقالات والفرق: ص١٠٢)
(٢) أصول الكافي (المطبوع على هامش مرآة العقول): ٤/٣٤٤، وقد حكم المجلسي على هذه الرواية - حسب مقاييسهم - بأنها ترتقي إلى درجة الحسن. (مرآة العقول: ٤/٣٤٤)
(٣) انظر: فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة: ص ٣٤٦ وما بعدها
(٤) انظر: النشار/ نشأة الفكر الفلسفي: ٢/١٢، العاملي/ أعيان الشيعة: ١/٢٢، محمد مهدي شمس الدين/ نظام الحكم والإدارة في الإسلام: ص ٦١، هبة الدين الشهرستاني/ مقدمة فرق الشيعة: ص / كا
[ ١ / ٩٦ ]
٢- الإسماعيلية (١) .
٣-الزيدية (٢) .
_________________
(١) الإسماعيلية: وهم الذين قالوا: الإمام بعد جعفر إسماعيل بن جعفر، ثم قالوا بإمامة محمد بن إسماعيل بن جعفر، وأنكروا أمامة سائر ولد جعفر، ومن الإسماعيلية انبثق القرامطة والحشاشون والفاطميون والدروز وغيرهم، وللإسماعيلية فرق متعددة وألقاب كثيرة تختلف باختلاف البلدان، إذ لهم - كما يقول الشهرستاني - دعوة في كل زمان، ومقالة جديدة بكل لسان، وأما مذهبهم فهو كما يقول الغزالي وغيره: "إنه مذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض". أو كما يقول ابن الجوزي: "فمحصول قولهم تعطيل الصانع وإبطال النبوة والعبادات وإنكار البعث"، ولكنهم لا يظهرون هذا في أول أمرهم. ولهم مراتب في الدعوة، وحقيقة المذهب لا تعطى إلا لمن وصل إلى الدرجة الأخيرة، وقد اطلع على أحوالهم وكشف أستارهم جملة من أهل العلم كالبغدادي الذي اطلع على كتاب لهم يسمى: "السياسة والبلاغ الأكيد والناموس الأكبر" ورأى من خلاله أنهم دهرية زنادقة يتسترون بالتشيع، والحمادي اليماني الذي اندس بينهم وعرف حالهم وبين ذلك في كتابه: "كشف أسرار الباطنية"، وابن النديم الذي اطلع على "البلاغات السبعة" لهم وقرأ البلاغ السابع ورأى فيه أمرًا عظيمًا من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها.. وغيرهم، ولهم نشاطهم اليوم، كما لهم كتبهم السرية. قال أحدهم: "إن لنا كتبًا لا يقف على قراءتها غيرنا ولا يطلع على حقائقها سوانا" (مصطفى غالب/ الحركات الباطنية في الإسلام: ص ٦٧، وانظر: أبو حاتم الرازي الإسماعيلي/ الزينة: ص ٢٨٧ «ضمن كتاب الغلو والفرق الغالية»، الغزالي/ فضائح الباطنية: ص ٣٧ وما بعدها، الملل والنحل: ١/٦٧، ١٩١، البغدادي/ الفرق بين الفرق: ص٢٩٤، ٦٢١، ابن النديم/ الفهرست: ص ٢٦٧-٢٦٨، الملطي/ التنبيه والرد: ص ٢١٨، المقدسي/ البدء والتاريخ: ٥/١٢٤، الإسفرايني/ التبصير في الدين، ابن الجوزي/ تلبيس إبليس: ص ٩٩، وانظر: الإسماعيلية: إحسان إلهي ظهير)
(٢) الزيدية: وهم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (الملل والنحل: ١/١٥٤، مقدمة البحر الزخار: ص٤٠)، وسموا بالزيدية نسبة إليه (يحيى بن حمزة/ الرسالة الوازعة ص ٢٨، السمعاني/ الأنساب: ٦/٣٤٠)، وقد افترقوا عن الإمامية حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم فسموا رافضة.. وسمي من لم يرفضه من الشيعة زيدية لاتباعهم له وذلك في آخر خلافة هشام بن عبد الملك سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين (منهاج السنة: ١/٢١، الرسالة الوازعة: ص ٨٧-٨٨) والزيدية يوافقون المعتزلة في العقائد (انظر: المقبلي/ العلم الشامخ: ص ٣١٩، الملل والنحل: ١/١٦٢، الرازي/ المحصل: ص ٢٤٧) . والزيدية فرق: منهم من لم يحمل من الانتساب إلى زيد إلا الاسم فهم روافض في الحقيقة =
[ ١ / ٩٧ ]
وطائفة الاثني عشرية هي أكبر الطوائف اليوم، كما كانت تمثل أكثرية الشيعة وجمهورها في بعض فترات التاريخ. فقد وصفهم طائفة من علماء الفرق ب"جمهور الشيعة"، وممن نعتهم بهذا: الأشعري (١)، والمسعودي (٢)، وعبد الجبار الهمداني (٣)، وابن حزم (٤)، ونشوان الحميري (٥) . وهذه الأغلبية للاثني عشرية ليست في كل العصور إذ نلاحظ - مثلًا - أن ابن خلدون يقرر أن شيعة محمد بن الحنفية كانت أكثر شيعة أهل البيت (٦) . - أي: في عصرها - ثم لم تلبث أن تقلص أتباعها حتى اختفت، كذلك يقول البلخي - كما يحكي عنه صاحب الحور العين - أن الفطحية (٧) . أعظم فرق الجعفرية وأكثرهم جمعًا (٨) . - يعني في زمنه -.
_________________
(١) = يقولون: إن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غير علي، وهؤلاء الجارودية أتباع أبي الجارود - كما سبق -، ومنهم من يقترب من أهل السنة كثيرًا وهم أصحاب الحسن بن صالح بن حي الفقيه القائلون بأن الإمامة في ولد علي - ﵁ -، ويقول ابن حزم: "إن الثابت عن الحسن بن صالح هو أن الإمامة في جميع قريش، ويتولون جميع الصحابة إلا أنهم يفضلون عليًا على جميعهم". (انظر: ابن حزم/ الفصل: ٢/٢٦٦، وانظر في اعتدال الزيدية الحقة في مسألة الصحابة: ابن الوزير/ الروض الباسم ص ٤٩-٥٠، المقبلي/ العلم الشامخ: ص ٣٢٦) وانظر بحث عن الزيدية في: "فكرة التقريب" ص ١٤٦ وما بعدها
(٢) مقالات الإسلاميين: ١/٩٠
(٣) مروج الذهب: ٤/١٩٩
(٤) المغني جالقسم الثاني ص ١٧٦
(٥) الفصل: ٥/٣٨، ٤/١٥٨
(٦) الحور العين: ص ١٦٦
(٧) تاريخ ابن خلدون: ٣/١٧٢
(٨) وهم أتباع عبد الله بن جعفر بن محمد الصادق، وهو أكبر أولاد الصادق، وسموا الفطحية؛ لأن عبد الله كان أفطح الرأس، كما يدعون بالعمارية نسبة إلى رئيس لهم يعرف بعمار، وقد قال النوبختي بأنه مال إلى هذه الفرقة جل مشايخ الشيعة وفقهائها، ولكن عبد الله لم يعش بعد وفاة أبيه سوى سبعين يومًا فرجعوا عن القول بإمامته. (انظر: مسائل الإمامة ص ٤٦، فرق الشيعة للنوبختي ص ٧٧-٧٨، مقالات الإسلاميين ١/١٠٢، الحور العين ص ١٦٣-١٦٤) . قال صاحب الزينة (أبو حاتم الرازي الإسماعيلي المتوفى سنة٣٢٢هـ): وقد انقرضت هذه الفرقة فليس أحد يقول بهذا القول، وعاش عبد الله بعد أبيه سبعين يومًا ولم يخلف ذكرًا (الزينة: ص٢٨٧) . ولعل هذا من أسباب انقراضها، وقد بقيت روايات أتباع هذا المذهب مدونة في كتب الاثني عشرية المعتمدة، كما سيأتي في فصل السنة
(٩) الحور العين: ص ١٦٤
[ ١ / ٩٨ ]