فالسنة عندهم هي: "كل ما يصدر عن المعصوم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ" (١)، ومن لا يعرف طبيعة مذهبهم لا يلمح مدى مجانبتهم للسنة في هذا القول؛ إذ إن المعصوم هو رسول الله ﷺ؛ ولكن الشيعة تعطي صفة العصمة لآخرين غير رسول الله ﷺ، وتجعل كلامهم مثل كلام الله وكلام رسوله، وهم الأئمة الاثنا عشر، لا فرق عندهم في هذا بين هؤلاء الاثني عشر وبين من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
فهم "ليسوا من قبيل الرواة عن النبي والمحدثين عنه، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية؛ بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبي لتبليغ الأحكام الواقعية، فلا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي" (٢) .
ولا فرق في كلام هؤلاء الاثني عشر بين سن الطفولة، وسن النضج العقلي؛ إذ إنهم - في نظرهم - لا يخطئون عمدًا ولا سهوًا ولا نسيانًا طوال حياتهم - كما سيأتي في مسألة العصمة -، ولهاذ قال أحد شيوخهم المعاصرين: "إن الاعتقاد بعصمة الأئمة جعل الأحاديث التي تصدر عنهم صحيحة دون أن يشترطوا إيصال سندها إلى النبي ﷺ كما هو الحال عند أهل السنة" (٣)، ذلك إن الإمامة عندهم "استمرار للنبوة" (٤)، وأن الأئمة كالرسل "قولهم قول الله وأمرهم أمر الله وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله وإنهم لم ينطقوا إلا عن الله تعالى وعن وحيه" (٥) .
وقد جاء في الكافي ما يعدونه حجة لهم في هذا المذهب وهو قول
_________________
(١) محمد تقي الحكيم/ الأصول العامة للفقه المقارن ص: ١٢٢
(٢) المظفر/ أصول الفقه المقارن: ٣/٥١، وانظر: السالوس/ أثر الإمامة ص٢٧٤
(٣) عبد الله فياض/ تاريخ الإمامية ص: ١٤٠
(٤) محمد رضا المظفر/ عقائد الإمامية ص: ١٦٦
(٥) ابن بابويه/ الاعتقادات ص: ١٠٦
[ ١ / ٣٠٨ ]
أبي عبد الله - كما يزعم صاحب الكافي - "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله ﷺ، وحديث رسول الله قول الله ﷿" (١) .
وذكر شارح الكافي أن هذا القول يدل على "أن حديث كل واحد من الأئمة الظاهرين قول الله ﷿، ولا اختلاف في أقوالهم كما لا اختلاف في قوله تعالى" (٢) .
بل قال: "يجوز من سمع حديثًا عن أبي عبد الله - ﵁ - أن يرويه عن أبيه أو عن أحد من أجداده، بل يجوز أن يقول: قال الله تعالى" (٣)، وهذا صريح في جواز نسبة أقوال البشر إلى الله سبحانه. ثم ذكر أن بعض رواياتهم تدل على جواز ذلك بل أولويته (٤)، كما جاء في الكافي عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله - ﵁ -: الحديث أسمعه منك أرويه عن أبيك أو أسمعه عن أبيك أرويه عنك؟ قال: سواء، إلا أنك ترويه عن أبي أحب إليّ. وقال أبو عبد الله - ﵁ - لجميل: ما سمعت مني فاروه عن أبي" (٥) .
هذه الروايات صريحة في استساغتهم الكذب البواح الصراح حيث ينسبون - مثلًا - لأمير المؤمنين علي - ﵁ - ما لم يقله، بل قاله بعض أحفاده ممن لم يشتهر عنه العلم، وحتى ما ينسب لمنتظره من أقوال يجوز نسبتها إلى أمير المؤمنين علي؛ بل النسبة إلى الأعلى أولى كما يدل عليه صريح الرواية السابقة،
_________________
(١) أصول الكافي، كتاب فضل العلم، باب رواية الكتب والحديث: ١/٥٣، وسائل الشيعة: ١٨/٥٨
(٢) المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) ٢/٢٧٢
(٣) المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) ٢/٢٧٢
(٤) المازندراني/ شرح جامع (على الكافي) ٢/٢٧٢
(٥) أصول الكافي (مع شرح جامع): ٢/٢٥٩
[ ١ / ٣٠٩ ]
وقد أخذ من ذلك شارح الكافي أولوية نسبة أقوال الأئمة إلى الله ﷿، وهذا في غاية الجرأة على الله ﷿، فالسنة عندهم ليست سنة النبي فحسب؛ بل سنة الأئمة، وأقوال هؤلاء الأئمة كأقوال الله ورسوله، ولهذا اعترفوا بأن هذا مما ألحقته الشيعة بالسنة المطهرة، قالوا: "وألحق الشيعة الإمامية كل ما يصدر عن أئمتهم الاثني عشر من قول أو فعل أو تقرير بالسنة الشريفة" (١) .
وهم يقولون بهذا القول من منطلقين خطيرين، وقاعدتين أساسيتين عندهم في هذه المسألة. وقد أشار أحد شيوخهم المعاصرين إليهما حينما ذكر أن قول الإمام عندهم يجري مجرى قول النبي، من كونه حجة على العباد واجب الاتباع، وأنهم لا يحكمون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي.
فبين أن ذلك يتحقق لهم من طريقين "من طريق الإلهام كالنبي من طريق الوحي، أو من طريق التلقي عن المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين - ﵇ -: "علمني رسول الله ﷺ ألف باب من العلم ينفتح لي من كل باب ألف باب" (٢)، فعلم الأئمة نوعان: علم حادث وهذا يتحقق عن طريق الإلهام وغيره، وعلم مستودع عندهم ورثوه عن الرسول ﷺ، والكل يعتبر من السنة.
وفيما يلي توضيح لهذين الأصلين الخطيرين عند الشيعة: