في الأحداث التاريخية في صدر الإسلام وردت لفظ الشيعة بمعناها اللغوي الصرف، وهو المناصرة والمتابعة، بل إننا نجد في وثيقة التحكيم بين الخليفة علي، ومعاوية - ﵄ - ورود لفظ الشيعة بهذا المعنى، حيث أطلق على أتباع علي شيعة، كما أطلق على أتباع معاوية شيعة، ولم يختص لفظ الشيعة بأتباع عليّ.
ومما جاء في صحيفة التحكيم: "هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وشيعتهما.. (ومنها): وأن عليًا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص.. (ومنها): فإذا توفي أحد الحكمين فلشيعته وأنصاره أن يختاروا مكانه. (ومنها): وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدود في هذه القضية فلشيعته أن يختاروا مكانه رجلًا يرضون عدله" (٣) .
وقال حكيم بن أفلح - ﵁ -: "لأني نهيتها - يعني عائشة - أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا" (٤) . وقد أورد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا النص، ليأخذ منه دلالة تاريخية على عدم اختصاص عليّ باسم الشيعة في ذلك الوقت (٥) .
_________________
(١) البحراني/ تفسير البرهان: ١/٢٦
(٢) أصول الكافي: ١/٤٣٧
(٣) الدينوري/ الأخبار الطوال ص: ١٩٤-١٩٦، وانظر: تاريخ الطبري: ٥/٥٣ - ٥٤، محمد حميد الله/ مجموعة الوثائق السياسية ص: ٢٨١-٢٨٢
(٤) هذا جزء من حديث طويل في صحيح مسلم في باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض: ٢/١٦٨-١٧٠
(٥) انظر: منهاج السنة: ٢/٦٧ (تحقيق د. محمد رشاد سالم)
[ ١ / ٣٨ ]
وجاء في التاريخ أن معاوية قال لبسر بن أرطأة حين وجهه إلى اليمن:
"امض حتى تأتي صنعاء فإن لنا بها شيعة" (١) .؛ فإذن لم يظهر مصطلح الشيعة دلالة على أتباع عليّ فحسب حتى ذلك الوقت.
ويبدو أن بدء التجمع الفعلي لمن يدعون التشيع، وابتداء التميز بهذا الاسم بدأ بعد مقتل الحسين. يقول المسعودي: وفي سنة خمس وستين تحركت الشيعة في الكوفة (٢) . وتكونت حركة التوابين، ثم حركة المحتار (الكيسانية) وبدأت الشيعة تتكون وتضع أصول مذهبها.. وأخذت تتميز بهذا الاسم.
من هنا يتضح أن اسم الشيعة كان لقبًا يطلق على أية مجموعة تلتف حول قائدها، وإن كان بعض الشيعة يحاول أن يتجاهل الحقائق التاريخية ويدعي بأن الشيعة "هم أول من سموا باسم التشيع من هذه الأمة" (٣)، ويتناسى بأن معاوية أطلق أيضًا على أتباعه كلمة الشيعة، ولكن الوقائع التاريخية تقول بأن لقب الشيعة لم يختص إطلاقه على أتباع عليّ إلا بعد مقتل عليّ - ﵁ - كما يرى البعض (٤)، أو بعد مقتل الحسين كما يرى آخرون (٥) .
_________________
(١) تاريخ اليعقوبي: ٢/١٩٧
(٢) مروج الذهب: ٣/١٠٠
(٣) القمي/ المقالات والفرق ص: ١٥، النوبختي/ فرق الشيعة ص: ١٨
(٤) محمد أبو زهرة/ الميراث عند الجعفرية ص: ٢٢
(٥) علي سامي النشار/ نشأة الفكر الفلسفي: ٢/٣٥
[ ١ / ٣٩ ]