ومادة شيع وردت في كتاب الله العظيم في اثني عشر موضعًا (٤)، وقد أجمل ابن الجوزي (٥) . معانيها بقوله: "وذكر أهل التفسير أن الشيع في القرآن على أربعة أوجه:
_________________
(١) منهاج السنة: ١/٧-٨ تحقيق د. محمد رشاد السالم، وانظر: عبد الجبار الهمداني/ تثبيت دلائل النبوة: ١/٦٣. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد روي عن علي من نحو ثمانين وجهًا أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ورواه البخاري وغيره. انظر: منهاج السنة: ٤/١٣٧، وقد جاء ذلك في كتب الشيعة أيضًا. انظر: تلخيص الشافي: ٢/٤٢٨ عن إحسان إلهي ظهير: الشيعة أهل البيت ص: ٥٢
(٢) انظر - مثلًا - الملطي/ التنبيه والرد: ص١٨، البغدادي/ الفرق بين الفرق ص: ٢١، الإسفراييني/ التبصير في الدين ص ١٦، السكسكي/ البرهان ص ٣٦، وانظر الفرماني/ رسالة في بيان مذاهب بعض الفرق الضالة: الورقة ٢ أ (مخطوط)، أبو الحسن العراقي/ ذكر الفرق الضوال: الورقة ١٢ أ (مخطوط)
(٣) التحفة الاثنا عشرية: ص ٢٥-٢٦ (مخطوط)
(٤) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن ص ١٨
(٥) أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي التيمي البغدادي، المعروف بابن الجوزي، =
[ ١ / ٣٢ ]
أحدها: الفرق، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾ (١) . وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأَوَّلِينَ﴾ (٢) . وقوله: ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (٣) . وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ (٤) .
والثاني: الأهل والنسب، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ (٥) . أراد من أهله في النسب إلى بني إسرائيل.
والثالث: أهل الملة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ (٧)، وقوله: ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم﴾ (٨) . وقوله: ﴿إِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾ (٩) .
والرابع: الأهواء المختلفة، قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا﴾ (١٠) ." (١١) .
_________________
(١) = صاحب التصانيف الكثيرة في التفسير والحديث والفقه وغيرها، منها: جامع المسانيد، والمنتظم وغيرهما، توفي عام ٥٩٧هـ. انظر: ابن العماد/ شذرات الذهب: ٤/٣٢٩، اليافعي/ مرآة الجنان: ٣/٤٨٩ -٤٩٢، معجم المؤلفين: ٥/١٥٧
(٢) الأنعام، آية: ١٥٩
(٣) الحجر، آية: ١
(٤) القصص، آية: ٤، قال ابن جرير الطبري ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ يعني بالشيع: الفرق، تفسير الطبري: ٢٠/٢٧، وانظر أبو عبيدة/ مجاز القرآن: ١/١٩٤
(٥) الروم، آية: ٦٩
(٦) القصص، آية: ١٥، قال ابن قتيبة: ومعنى ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ﴾ أي: من أصحابه بني إسرائيل (تفسير غريب القرآن ص٣٢٩)، وانظر: أبو حيان/ تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب ص: ١٥٣
(٧) مريم، آية: ٦٩
(٨) القمر، آية: ٥١
(٩) سبأ، آية: ٥٤
(١٠) الصافات، آية: ٨٣
(١١) الأنعام، آية: ٦٥
(١٢) ابن الجوزي/ نزهة الأعين النواظر: ٣٧٦-٣٧٧، وزاد الدامغاني وجهًا خامسًا وهو: الشيع والإشاعة، واستشهد لهذا بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني أن تفشو الفاحشة، كما أن ابن الجوزي ذكر في الوجه الثاني أن من معاني الشيع الأهل والنسب، واستشهد لها بقوله سبحانه: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾، بينما نجد الدامغاني ذكر أن من معاني الشيعة: الجيش، واستدل لذلك بنفس الآية. وقد اتفقا فيما سوى ذلك من معاني التشيع. (انظر: الدامغاني / قاموس القرآن ص ٢٧١، تحقيق عبد العزيز الأهل)
[ ١ / ٣٣ ]
ويشير ابن القيم (١) - ﵀ - في نص مهم له إلى أن لفظ الشيعة والأشياع غالبًا ما يستعمل في الذم، ويقول: ولعله لم يرد في القرآن إلا كذلك، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا﴾، وقوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ﴾ . ويعلل ابن القيم لذلك بقوله: "وذلك والله أعلم لما في لفظ الشيعة من الشياع، والإشاعة التي هي ضد الائتلاف والاجتماع، ولهذا لا يطلق لفظ الشيع إلا على فرق الضلال لتفرقهم واختلافهم" (٢) .
هذه ألفاظ الشيعة في كتاب الله ومعانيها، وهي لا تدل على الاتجاه الشيعي المعروف، وهذا أمر يدرك بداهة، ولكن الغريب في الأمر أن نجد عند الشيعة اتجاهًا يحاول ما وسعته المحاولة أو الحيلة أن يفسر بعض ألفاظ الشيعة الواردة في كتاب الله بطائفته، ويؤول كتاب الله على غير تأويله، ويحمل الآيات ما لا تحتمل تحريفًا لكتاب الله وإلحادًا فيه، فقد جاء في أحاديثهم في تفسير قوله سبحانه: ﴿إِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾ (٣) . قالوا: أي إن إبراهيم من شيعة علي (٤)، وهذا مخالف لسياق القرآن، وأصول الإسلام، وهو نابع عن عقيدة غلاة الروافض الذين يفضلون الأئمة على الأنبياء (٥)، فهذا التأويل أو التحريف يجعل خليل الرحمن أفضل الرسل
_________________
(١) محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي الدمشقي، المعروف بابن قيم الجوزية، توفي سنة ٧٥١هـ، وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، منها: إعلام الموقعين، وزاد المعاد
(٢) بدائع الفوائد: ١/١٥٥. وهذا في الغالب لأنه ورد في القرآن: ﴿إِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾
(٣) الصافات، آية: ٨٣
(٤) البحراني/ تفسير البرهان: ٤/٢٠، وانظر: تفسير القمي: ٢/٣٢٣، المجلسي/ بحار الأنوار: ٦٨/١٢-١٣، عباس القمي/ سفينة البحار: ١/٧٣٢، البحراني/ المعالم الزلفى ص: ٣٠٤، الطريحي/ مجمع البحرين: ٢/٣٥٦، وقد نسبوا هذا التفسير - كذبًا وافتراءً - إلى جعفر الصادق، ودينه وعلمه ينفيان ذلك
(٥) انظر: البغدادي/ أصول الدين ص: ٢٩٨، القاضي عياض/ الشفاء ص: ٢٩٠، ابن تيمية/ منهاج السنة: ١/١٧٧
[ ١ / ٣٤ ]
والأنبياء بعد محمد ﷺ، يجعله من شيعة علي وهو أمر يعرف بطلانه من الإسلام بالضرورة، كما هو باطل بالعقل، والتاريخ.. وهو من وَضع وضَّاع لا يحسن الوضع.. ولا يعرف كيف يضع.
والذي قاله أهل السنة في تفسير الآية والمنقول عن السلف أن إبراهيم من شيعة نوح ﵇ وعلى منهاجه وسنته (١) . وهذا التفسير هو الذي يتمشى مع سياق الآية (٢)، لأن الآيات التي قبل هذه الآية كانت في نوح ﵇، ويلاحظ أن مفسري الشيعة من أخذ بقول أهل السنة، وأعرض عما قاله قومه في تأويل الآية (٣) .