وقبل أن نأخذ بيد القارئ في رحلة تبدأ من نقطة الصفر من أول كتاب وضعه الشيعة وألفوه، نعرض لصوتين مختلفتين ومتعارضين، هذان الصوتان المتعارضان كان لهما - في الغالب - وجود وصدى في كل الكتب الشيعية التي تعرضت لهذه القضية، فلنستمع إليهما ليتسنى إدراك وتصور هذه المسألة عند هؤلاء حتى لا يحصل غبش في تصورها في رحلة قد تطول مراحلها بين محطات الكتب الشيعية المختلفة.
يقول شيخ الشيعة في زمنه ابن بابويه القمي (ت٣٨١هـ) صاحب من لا يحضره الفقيه.. وهو واحد من أهم كتبهم الأربعة المعتمدة في الحديث، يقول: "اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد وهو ما بين الدفتين
_________________
(١) القاسمي/ تاريخ الجهمية والمعتزلة: ص ٢٢
(٢) النساء، آية: ٥٨
(٣) المائدة، آية: ٨
[ ١ / ٢١٨ ]
وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك.. ومن نسب إلينا أنا نقول أكثر من ذلك فهو كاذب" (١) .
هذا قول شيخهم الملقب عندهم بالصدوق، ويشايعه في قوله هذا آخرون من شيعته. ويقول المفيد (ت٤١٣هـ): "إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ﷺ باختلاف القرآن وما أحدثه بعض الطاعنين فيه من الحذف والنقصان" (٢) . ويقول: "واتفقوا - أي الإمامية - على أن أئمة الضلال (٣) . خالفوا في كثير من تأليف القرآن وعدلوا فيه عن موجب التنزيل وسنة النبي ﷺ" (٤) . ويقول بما قاله مفيدهم - الذي يلقبونه بركن الإسلام وآية الله الملك العلام - طائفة من شيوخهم.
هذان قولان مختلفان ومتعارضان صدرا من شيخين من شيوخهم يجمعهما وحدة الزمان والمكان، ويتفقان في الهوية المذهبية، بل إن هذا المفيد هو تلميذ لابن بابويه القمي. فمن نصدق منهما؟ وأي القولين يعبر عن مذهب الشيعة؟ ونجد أن تلميذين من تلامذة المفيد ومن أكبر شيوخ الشيعة - وهما الطوسي، وابن المرتضى - يقولان بما قاله ابن بابويه وأن مذهب أهل التحقيق من الشيعة إنكار هذه الفرية - كما سيأتي -، وكل قول من هذين القولين يؤيده جناح من الشيعة، بل يدعي حينًا أن لا قول للشيعة سواه وغيره افتراء على الشيعة وكذب.. والتعرف على الحقيقة وسط هذا الركام من الأقوال المتعارضة والمتناقضة ليس بسهل المنال..
وإذا لاحظنا أن من أركان الدين عند هؤلاء «التقية» ولادين لمن لا تقية له؛ أدركنا أن الحقيقة محجوبة بغيوم من الكذب والتزوير، وركام من التناقضات والتعارضات،
_________________
(١) الاعتقادات: ص ١٠١-١٠٢
(٢) أوائل المقالات: ص ٥٤
(٣) يعني بهم كبار صحابة رسول ﷺ الذين ﵁ ورضوا عنه، وعلى رأسهم الخلفاء الثلاثة قبل علي ﵃
(٤) أوائل المقالات: ص ١٣
[ ١ / ٢١٩ ]
وعقبات من التقية والكتمان.. ولهذا سنرى في مبحث التقية أن الحقيقة التي تعبر عن مذهب الأئمة قد تخفى على شيوخ الشيعة أنفسهم فلا يعلمون أي القولين تقية، فكان هذا من أسباب ضياع مذهب الأئمة واستمرار الغلو.
ولهذا سنبدأ بدراسة هذه القضية من بدايتها، والتحري في صدق الأقوال من تقيتها، بتحليل الأقوال ومقارنتها مما صدر عن صاحبها في كتبه الأخرى، وأسأل الله سبحانه أن يعصمنا من اتهام الآخرين بما ليس فيهم، وأن يجنبنا مواضع الزلل في أقوالنا وأحكامنا.
وسنتناول هذه القضية الخطيرة التي يترتب على رمي الشيعة بها انفصالها عن المسلمين لمفارقتها للأصل الذي يتفقون عليه - سنتناولها فيما يلي وفق التصوير التالي:
أقوم أولًا بتتبع الكتب التي شاركت في وضع هذا الكفر بين الشيعة، وأعرض لها، وأتوقف في أول الأمر لدراسة أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية، ومن الذي وضعه، ورأى شيوخ الشيعة فيه؛ لما في ذلك من أهمية في بيان جذور هذا البلاء، واكتشاف الأيدي السبئية التي شاركت في هذه الجريمة، ثم نتحدث كيف امتدت منه إلى سائر كتب الشيعة.
وبعد ذلك نعرض لمضامين هذه الكتب ونصوصها المتصلة بقضية التحريف، وحجمها ووزنها عندهم، وما يقولونه في مصحف علي، وما يقال بأن عندهم مصحفًا سريًا يتداولونه فيما بينهم، وإنكار جملة من شيوخ الشيعة لهذا الكفر، وهل هذا الإنكار تقية أو حقيقة. كل ذلك نعرض له من كتب الشيعة نفسها، إلا ما جاء عرضًا في مناقشة بعض المسائل، وإن رأيت شيئًا من الإطالة في هذا المبحث فللخطورة الكبرى له، واختلاف الناس حول رمي الشيعة به - كما سلف الإشارة إلى ذلك -.
[ ١ / ٢٢٠ ]
بداية الافتراء كما يؤخذ من كتب الشيعة:
أول كتاب تسجل فيه هذه الفرية هو: "كتاب سليم بن قيس (١) . الذي رواه عنه أبان بن أبي عياش (٢)، لم يروه عنه غيره (٣)، وهو: "أول كتاب ظهر للشيعة" كما يقول ابن النديم (٤) . وغيره.
وقد أكثر الشيعة من مدحه وتوثيقه والثناء على كتابه (٥) . رغم أنني لم أجد
_________________
(١) تقول كتب الشيعة: "سليم بن قيس الهلالي يكنى أبا صادق، كان من أصحاب أمير المؤمنين وكان هاربًا من الحجاج لأنه طلبه ليقتله ولجأ إلى أبان بن أبي عياش فأواه، فلما حضرته الوفاة أعطاه (سليم) كتابًا وهو كتاب سليم بن قيس. توفي سنة (٩٠هـ) ". (البرقي/ الرجال: ص ٣-٤، الطوسي/ الفهرست: ص ١١١، الأردبيلي/ جامع الرواة: ١/٣٧٤، رجال الكشي: ص ١٦٧، رجال الحلي: ص ٨٢، ٨٣)
(٢) أبان بن أبي عياش فيروز أبو إسماعيل، قال الإمام أحمد: متروك الحديث ترك الناس حديثه منذ دهر، وقال: لا يكتب حديثه كان منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال ابن المديني: كان ضعيفًا، وقال شعبة: ابن أبي عياش كان يكذب في الحديث. توفي سنة (١٣٨هـ) . (انظر: تهذيب التهذيب: ١/٩٧-١٠١، العقيلي/ الضعفاء: ١/٣٨-٤١، ابن أبي حاتم/ الجرح والتعديل: ٢/٢٩٥-٢٩٦) هذا بعض ما قاله أئمة أهل السنة، وفي كتب الشيعة. يقول ابن المطهر الحلي: أبان بن أبي عياش ضعيف جدًا، وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه، ومثل ذلك قال الأردبيلي (انظر: رجال الحلي: ص ٢٠٦، جامع الرواة: ١/٩)
(٣) انظر: الفهرست: ص ٢١٩، الخوانساري/ روضات الجنات: ٤/٦٧، رجال الحلي: ص٨٣، الأردبيلي/ جامع الرواة: ١/٣٧٤، البروجردي/ البرهان: ص١٠٤
(٤) الفهرست: ص ٢١٩، وانظر: الذريعة: ٢/١٥٢
(٥) يروون عن أبي عبد الله أنه قال فيه: "من لم يكن عنده من شيعتنا ومحبينا كتاب سليم ابن قيس الهلالي فليس عنده من أمرنا شيء ولا يعلم من أسبابنا شيئًا، وهو أبجد الشيعة وهو سر من أسرار آل محمد صلى الله عليه وآله" مقدمة كتاب سليم بن قيس ص: ٤، أغا بزرك الطهراني/ الذريعة: ٢/١٥٢، وانظر: هامش وسائل الشيعة: ٢/٤٢ رقم (٤) . وقال النعماني: "وليس بين جميع الشيعة ممن حمل العلم ورواه عن الأئمة - ﵈ - خلاف في أن كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواه أهل العلم وحملة حديث أهل البيت - ﵈ وأقدمها، لأن جميع ما اشتمل عليه الأصل إنما هو عن رسول الله - ﵌ - وأمير المؤمنين، والمقداد، وسلمان الفارسي، =
[ ١ / ٢٢١ ]
لمؤلفه ذكرًا فيما رجعت إليه من مصادر (١)، ولو صدق بعض ما تذكره الشيعة فيه لكان شيئًا مذكورًا، ولكنه لم يذكر إلا في كتب الشيعة وحدها، بل إن من متقدمي الشيعة من قال: "إن سليمًا لا يعرف ولا ذكر في خبر" (٢) . وإن كان هذا ليس بمرضي عند متأخري الشيعة. ورغم أن الكتاب يحمل أخطر آراء السبئية وهو تأليه علي ووصفه بأوصاف لا يوصف بها إلا رب العالمين (٣) . فإن كل ذلك لم يحد من مبالغات الشيعة في مدحه وتوثيقه في روايات ينسبونها لآل البيت،
_________________
(١) = وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين ﵇ وسمع منهما، وهو من الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعول عليها". (انظر: النعماني/ الغيبية ص ٦١ط. الأعلمي بيروت، وص٤٧ ط. إيران، وانظر: وسائل الشيعة: ٢٠-٢١٠) . وقال المجلسي: "وهو أصل من أصول الشيعة وأقدم كتاب صنف في الإسلام"، ثم أورد المجلسي أربع روايات لهم تفيد أن عليًا ابن الحسين - برأه الله مما يفترون - قرئ عليه الكتاب وقال: "صدق سليم" (بحار الأنوار: ١/١٥٦-١٥٨، وانظر في بعض الروايات التي أشرنا إليها: رجال الكشي: ص ١٠٤-١٠٥)
(٢) رجعت في البحث عنه إلى مصادر كثيرة من كتب أهل السنة فلم أجد له ذكرًا، فلم أجده مثلًا في تاريخ الطبري كما يظهر ذلك من خلال فهرس الأعلام الذي وضعه أبو الفضل إبراهيم، وكذلك تاريخ ابن الأثير كما يبدو من فهارسه التي وضعها إحسان عباس (أو سيف الدين الكاتب) وليس له ذكر في شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي، والبداية والنهاية لابن كثير، وطبقات ابن سعد، ولا في مجموعة من كتب الرجال مثل: لسان الميزان، أو التاريخ الكبير والصغير للبخاري، أو تهذيب الكمال للمزي.. إلخ مع أنه مؤلف أول كتاب في الإسلام، ولاحقه الحجاج لقتله.. إلخ فمن برز في هذين الاتجاهين الفكري، والسياسي يستبعد أن ينسى، ونسيانه دليل على أن ما تقوله الشيعة عنه مجرد دعوى، فقد يكون شخصية خيالية، أو نكرة من النكرات
(٣) رجال الحلي: ص٨٣
(٤) جاء في بعض روايات الكتاب مخاطبة علي هذه الألقاب: "يا أول، يا آخر، يا ظاهر، يا باطن، يا من هو بكل شيء عليم"، ويقول: "إن هذا الوصف صدر من الشمس لعلي وأنه سمعه أبو بكر وعمر والمهاجرون والأنصار فصعقوا ثم أفاقوا بعد ساعات" (كتاب سليم بن قيس ص ٣٨ ط: الأعلمي، وص ٣١-٣٢ ط: النجف)، وهذه الأوصاف هي آثار السبئية التي تؤله =
[ ١ / ٢٢٢ ]
وأقوال صدرت من كبار شيوخهم (١) . حتى اعتبروه أصلًا من أصول آل محمد وسرًا من أسرارهم، رغم أنه يحمل برهان وضعه سندًا ومتنًا فهو من روايات أبان وهو متروك أو ضعيف عند أهل السنة، وضعيف في كتب الرجال عند الشيعة (٢) . أيضًا، وسليم الذي يزعمون أنه مؤلف الكتاب مجهول، وقد لا يكون له وجود في إلا في خيالات الشيعة (٣)، والكتاب مضطربة طرقه ولكنهم يقولون: "ما يتراءى من الاضطراب في الطريق غير قادح وهو واقع في أكثر طرق كتب أصحابنا" (٤) . وجملة من متون الكتاب تجعله في عداد الكتب الباطنية الإلحادية، ومع ذلك فقد اعتمد النقل عنه أصحاب الكتب الأربعة المعتمدة عندهم وآخرون من شيوخهم (٥) . وسجل في هذا الكتاب جملة من عقائد غلاة الشيعة.
والمفاجأة في هذا الموضوع أن بعض شيوخ الشيعة أماط اللثام عن حقيقة هذا الكتاب، وكشف النقاب عن هويته؛ إذ قد رابهم شيء في هذا الكتاب فرأوا من الواجب كشفه قبل أن يقوض أساس التشيع الاثني عشري نفسه، ولا يظن القارئ أن هذا الذي رابهم وأشكل عليهم هو تأليه علي، أو الطعن في القرآن
_________________
(١) = عليًا، والتي ورثتها الاثنا عشرية، واستبقت أقوالها في مصادرها، ونسبتها لآل البيت، فأزرت على الآل بهذا وأمثاله، وهي تدعي التشيع لهم.. وهذه أوصاف لرب العالمين: قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ الحديد، آية: ٣.
(٢) انظر: ص (٢٧٠) هامش رقم: (٥)
(٣) انظر: ص (٢٧٠) هامش رقم: (٢)
(٤) انظر: ص (٢٧١) هامش رقم: (١)
(٥) الخوانساري/ روضات الجنات: ٤/٦٨
(٦) الكليني يعتمد عليه وأخرج له في عدة أبواب؛ كباب ما جاء في الاثني عشرية (انظر أصول الكافي: ١/٢٥٢) وباب دعائم الكفر (انظر: المصدر السابق: ٢/٣٩١) وغيرها. ومثله شيخهم ابن بابويه القمي الملقب عندهم بالصدوق في من لا يحضره الفقيه (انظر: روضات الجنات ٤/٦٨، الذريعة: ٢/١٥٤) ومثله الاحتجاج للطبرسي، والاختصاص للمفيد، وتفسير فرات وغيرها. انظر: مقدمة كتاب سليم ابن قيس ص ٦
[ ١ / ٢٢٣ ]
أو غير ذلك من المطاعن في الإسلام نفسه، إنما الخطر الذي اكتشفوه في الكتاب: "هو أنه جعل الأئمة ثلاث عشر" وهذه طامة كبرى تهدد بنيان الاثني عشرية بالسقوط، ولاسيما أن هذا وجد في كتاب يعتبر أبجد الشيعة، وأول كتاب ظهر لهم، ولهذا كفونا مؤنة نقض هذا الكتاب. فقرر فريق منهم أن "الكتاب موضوع لا مرية فيه" (١) .
وبدأوا يبينون عيوب الكتاب وأمارات وضعه فقالوا: إنه خالف التاريخ بقوله: "إن محمد بن أبي بكر وعظ أباه عند الموت لأنه غصب الإمامة من علي" مع أن محمد بن أبي بكر ولد في سنة حجة الوداع فكيف يعظ أباه وعمره ثلاث سنوات (٢)، كما أنه جعل الأئمة ثلاث عشر، وقالوا: بأن سليمًا لا يعرف ولا ذكر في خبر، وأن أسانيد الكتاب مختلفة مضطربة (٣)، واتهموا في وضع الكتاب أبان بن أبي عياش (٤) .
وحدد بعض المعاصرين تاريخ وضعه فقال: إنه موضوع في آخر الدولة الأموية لغرض صحيح (٥) .- ولم يبين دليله فيما ذهب إليه - وفريق منهم عزّ عليهم - فيما يبدو - أنه يفقدوا هذا الكتاب جملة واحدة مع أنه أصل من أصولهم وعمدة لشيوخهم.. فقال هذا الفريق: "والوجه عندي الحكم بتعديل المشار إليه والتوقف في الفاسد من كتابه" (٦) . مع أن هذا الفاسد ينقض بنيان الاثني عشرية من الأساس وذلك في جعله الأئمة ثلاثة عشر.
ولهذا لم يرتض هذا القول من الدوائر الشيعية فرأى فريق منهم القيام بعمل جذري ينهي المشكلة التي أقلقتهم من أساسها فقاموا بتعديل الكتاب ليتلاءم والمنطق الشيعي.
وأشار الخوانساري إلى التغير في الكتاب فقال: "إن ما وصل إلينا من
_________________
(١) انظر: رجال الحلي: ص ٨٣، ابن داود/ الرجال: ص ٤١٣، ٤١٤
(٢) انظر: الخوانساري/ روضات الجنات: ٤/٦٧، رجال الحلي: ص٨٣
(٣) انظر: رجال الحلي: ص٨٣، الخوانساري/ روضات الجنات: ٤/٦٧، ابن داود/ الرجال: ص ٤١٣-٤١٤
(٤) انظر: رجال الحلي: ص٢٠٦، ابن داود/ الرجال: ص٤١٣-٤١٤
(٥) هو: أبو الحسن الشعراني/ في تعليقه على الكافي مع شرحه للمازندراني: ٢/٣٧٣-٣٧٤
(٦) رجال الحلي: ص٨٣، وسائل الشيعة: ٢٠/٢١٠
[ ١ / ٢٢٤ ]
نسخ الكتاب هو أن عبد الله بن عمر وعظ أباه عند الموت" (١) . وقال الحر العاملي: "والذي وصل إلينا من نسخه ليس فيه شيء فاسد، ولا شيء مما استدل به على الوضع" (٢) . وقد بحثت عن عيوب الكتاب في نظر الشيعة والتي أشار إليها الفرق الأول في طبعتين من طبعات الكتاب (٣) . فلم أجد لها ذكرًا فيه، وهذا يدل على أنهم يغيرون في كتبهم ويزيدون وينقصون. ومع هذا فقد أصبح هذا الكتاب عمدة عند متأخري الشيعة كما قرره المجلسي في البحار (٤)، والحر العاملي في الوسائل (٥) . وغيرهما.
هذه الوقفة عند كتاب سليم بن قيس أرى أنها ضرورية لمحاولة اكتشاف الأيدي السبئية التي افترت هذه الفرية، إذ إننا نلاحظ أن الفرية بدأت من كتاب سليم بن قيس الذي اتهموا في وضعه أبان، وحدد بعضهم تاريخ وضعه بأنه في آخر الدولة الأموية. أما من تولى كبر هذا الوضع لهذه الفرية فإن بعض شيوخ الشيعة يتهم فيه أبان، وقد سبق أن ذكرنا أن الملطي يتهم فيه هشان بن الحكم، يعني أن هذه الفرية لم يكن لها وجود قبل القرن الثاني، وقد تتبعت الآراء المنسوبة لابن سبأ وطائفة السبئية فلم أجد أن هذه المقالة قد نقلت عن ابن سبأ لأنها - فيما يبدو - لم تخطر على باله لوضوح بطلانها أمام الجيل الذي عاصر التنزيل، ولأنها وسيلة سريعة لانكشاف كذبه، فلم يتجرأ ابن سبأ على إشاعة هذه الفرية. لم يقل إن الصحابة حرفوا القرآن ولكن عدل عن ذلك إلى القول: "بأن هذا القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي" (٦)، وهي مقالة مجملة لم يفصح فيها عن مراده، وقد يوضحها ما جاء في رسالة الحسن بن محمد بن الحنفية (ت٩٥هـ) وهو قوله: "ومن خصومه هذه السبئية
_________________
(١) روضات الجنات: ٤/٦٩
(٢) وسائل الشيعة: ٢٠/٢١٠
(٣) ط: النجف بالمطبعة الحيدرية، وطبعة الأعلمي ببيروت
(٤) بحار الأنوار: ١/٣٢
(٥) وسائل الشيعة: ٢٠/٢١٠
(٦) الجوزجاني/ أحوال الرجال: ص٣٨
[ ١ / ٢٢٥ ]
التي أدركنا يقولوا (كذا) هدينا لوحي ضل عنه الناس وعلم خفي ويزعمون أن نبي الله كتم تسعة أعشار القرآن، ولو كان نبي الله كاتمًا شيئًا مما أنزل الله لكتم شأن امرأة زيد ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (١) .
فإذن لم تكن هذه القضية من مقالات السبئية بل حدثت فيما بعد، أما من هو الذي تولى كبر وضع هذا الكفر بين الشيعة؟ فإن الإجابة الجازمة المحددة قد لا تكون ميسرة، ولا يجدي في هذا تتبع أسانيد روايات التحريف؛ لأن في أخبارها ما هو عار من السند كالروايات التي جاءت في كتاب الاحتجاج للطبرسي، ولأن مسألة الإسناد عندهم قد وجدت بعض القرائن - كما سيأتي - التي تدل على أنها صنعت متأخرة، كما أن من أساليبهم وضع الأسانيد الصحيحة لمتون مكذوبة فلا يعطي سلوك هذا المنهج نتيجة جازمة.