هناك كتب كثيرة عندهم قالوا: إنها في الاعتبار والاحتجاج كالكتب
_________________
(١) قالوا بأنه أجمع كتاب في الحديث، جمعه مؤلفه من الكتب المعتمدة عندهم. انظر في التعريف به: الذريعة: ٣/٢٧، أعيان الشيعة: ١/٢٩٣
(٢) هو أجمع كتاب لأحاديث الأحكام عندهم، جمع فيه مؤلفه رواياتهم عن الأئمة من كتبهم الأربعة التي عليها المدار في جميع الأعصار - كما يقولون - وزاد عليها روايات أخذها من كتب الأصحاب المعتبرة تزيد على ٧٠ كتابًا، كما ذكر صاحب الذريعة، ولكن ذكر الشيرازي في مقدمة الوسائل بأنها تزيد على ١٨٠، ولا نسبة بين القولين، وقد ذكر الحر العاملي أسماء الكتب التي نقل عنها فبلغت - كما حسبتها - أكثر من ثمانين كتابًا، وأشار إلى أنه رجع إلى كتب غيرها كثيرة، إلا أنه أخذ منها بواسطة من نقل عنها (طبع في ثلاثة مجلدات عدة مرات، ثم طبع أخيرًا بتصحيح وتعليق بعض شيوخهم في عشرين مجلدًا) . (الشيرازي/ مقدمة الوسائل، أعيان الشيعة: ١/٢٩٢-٢٩٣، الذريعة: ٤/٣٥٢-٣٥٣، الحر العاملي/ وسائل الشيعة: ١/٤-٨، ٢٠/٣٦-٤٩)
(٣) قال أغا بزرك الطهراني: "أصبح كتاب المستدرك كسائر المجاميع الحديثية المتأخرة في أنه يجب على المجتهدين الفحول أن يطلعوا عليها ويرجعوا إليها في استنباط الأحكام، وقد أذعن بذلك جل علمائنا المعاصرين" (الذريعة: ٢/١١٠-١١١)، ثم استشهد بعض أقوال شيوخهم المعاصرين باعتماد المستدرك من مصادرهم الأساسية (الذريعة: ٢/١١١) . ولكن يبدو أن بعض شيوخهم لم يوافق على ذلك فنجد صاحب أحسن الوديعة ينتقد بشدة هذا الكتاب ويقول بأنه: "نقل منه عن الكتب الضعيفة الغير معتبرة والأصول الغير ثابتة صحة نسخها، حيث إنها وجدت مختلفة النسخ أشد الاختلاف"، ثم قال بأن أخباره مقصورة على ما في البحار، وزعها على الأبواب المناسبة للوسائل، كما قابلته حرفًا بحرف (محمد مهدي الكاظمي/ أحسن الوديعة ص ٧٤) .
[ ١ / ٣٥٥ ]
الأربعة، كما ذكر ذلك المجلسي في مقدمة بحاره (١) . والحر العاملي في الوسائل (٢)، وكما نجد ذلك في مقدمات تلك الكتب. ويبدو أن تخصيص ما سلف بالذكر، إما لأنها مجاميع كبيرة، أو قد يكون لمجرد محاكاة أهل السنة وللدعاية المذهبية، ومما يوضح ذلك أنهم اعتبروا مثلًا من المجاميع الثمانية المتقدمة كتاب الوافي، وعدوه أصلًا مستقلًا، مع أنه عبارة عن جمع لأحاديث الكتب الأربعة المتقدمة (الكافي والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه) فكيف يعد أصلًا خامسًا، ومستقلًا، وهو تكرار لأحاديث الكتب الأربعة؟!
وكذلك اعتبروا "الاستبصار" للطوسي مصدرًا مستقلًا من المصادر الأربعة المتقدمة، وهو لا يعدو أن يكون اختصارًا لكتاب تهذيب الأحكام لطوسي، كما صرح بذلك الطوسي في مقدمة الاستبصار (٣)، وكما يبدو واضحًا لمن شاء المقارنة بين الكتابين، فالدعاية المذهبية واضحة في صنيعهم هذا..
وتجد أن بحار الأنوار وضعه مؤلفه في خمس وعشرين مجلدًا، ولما كبر المجلد الخامس والعشرين جعل شطرًا منه في مجلد آخر فصار المجموع (٢٦) مجلدًا (٤)، فقام المعاصرون وزادوا فيه كتبًا ليست من وضع المؤلف كجنة المأوى للنوري الطبرسي، وهداية الأخبار للمسترحمي، ومجلدات في الإجازات ليبلغوا به في طبعة جديدة مائة وعشرة مجلدات تبدأ من الصفر (٥) . كلون من المظاهر الثقافية الشكلية،
_________________
(١) انظر: جص ٢٦، قال المجلسي بأن كتب الصدوق ما عدا خمسة فيها لا تقصر في الاشتهار عن الكتب الأربعة (نفس الموضع من المرجع السابق) . وقال: "وكتاب بصائر الدرجات من الأصول المعتبرة التي روى عنها الكليني وغيره". (السابق: ١/٢٧)، وهكذا قال في عدد كبير من كتبهم
(٢) انظر: وسائل الشيعة: ج (الخاتمة)
(٣) الاستبصار: ١/٢-٣
(٤) انظر: الذريعة: ٣/٢٧
(٥) حيث إن المجلد الأول يحمل رقم صفر!
[ ١ / ٣٥٦ ]
والدعاية المذهبية. وهم مغرمون بهذا الاتجاه الدعائي (١) .
أما موضوع هذه المدونات فإن التهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه، ووسائل الشيعة، ومستدرك الوسائل كلها في الفقه، وكذلك الكافي، فإن المجلدين الأول والثاني في الأصول وسائر المجلدات الباقية في الفقه وهو مما يسمى "فروع الكافي".
ويلاحظ التشابه في كثير من مسائلهم الفقهية مع أهل السنة؛ مما يؤكد ما يقول بعض أهل العلم من أخذهم لذلك من أهل السنة (٢)، ولهم مفردات غريبة، ومسائل منكرة لا تخطر على البال تستحق أن يكتب فيها تأليف خاص، وقد جمع جزءًا منها شيخهم المرتضى في كتاب سماه "الانتصار" (٣) . وقد نقل ابن عقيل الحنبلي بعض هذه المسائل، وهو يتعجب منها، وقد سجلها ابن الجوزي في المنتظم (٤) . من خط ابن عقيل، كما أشار إليها في الموضوعات بقوله: "ولقد وضعت الرافضة كتابًا في الفقه وسموه مذهب الإمامية، وذكروا فيه ما يخرق إجماع المسلمين
_________________
(١) وتجد أن مجموعة كبيرة منهم تكلف بالكتابة في موضع "ما"، ويصرف لها المرتبات من الحوزات العلمية، فإذا انتهى العمل نسب لواحد منهم أو لأحد شيوخهم كأنه هو الذي قام بهذا العمل الذي لا يقوم به إلا جمع من الناس، كما يلاحظ ذلك في كتاب الغدير وغيره، ولهم هوس في ادعاء السبق، حيث تجد في كتاب الشيعة وفنون الإسلام بأن للشيعة السبق في كل علم، مع أن الروافض لم يعرف عنهم شيء من هذا إلا ما أخذوه عن أهل السنة، ولهم مفردات تفضح أمرهم، وترى في أعيان الشيعة للعاملي احتسابه لكثير من أئمة أهل السنة من طائفته لمجرد ما يذكر في تراجمهم من وجود ميل للتشيع عندهم، وهو أمر لا يدخلهم في مسلك الروافض، إذ محبة أهل البيت الحقيقية هي في أهل السنة أكثر من الرافضة
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية: ٣/٢٤٦
(٣) وقد وقفت عليه في طبعته الأخيرة (١٤٠٥هـ، دار الأضواء، بيروت) وقد طبع قبل ذلك ضمن الجوامع الفقهية بطهران سنة ١٢٦٧هـومستقلًا سنة ١٣١٥هـ، ويسمى: "مسائل الانفرادات في الفقه" (لؤلؤة البحرين ص ٣٢٠)
(٤) المنتظم: ٨/١٢٠
[ ١ / ٣٥٧ ]
بلا دليل أصلًا (١) .
أما بالنسبة للقسم الباقي من هذه المدونات وهي أصول الكافي، وبحار الأنوار فهي تتعلق بمسائل: التوحيد، والعدل، والإمامة.. وأكثر ما فيها يدور حول عقائدهم وآرائهم في الإمامة والأئمة الاثني عشر والنص عليهم، وصفاتهم، وأحوالهم، وزيارة قبوهم، والحديث عن أعدائهم، وعلى رأسهم صحابة رسول الله ﷺ، ونلحظ أن كل شيء - في الغالب - يدور في فلك الإمامة والأئمة.
والقارئ لهذه الأحاديث في هذه المدونات وغيرها من كتب الرواية عندهم يجد أن هناك فرقًا واضحًا وكبيرًا بين الروايات التي ترد عن طريق أهل السنة ويطلق عليها الحديث، وبين الروايات التي ترد عن طريق الشيعة ويطلق عليها اللفظ نفسه، فكتب السنة الستة وغيرها إذا روت حديثًا فهو منسوب إلى النبي ﷺ وهي أحاديثه هو. أما كتب الحديث عند الشيعة فهي تأتي بالرواية عن أحد أئمتهم الاثني عشر ويعتقدون - كما مر - أن لا فرق بين ما يروونه عن النبي ﷺ أو عن أحد أئمتهم.
كما أن القارئ لكتب الحديث عندهم لا يجد إلا القليل النادر منها هو المسند إلى النبي ﷺ، وأكثر ما يروونه في الكافي، واقف عند جعفر الصادق، وقليل منها يعلو إلى أبيه محمد الباقر، وأقل من ذلك ما يعلوا إلى أمير المؤمنين علي - ﵁ - ونادرًا ما يصل إلى النبي ﷺ.
كما يلحظ أن مدوناتهم الأربع المتأخرة ألفت في القرن الحادي عشر وما بعده، وآخرها ألفه النوري الطبرسي (المتوفى سنة ١٣٢٠هـ) وهو من معاصري الشيخ محمد عبده. وقد جمع فيه ثلاثة وعشرين ألف حديث عن الأئمة (٢) . لم
_________________
(١) الموضوعات: ١/٣٣٨
(٢) الذريعة: ٢١/٧
[ ١ / ٣٥٨ ]
تعرف من قبل، فهي متأخرة عن عصور الأئمة بمئات السنين، فإذا كان هؤلاء قد جمعوا تلك الأحاديث عن طريق السند والرواية فكيف يثق عاقل برواية لم تسجل طيلة أحد عشر قرنًا أو ثلاثة عشر قرنًا!! وإذا كانت مدونة في كتب فلم يعثر على هذه الكتب إلا في القرون المتأخرة (١)، ولم يجمع تلك الروايات متقدموهم، ولم لم تذكر تلك الكتب وتسجل في كتبهم القديمة؟! كيف لم يسجلها الكليني وهو بحضرة السفراء الأربعة سفراء المهدي؟! وقد سماه الكافي لأنه كاف للشيعة، وقد عرضه على مهديهم - بواسطة السفراء - فقال: كاف لشيعتنا - كما سلف (٢) .- بل إن الطوسي قال بأنه جمع في كتابه تهذيب الأحكام جميع ما يتعلق بالفقه من أحاديث أصحابهم وكتبهم وأصولهم، لم يتخلف عن ذلك إلا نادر قليل وشاذ يسير (٣) .
فهل هذه الكتب وضعت فيما بعد في أيام الدولة الصفوية، ونسبت لشيوخهم الأوائل؟ هذا ليس ببعيد.
بل إن كتبهم الأربعة الأولى لم تخل من دس وزيادة، وآية ذلك أن كتاب
_________________
(١) صرح بعض أصحاب هذه المدونات بأنه عثر على كتب لم تدون في كتبهم المعتمدة من قبل. يقول المجلسي: "اجتمع عندنا بحمد الله سوى الكتب الأربعة نحو مائتي كتاب، ولقد جمعتها في بحار الأنوار (اعتقادات المجلسي ص ٢٤، مصطفى الشيبي/ الفكر الشيعي ص٦١)، وذكر شيخهم الحر العاملي بأنه توفر عنده أكثر من ثمانين كتابًا عدا الكتب الأربعة، وقد جمع ذلك في وسائل الشيعة" (انظر: الوسائل ج، المقدمة، والذريعة: ٤/٣٥٢-٣٥٣) . أما شيخهم المعاصر النوري الطبرسي فهو أيضًا قد عثر على كتب لم تدون من قبل رغم أنه من المعاصرين، يقول أغا بزرك الطهراني: "والدافع لتأليفه عثور المؤلف على بعض الكتب المهمة التي لم تسجل في جوامع الشيعة من قبل (الذريعة: ٢١/٧) وجعلوا هذه الأحاديث المكتشفة والتي جمعها مستدرك الوسائل مما لا يستغنى عنه، قال آيتهم الخراساني - كما ينقل صاحب الذريعة - بأن الحجة للمجتهد في عصرنا هذا لا تتم قبل الرجوع إلى المستدرك، والاطلاع على ما فيه ما الأحاديث" (الذريعة ٢/١١١)، فهل يعني هذا أنه قبل تأليف المستدرك لا حجة عندهم في قول شيخهم؟! فانظر وتعجب.. وقد تستمر مسيرة الاكتشاف للكتب والروايات
(٢) انظر: مقدمة الرسالة
(٣) الاستبصار: ١/٢
[ ١ / ٣٥٩ ]
تهذيب الأحكام للطوسي بلغت أحاديثه (١٣٩٥٠) حديثًا كما ذكر ذكر أغا بزرك الطهراني في الذريعة (١)، ومحسن العاملي في أعيان الشيعة (٢) . وغيرهما من شيوخهم المعاصرين، في حين أن الشيخ الطوسي نفسه صرح في كتابه عدة الأصول بأن أحاديث التهذيب وأخباره تزيد على (٥٠٠٠)، ومعنى ذلك أنها لا تصل إلا إلى (٦٠٠٠) في أقصى الأحوال (٣) . فهل زيد عليها أكثر من الضعف في العصور المختلفة؟! الدليل المادي الملموس أمامنا يؤكد ذلك.
وأيضا تراهم اختلفوا هل كتاب الروضة - وهو أحد كتب الكافي التي تضم مجموعة من الأبواب، وكل باب يتضمن عددًا كبيرًا من الأحاديث - هل هو من تأليف الكليني أم مزيد فيما بعد على كتابه الكافي (٤)، فكأن أمر الزيادة شيء طبيعي ووارد في كل حال.
بل الأمر أخطر من ذلك فإن شيخهم الثقة عندهم حسين بن حيدر الكركي العاملي (المتوفى سنة ١٠٧٦هـ) قال: إن كتاب الكافي خمسون كتابًا بالأسانيد التي فيه لكل حديث متصل بالأئمة (٥)، بينما نرى شيخهم الطوسي (المتوفى سنة ٣٦٠هـ) يقول: "كتاب الكافي مشتمل على ثلاثين كتابًا، أخبرنا بجميع رواياته الشيخ.." (٦) .
فهل زيد على الكافي للكليني فيما بين القرن الخامس، والحادي عشر عشرون كتابًا، مع أن كل كتاب يضم عشرات الأبواب، وكل باب يشمل مجموعة من الأحاديث؟! لعل هذا أمر طبيعي، فمن كذب على رسول الله والصحابة والقرابة فمن باب أولى أن يكذب على شيوخه..
_________________
(١) الذريعة: ٤/٥٠٤
(٢) أعيان الشيعة: ١/٢٨٨
(٣) انظر: الإمام الصادق: ص٤٨٥
(٤) روضات الجنات: ٦/١٨٨-١٧٦
(٥) المصدر السابق: ٦/١١٤
(٦) الفهرست: ص١٦١
[ ١ / ٣٦٠ ]
وشواهد هذا الباب كثيرة.
أما متون هذه الكتب ونصوصها فإنك تلحظ فيها ظاهرة الاختلاف والتضاد، ولقد تألم شيخهم محمد بن الحسن الطوسي "لما آلت إليه أحاديثهم من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه.." واعترف بأن هذا الاختلاف قد فاق ما عند أصحاب المذاهب الأخرى، وأن هذا كان من أعظم الطعون على مذهبهم، وأنه جعل بعض الشيعة يترك هذا المذهب لما انكشف له أمر هذا الاختلاف والتناقض (١) .
وقام شيخهم الطوسي بمحاولة يائسة لتدارك هذا الاختلاف وتوجيه هذا التناقض فلم يفلح؛ بل زاد الطين بلة، حيث علق كثيرًا من اختلاف الروايات على التقية بلا دليل سوى أن هذا الحديث أو ذاك يوافق أهل السنة.
والواقع أنه بصنيعه هذا قد "كرس" الفرقة، وأضاع على طائفته كثيرًا من سبل الهداية.. ومحاولته كانت في أحاديث الأحكام، أما باقي مسال المذهب فلم يتعرض لها.
والدليل المادي على أن محاولته لم تنجح هو كثرة اختلافهم، وقد اشتكى بعض شيوخهم من هذه الظاهرة وهو الفيض الكاشاني صاحب الوافي أحد الكتب الثمانية المعتمدة فقال عن اختلاف طائفته: ".. تراهم يختلفون في المسألة الواحدة على عشرين قولًا أو ثلاثين قولًا أو أزيد؛ بل لو شئت أقول: لم تبق مسألة فرعية لم يختلفوا فيها أو في بعض متعلقاتها" (٢) .
ومن الملاحظ أن اختلافهم هو اختلاف في الأحاديث أو النصوص وليس اختلافًا في الاستنباط، ولا شك أن التناقض أمارة على بطلان المذهب، وكذب الروايات.. وأن ذلك ليس من عند الله لقوله سبحانه: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ
_________________
(١) تهذيب الأحكام: ١/٢-٣
(٢) الوافي، المقدمة: ص٩
[ ١ / ٣٦١ ]
لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (١) .
وقد عزت بعض راياتهم ظاهرة الاختلاف إلى كثرة الكذب على الأئمة.. فهذا الفيض بن المختار يشكو لأبي عبد الله - كما تقول رواياتهم - كثرة اختلافهم ويقول: "ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم.. إني لأجلس في حلقهم بالكوفة فأكاد أن أشك في اختلافهم في حديثهم. فقال أبو عبد الله: هو ما ذكرت يا فيض إن الناس أولعوا بالكذب علينا.. وإني أحدث أحدهم بالحديث فلا يخرج من عندي حتى يتأوله على غيره تأويله، وذلك أنهم لا يطلبون بحديثنا وبحبنا ما عند الله وإنما يطلبون الدنيا وكل يحب أن يدعى رأسًا" (٢) .
وقد كثرت شكاوى الأئمة من كثرة الكذابين عليهم (٣)، وقد حف بهم
_________________
(١) النساء، آية: ٨٢
(٢) مضى ذكره وتخريجه من كتب الشيعة: ص ٩٠
(٣) تروي كتب الشيعة عن جعفر الصادق قال: "إن لكل رجل منا، رجل يكذب عليه، وقال: إن المغيرة بن سعيد دس في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدث بها، فاتقوا الله ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربنا وسنة نبينا". وقد اعترف المغيرة بن سعيد كما تروي كتب الشيعة بذلك حيث قال: "دسست في أخباركم أخبارًا كثيرة تقرب من مائة ألف حديث". وعن الصادق قال: "إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا فيسقط صدقنا بكذبه". وعن أنس أنه قال: "وافيت العراق فوجدت قطعة من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله - ﵉ - متوافرين فسمعت منهم وأخذت كتبهم وعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا فأنكر منها أحاديث كثيرة.. وقال: إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يسدون من هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله - ﵇ - فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن" (انظر النصوص السابقة في: تنقيح المقال: ١/١٧٤-١٧٥) . فإذا وضعت مع هذه النصوص شهادة أئمة السنة بكذب الروافض (انظر: المنتقى ص٢١-٢٣، ميزان الاعتدال: ١/٢٧-٢٨) تبين شيوع الكذب وكثرته عندهم، وإذا عرفت مدى بضاعتهم في علم الإسناد، والجرح والتعديل تحقق لك الخطر الكبير الذي يعيشه هؤلاء من خلال اعتمادهم في التلقي على ذلك المدونات
[ ١ / ٣٦٢ ]
ولاسيما جعفر الصادق مجموعة من المتآمرين والمتكسبين والمحتالين.. وكانوا يستقبلون بعض الوفود القادمة من أصقاع العالم الإسلامي ويأكلون أموالهم باسم الأئمة، ويقدمون لهم تواقيع مزورة باستلامهم ويحدثون عنهم بما لم يقولوا (١) .
وإذا كذب الأئمة أقوالهم قالوا: إن هذا التكذيب منهم تقية (٢) .
واستمع إلى شريك بن عبد الله القاضي (ت١٧٧-١٧٨هـ) يصف الأقوام الذين التصقوا بجعفر وادعوا الرواية عنه - كما تنقل ذلك كتب الشيعة نفسها - "قال أبو عمرو الكشي: قال يحيى بن عبد الحميد الحمّاني في كتابه المؤلف في إثبات إمامة أمير المؤمنين - ﵁ -: قلت لشريك: إن أقوامًا يزعمون أن جعفر بن محمد ضعيف الحديث، فقال: أخبرك القصة، كان جعفر بن محمد رجلًا صالحًا مسلمًا ورعًا فاكتنفه قوم جهال يدخلون عليه ويخرجون من عنده ويقولون: حدثنا جعفر بن محمد، ويحدثون بأحاديث كلها منكرات كذب موضوعة على جعفر، ليستأكلوا الناس بذلك، ويأخذوا منهم الدراهم، كانوا يأتون من ذلك بكل منكر، فسمعت العوم بذلك فمنهم من هلك ومنهم من أنكر" (٣) . ويبدو أن الإنكار كان من طائفة من المتقدمين.. إذ إن المتأخرين - ولاسيما في العهد الصفوي وما بعده - قد أصبحت الأساطير الكثيرة التي تروى عن جعفر جزءًا من عقائدهم بلا نكير.
أما معاني هذه الروايات، ومادتها فإن فيها ما يحكم المرء بوضعه بمجرد النظر في متنه لمخالفته لأصول الإسلام وضروراته، وما علم بالتواتر، وما أجمع المسلمون عليه.. مع مخالفته لصريح العقل، وقد رأيت في رواياتهم ما يلغى هذا المبدأ أعني
_________________
(١) انظر: التحفة الاثني عشرية، الورقة (٩٢) (مخطوط)
(٢) انظر: ميزان الاعتدال ترجمة زرارة: ٢/٦٩-٧٠، وسيأتي عند الحديث عن حال رجالهم بأن شيوخ الشيعة يحملون الطعن والتكذيب الصادر من جعفر الصادق وغيره في حق معظم رواتهم بأنه تقية
(٣) رجال الكشي: ص ٢٠٨-٢٠٩، بحار الأنوار: ٢٠/٣٠٢-٣٠٣
[ ١ / ٣٦٣ ]
مبدأ نقد المتن لظهور القرائن التي تدل على ذلك، فقد جاء في بصائر الدرجات عن سفيان السمط قال: "قلت لأبي عبد الله - ﵇ -: جعلت فداك؛ إن رجلًا يأتينا من قبلكم يعرف بالكذب فيحدث بالحديث فنستبشعه، فقال أبو عبد الله - ﵇ -: يقول لك: إني قلت لليل إنه نهار، وللنهار إنه ليل، قال: لا، قال: فإن قال لك هذا إني قلته فلا تكذب به فإنك إنما تكذبني" (١) .
وجاء أيضًا "إن حديثنا تشمئز منه القلوب فمن عرف فزيدوهم، ومن أنكر فذروهم" (٢) .
وقد ذكر شيخهم المجلسي في الاتجاه (١١٦) حديثًا في باب بعنوان "باب إن حديثهم - ﵈ - صعب مستصعب، وإن كلامهم ذو وجوه كثيرة، وفضيلة التدبر في أخبارهم - ﵃ - والتسليم لهم والنهي عن رد أخبارهم" (٣)، وإذا قارنت هذا بما يذهب إليه أهل السنة استبان بصورة أعظم ضلالهم، وبضدها تتميز الأشياء (٤) .
_________________
(١) بحار الأنوار: ٢/٢١١-٢١٢
(٢) بحار الأنوار: ٢/١٩٢
(٣) انظر: المصدر السابق: ٢/١٨٢-٢١٢
(٤) قارن ذلك بما قاله أئمة السنة في هذا الباب، قال الربيع بن خثيم (المتوفى سنة ٦١ أو ٦٣هـ) والذي قال فيه ابن مسعود: "لو رآك رسول الله ﷺ لأحبك" (تقريب التهذيب: ١/٢٤٤) قال الربيع: "إن من الحديث حديثًا له ضوء كضوء النهار يعرف، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل ننكره" (رواه الخطيب البغدادي في الكافية ص٦٠٥)، وقال أبو الحسن علي بن عروة المتوفى سنة ٨٣٧هـ، صاحب الكواكب الدراري في ١٢٠ مجلدًا. (انظر: السخاوي/ الضوء اللامع: ٥/٢١٤-٢١٥)، قال ابن عروة: "القلب إذا كان تقيًا نظيفًا زاكيًا كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدى والضلال ولا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي، فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور، ودسائس الأشياء، والصحيح من السقيم، ولو ركب على متن ألفاظ موضوعة على الرسول إسناد صحيح أو متن صحيح إسناد ضعيف لميز ذلك وعرفه. فإن ألفاظ الرسول لا تخفى على عاقل ذاقها" (القاسمي/ قواعد التحديث ص ١٦٥، وقد نقل ذلك عن مخطوطة الكواكب الدراري لابن عروة) . وقد اعتنى أئمة الحديث بالمتن كما اعتنوا بالإسناد، ووضعوا علامات لمعرفة الحديث الموضوع =
[ ١ / ٣٦٤ ]
والغالب في النقد المتن عندهم أنه يعمل به إذا كان الحديث يوافق أهل السنة والذين يسمونهم بالعامة فيردّ الحديث حينئذ، لأن مخالفة العامة كما تقول رواياتهم فيها الرشاد (١) . فيزدادون بهذا ضلالًا على ضلالهم.. مع أنه قد جاء عن بعض الأئمة وفي كتب الشيعة نفسها: "لا تقبلوا علينا خلاف كتاب ربنا" (٢)، إلا أن هذا المبدأ لم يعمل به شيوخهم.. بل إن الأصل الذي أمر الأئمة بالرجوع إليه (وهو القرآن) قد كثرت أساطيرهم التي تتعرض له.
أما مدى صحة هذه الروايات عندهم، والتي تضمنتها تلك المدونات والتعرف على أسانيدهم ورجالهم الذين ارتضوا رواياتهم عن الأئمة، وأقسام الحديث عندهم، ومقاييس نقد السند لديهم، فهذا موضوع هام وكبير يستحق أن يكتب فيه كتابة مستقلة.. وذلك لأهميته في كشف حقيقة هذه المدونات أمام المخدوعين والمغفلين.. وتعرية الباطل واكتشاف الأيدي السبئية التي أسهمت في صنع هذا "الضلال" ونسبته لبعض علماء أهل البيت.. وهو مبحث واسع الأطراف متعدد الجوانب لا يكفي هذا الحيز لتفصيل القول فيه.. فسنكتفي بالعرض المجمل، والإشارة واللمحة.
_________________
(١) = بدون النظر إلى إسناده، وعامة علوم الحديث تعرضت لذلك، قال ابن دقيق العيد: وأهل الحديث كثيرًا ما يحكمون بالوضع باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث.. (الاقتراح: ص ٢٣١) .. كما ذكر اين الصلاح بأنهم قد يعرفون كون الحديث موضوعًا بقرينة النص المروي، فقد وضعت أحاديث - كما يقول - طويلة تشهد لوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها (علوم الحديث/ لابن الصلاح ص: ٨٩) . وقد كتب ابن القيم - ﵀ - كتابًا مستقلًا في هذا الشأن إجابة لسؤال يقول: "هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ " فأورد - ﵀ - قواعد عدة في هذا الشأن بلغت (٤٤) قاعدة ومثل لها بـ (٢٧٣) حديثًا وبيّن وجه وضعها من خلال نقد المتن فقط وذلك في كتابه "المنار المنيف"
(٢) انظر: مبحث الإجماع من هذه الرسالة
(٣) انظر: أصول الكافي، باب الأخذ بالسنة وشواهد الكتاب: ١/٦٩-٧١، وفيه مجموعة أحاديث في هذا المعنى
[ ١ / ٣٦٥ ]